اطلعت باهتمام على قرب صدور كتاب The Central Bank of Libya: Managing Monetary Policy Under Crisis، من تأليف المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي الصديق عمر الكبير، بالاشتراك مع مايكل جي. شيفر، الممثل السابق للبنك الدولي في ليبيا والمستشار السابق للقطاع العام لدى البنك الدولي في ليبيا.
وبحسب وصف الناشر، يتناول الكتاب تطور السياسة النقدية ومصرف ليبيا المركزي خلال فترة اتسمت بالانقسام السياسي والمؤسسي والأزمات المتعاقبة.
ومن حيث المبدأ، أرحب بأي عمل جاد يوثق إدارة أهم مؤسسة نقدية في ليبيا خلال واحدة من أصعب الفترات في تاريخ البلاد الحديث. فوجود رواية مكتوبة من الشخص الذي ترأس السياسة النقدية خلال معظم تلك السنوات مهم بلا شك للباحثين وللرأي العام.
لكن الكتاب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره الحكم النهائي على تلك المرحلة، بل باعتباره رواية أحد أبرز المشاركين فيها.
فإدارة المصرف المركزي لا تُقيَّم بالنوايا أو بحجم الاحتياطيات الأجنبية فقط، بل أيضاً بنتائج السياسة النقدية: قيمة العملة وقوتها الشرائية، استقرار الأسعار، نمو عرض النقود، سلامة الجهاز المصرفي، قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم، ومدى التنسيق بين السياسة النقدية والمالية.
أولاً: أزمة 2014 وتفكك النظام المصرفي
من أهم الأسئلة التي لا يجوز تجاوزها عند تقييم تلك المرحلة: ماذا حدث للنظام المصرفي الليبي بعد الانقسام السياسي والمؤسسي في 2014؟
فقد عمل فرع المصرف المركزي في الشرق لاحقاً بصورة منفصلة عن طرابلس، بينما ظل مصرف طرابلس يسيطر على الاحتياطيات الأجنبية وعلى الوصول إلى النقد الأجنبي. كما أثر الانقسام في نظم التسوية والرقابة وتمويل الإنفاق العام.
وعليه، فالسؤال ليس فقط ما إذا كان الانقسام مفهوماً سياسياً، بل ما هي تكلفته الاقتصادية على المصارف التجارية والمودعين والسيطرة النقدية ووحدة منظومة المدفوعات الوطنية؟
كما أن الحوكمة مسألة لا يمكن تجاهلها، إذ عمل مصرف طرابلس لفترة طويلة من دون مجلس إدارة يؤدي دوره بصورة طبيعية، وهذا ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي تقييم مؤسسي جاد.
ثانياً: الدفاع عن سعر صرف إداري
مع تراجع الإيرادات النفطية وتصاعد الضغوط المالية بعد 2013، أصبح واضحاً تدريجياً أن سعر الصرف الرسمي لم يعد يعكس التوازن بين كمية الدينارات المتداولة وبين حجم النقد الأجنبي المتاح بالسعر الرسمي.
والنتيجة كانت عملياً وجود سعرين لأصل واحد: سعر رسمي لمن يستطيع الوصول إلى القنوات المعتمدة، وسعر أعلى بكثير في السوق الموازية يتحمله باقي الاقتصاد.
وهذه من أهم القضايا التي تستحق المراجعة النقدية.
فالحفاظ على سعر رسمي لا يعني بالضرورة الحفاظ على قيمة العملة إذا لم يكن الدولار متاحاً فعلياً للجميع بذلك السعر.
وحين تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، يتحول الفرق بينهما إلى ريع اقتصادي لمن يستطيع الحصول على الدولار بالسعر الرسمي.
لذلك لا يكفي أن نسأل: كم دولاراً حافظ عليه المصرف المركزي؟
بل يجب أيضاً أن نسأل: ما تكلفة ذلك على الدينار والسوق والاقتصاد والمواطن؟
ثالثاً: الاحتياطيات وسيلة وليست هدفاً
حماية الاحتياطيات الأجنبية مسؤولية أساسية لأي مصرف مركزي، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط.
لكن الاحتياطيات أداة لتحقيق الاستقرار، وليست هدفاً مستقلاً بذاته.
فإذا تم تقييد الوصول إلى النقد الأجنبي، بينما يستمر الإنفاق العام والسيولة المحلية في الارتفاع، فإن الطلب على الدولار لا يختفي، بل ينتقل إلى السوق الموازية.
وهنا تظهر المفارقة: قد تبقى الدولارات في ميزانية المصرف المركزي، بينما يفقد الدينار تدريجياً جزءاً من قوته الشرائية في السوق.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل حافظنا على الاحتياطي؟ بل أيضاً: هل أدرنا الأوضاع النقدية بطريقة تمنع تراكم كمية مفرطة من الدينارات تطارد تلك الاحتياطيات؟
رابعاً: الضغوط النقدية كانت تتراكم
وللدقة، أود تصحيح رقم سبق أن استخدمته.
تُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن عرض النقود الواسع بلغ نحو 69 مليار دينار في 2013، و96.3 ملياراً في 2016، و111.3 ملياراً في 2017، و108.7 ملياراً في 2019، و125.5 ملياراً في 2020.
ثم انخفض في 2021 قبل أن يرتفع مجدداً في 2022، ثم بوتيرة أكبر بكثير خلال 2023.
وقد تختلف الأرقام الدقيقة قليلاً بحسب الجداول المستخدمة، لكن النقطة الأساسية لا تتغير: نمو عرض النقود تسارع بقوة في 2023.
والسؤال الاقتصادي هنا بسيط:
كيف يمكن الحفاظ على استقرار سعر الصرف في اقتصاد ضعيف التنوع والإنتاج المحلي، بينما تتوسع كمية الدينارات بسرعة، في حين يظل النفط المصدر شبه الرئيسي للنقد الأجنبي؟
خامساً: 2021 — تصحيح ناجح لكنه لم يكن حلاً دائماً
من الإنصاف تسجيل أحد أهم النجاحات في عهد الكبير.
ففي يناير 2021 تم توحيد سعر الصرف من خلال تخفيض كبير لقيمة الدينار وربطه عند 0.1555 من حقوق السحب الخاصة للدينار، ما أدى إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بصورة واضحة.
ولذلك لا يصح القول إن قرار 2021 أنتج بذاته تضخماً منفلتاً.
فجزء كبير من السلع كان قد بدأ يُسعّر أصلاً على أساس تكلفة الإحلال وسعر السوق الموازية قبل التخفيض، ولذلك كان انتقال أثر التخفيض إلى الأسعار أقل مما قد توحي به الحسابات النظرية البحتة.
لكن يبقى سؤال مهم:
هل كان سعر 2021 سعراً توازناً مستداماً، أم مجرد السعر الذي أمكن عنده توحيد السوق في تلك اللحظة وتحت تلك الظروف المالية والنقدية؟
نجاح القرار في إغلاق الفجوة في 2021 لم يكن ضمانة لبقائها مغلقة إذا عاد الإنفاق والسيولة إلى التوسع بصورة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
سادساً: 2022 والربع الأول من 2023 — فرصة ضائعة
وهنا يلزم تصحيح مهم.
الفائض الذي أشرت إليه سابقاً، والمقدر بنحو 8 مليارات دولار، يجب ربطه بالقوة المالية والخارجية خلال عام 2022 والربع الأول من 2023، وليس بعام 2023 كاملاً.
والفرق مهم.
فوفق بيانات صندوق النقد، حققت ليبيا في 2022 فائضاً مالياً استثنائياً بلغ نحو 49.1 مليار دينار، أي ما يقارب ربع الناتج المحلي. أما في 2023 فانخفض الفائض السنوي إلى نحو 17.4 مليار دينار، أي قرابة 8% من الناتج.
وهذا يعني أن ليبيا دخلت 2023 بعد سنة مالية قوية جداً، واستمرت في وضع مريح نسبياً خلال الجزء الأول من 2023.
وهنا كانت هناك نافذة فرصة كان يمكن استخدامها لتعزيز الانضباط النقدي، وامتصاص فائض السيولة، وتحسين التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، وبناء إطار أكثر استدامة لمواجهة الضغوط المستقبلية.
والسؤال المشروع للكتاب هو: هل استُخدمت هذه الفرصة بالقدر الكافي؟
سابعاً: 2023 — التناقض يصبح أوضح
مع نهاية 2023 تغيرت الصورة بصورة ملموسة.
تراجع الفائض المالي السنوي بصورة كبيرة، بينما ارتفع الإنفاق. والأهم من ذلك أن عرض النقود توسع بمعدل استثنائي.
فقد ارتفع عرض النقود الواسع بنحو 28% خلال 2023 وفق بيانات صندوق النقد.
وهذه هي النقطة الأهم، لا رقم الفائض الذي نُسب خطأً سابقاً إلى 2023.
فالمشكلة لم تكن فقط أن ليبيا «تفتقر إلى الدولارات».
المشكلة الأعمق كانت الجمع بين:
توسع مالي مستمر + نمو سريع في السيولة بالدينار + سعر صرف رسمي ثابت لا يمكن عنده توفير الدولار بلا حدود.
وقد أشار صندوق النقد إلى أن طفرة الإنفاق في 2023 رفعت الطلب على النقد الأجنبي وضغطت على سعر الصرف، وأن الفجوة بين الرسمي والموازي بدأت تتسع مجدداً منذ أواخر 2023 ووصلت إلى مستويات كبيرة بحلول مارس 2024.
وهنا تصبح الصورة واضحة:
المشكلة لم تكن مجرد نقص في الدولار، بل عدم التناسب بين حجم السيولة بالدينار وبين كمية الدولار التي تستطيع السلطات توفيرها بالسعر الرسمي السائد.
ثامناً: مطلع 2024 — قيود أولاً ثم رسم 27%
في بداية 2024 شدد المصرف المركزي القيود على الاعتمادات وخفّض حدود مشتريات الأفراد من النقد الأجنبي، وقد ساهم ذلك في اتساع إضافي للفجوة بين الرسمي والموازي.
ثم جاء الرد بفرض رسم مؤقت بنسبة 27% على مشتريات النقد الأجنبي.
وقد ربط صندوق النقد هذا الإجراء بالضغوط الناتجة عن التوسع المالي والطلب المفرط على الدولار والضغط على الاحتياطيات، واعتبر الرسم حلاً ثانياً أقل جودة من العلاج الأصلي.
وهنا يبرز أحد أهم الأسئلة في تقييم تلك المرحلة:
إذا كان أصل الاختلال هو توسع الإنفاق والسيولة بالدينار بما يتجاوز قدرة الاقتصاد على توفير الدولار بالسعر الرسمي، فهل كان الحل الأفضل فرض رسم 27% على طالب الدولار؟
أم كان الأجدى منع تراكم الاختلال المالي والنقدي من الأصل؟
قد يكون الرسم مفهوماً كإجراء طارئ، لكنه لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين وجود إطار نقدي ناجح ومستدام.
تاسعاً: السجل المؤسسي الأوسع
التقييم الكامل لفترة الكبير يجب ألا يقتصر على سعر الصرف وحده.
هناك نجاحات يجب الاعتراف بها:
الحفاظ على احتياطيات أجنبية كبيرة.
استمرار منظومة المدفوعات والوصول إلى النقد الأجنبي في ظروف حرب وانقسام.
تنفيذ قرار توحيد سعر الصرف في 2021.
تحسين بعض جوانب الرقابة المصرفية والتقارير.
والمساهمة لاحقاً في عملية إعادة توحيد المصرف المركزي.
لكن في المقابل كانت هناك نقاط ضعف واضحة:
استمرار الانقسام المؤسسي لفترة طويلة.
ضعف الحوكمة ومجلس الإدارة.
الاعتماد المفرط على القيود الإدارية.
التأخر في تعديل سعر الصرف.
ضعف أدوات السياسة النقدية وإدارة السيولة.
عودة الفجوة بين الرسمي والموازي أكثر من مرة.
وعدم القدرة على منع تحول نمو السيولة إلى ضغط متكرر على سوق النقد الأجنبي.
ولهذا فإن عبارة «المصرف حافظ على الاحتياطيات» لا تكفي كحكم نهائي على تلك المرحلة.
السؤال الأكثر أهمية هو:
هل كان النظام النقدي يصبح أكثر صلابة مع مرور الوقت، أم كان يعود باستمرار إلى الحلقة نفسها: قيود، فجوة، ريع، ضغط، رسوم، ثم تخفيض جديد؟
الخلاصة
لا أكتب هذا للتقليل من أهمية الكتاب المرتقب.
على العكس، صدوره يفتح باباً مهماً لنقاش اقتصادي موثق حول واحدة من أكثر مراحل السياسة النقدية حساسية في تاريخ ليبيا الحديث.
ولا أزعم أن محافظ مصرف مركزي يستطيع منفرداً السيطرة على اقتصاد عانى من صراع مسلح، وانقسام سياسي، وإغلاقات نفطية، وحكومات متنافسة، وإنفاق عام منفلت، ومؤسسات مجزأة.
تحميل المصرف المركزي وحده مسؤولية كل النتائج الاقتصادية لن يكون عادلاً ولا سليماً تحليلياً.
لكن العكس أيضاً غير مقبول.
فالظروف السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر يعفي السياسة النقدية من تقييم نتائجها.
المصرف المركزي ليس خزنة هدفها جمع أكبر كمية ممكنة من الدولارات.
الاحتياطيات مهمة، لكن المهم أيضاً:
القوة الشرائية للدينار، حجم عرض النقود، الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، سلامة القطاع المصرفي، الوصول إلى السيولة، والقدرة على منع تحول التوسع المالي إلى عدم استقرار نقدي.
ولهذا فإن الأسئلة الأهم التي أتمنى أن يجيب عنها الكتاب ليست فقط:
كيف أدار مصرف ليبيا المركزي الأزمة؟
بل أيضاً:
ما القرارات التي اتخذها؟
ما تكلفتها؟
ما البدائل التي كانت متاحة؟
لماذا لم تتحول فرصة 2022 وبداية 2023 إلى مرساة نقدية أكثر استدامة؟
لماذا تسارع نمو عرض النقود بهذه القوة في 2023؟
لماذا عادت فجوة سعر الصرف إلى الاتساع؟
ولماذا انتهى النظام إلى فرض رسم 27% في 2024؟
التاريخ الاقتصادي لا يكتبه صناع القرار وحدهم، ولا منتقدوهم وحدهم.
يكتبه الدليل، وتسلسل القرارات، والأرقام.
The post «مصرف ليبيا المركزي: إدارة السياسة النقدية في ظل الأزمات».. رواية تستحق القراءة، لكن الأرقام تستحق المساءلة أيضاً appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
