في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، وتصاعد الخلافات بشأن القوانين الانتخابية وإنهاء المراحل الانتقالية، إلى جانب تفاقم الأزمات المعيشية وتكرار الاضطرابات الأمنية وإغلاق خطوط النفط، تتجدد التساؤلات حول مدى قدرة التحركات الأممية على دفع الأطراف نحو تسوية تنهي حالة الانسداد وتفتح الطريق أمام الانتخابات.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور الكيلاني رمضان، رئيس «حزب تيار ليبيا الطريق الثالث»، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، أن تجاوز الأزمة يتطلب مسارًا وطنيًا مدعومًا أمميًا، وتوافقًا مؤسسيًا قابلًا للتنفيذ، مع معالجة الخلافات القانونية والسياسية والأمنية، وتوحيد المؤسسات وحماية المال العام، مؤكدًا أن الإحاطات والتحذيرات الدولية المتكررة لن تكون كافية لإنهاء الأزمة ما لم تتحول الاتفاقات إلى إجراءات عملية تحظى بالقبول والضمانات اللازمة.
الإحاطات الأممية.. تكرار للتحذيرات دون تغيير في الواقع
قال رمضان إن الإحاطة الأممية، من وجهة نظره، تبقى بمثابة تقرير صحفي أعده موظف لا يملك سوى تقديم هذه السردية للوضع العام في ليبيا، بهدف طمأنة من يمسكون بخيوط اللعبة بأن مخططاتهم في البلاد تسير وفق السياق المرسوم لها.
وأضاف أن المبعوثة الأممية هانا تيته تعلم، بحسب تقديره، من يتحكم فعليًا في ليبيا، وتعلم أن البلاد واقعة تحت الاحتلال الأجنبي، وأن أجهزة استخبارات دولية تابعة لدول معينة، إلى جانب أدواتها من المرتزقة والشركات الأمنية، هي التي تحكم وتهيمن على مواقف الأطراف وترسم الواقع على الأرض.
واعتبر رمضان أن التحذيرات والتقارير الصادرة عن مندوبي الأمم المتحدة المتعاقبين على ليبيا على مدى 15 عامًا، وما وصفه بالتكرار الخطابي، تمثل «مسرحية هزلية» لن تنطلي على الليبيين، مشيرًا إلى أن معظمهم يدركون هذه اللعبة جيدًا.
رفض الاتفاق المصغر.. الاعتراض وحده لا يكفي
وفي تعليقه على رفض المجلس الأعلى للدولة اتفاق الاجتماع المصغر، قال رمضان إن هذا الرفض يأتي، في تقديره، ضمن مبدأ عدم مشروعية الاتفاقات الجانبية، واحترام الاختصاصات الدستورية والإجراءات القانونية داخل المؤسسات، فضلًا عن الالتزام بالاتفاقات السياسية السابقة التي تدعو إلى إنهاء الفترات الانتقالية، وتنفيذ الاستحقاق الانتخابي، وإشراك الأحزاب في العملية السياسية.
لكنه شدد على أن رفض الاتفاق، من دون تقديم بدائل عملية تعزز القوانين الانتخابية، وتحدد جدولًا زمنيًا لمعالجة نقاط الاختلاف، وتطرح مسارًا بديلًا قابلًا للتطبيق، لا يكفي لمعالجة الأزمة.
وأضاف أن المجلس سيظل عاجزًا أمام السيناريو الذي ترتسم ملامحه في الأفق إذا استمرت الاعتراضات من دون تقديم بدائل أو تحديد مواعيد تنفيذية، موضحًا أن النتيجة العملية في هذه الحالة ستكون استمرار الانسداد السياسي، بصرف النظر عن الدوافع المعلنة وراء الرفض.
الخلاف على القوانين الانتخابية يتجاوز الصياغة الفنية
وأوضح رمضان أن الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن القوانين الانتخابية وإنهاء المراحل الانتقالية هو خلاف قانوني وسياسي وأمني، ولا يقتصر على الصياغة الفنية للقوانين، بل يمتد إلى الاختصاص التشريعي، وشروط الترشح، وتسلسل الانتخابات، وترتيبات السلطة التنفيذية، والضمانات اللازمة لقبول النتائج.
وأشار إلى أن تدخل بعض الفاعلين عبر تقديم مبادرات واتفاقات جانبية يثير إشكاليات تتعلق بالمشروعية الدستورية والوطنية، خصوصًا إذا لم تُعتمد تلك المبادرات والاتفاقات وفق الإجراءات المؤسسية المعترف بها.
وأكد أن أي اتفاق جانبي قد يواجه اعتراضات أو طعونًا إذا لم تتوافر له المشروعية الإجرائية والدرجة الكافية من القبول المؤسسي، مشددًا على أن وجود نص انتخابي وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر توافقًا على الإجراءات وضمانات أمنية وسياسية تضمن تنفيذها.
تهريب الوقود.. تعدد مراكز السلطة يعقّد المحاسبة
وفي ما يتعلق بالخسائر المالية الناجمة عن تهريب الوقود، قال رمضان إن تعدد مراكز السلطة والمسؤولية يجعل تحديد الجهة المسؤولة عن منع التهريب ومحاسبة المتورطين أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن بعض الجهات الرقابية نفسها، إلى جانب كيانات نافذة ميدانيًا، متورطة، بحسب قوله، في قضية التهريب، لأنها تعتبره الممول الرئيسي لأعمالها وشريانًا لوجودها واستمرارها، بما يتيح لها الحفاظ على امتيازاتها ومكتسباتها.
واعتبر أن فشل الحكومتين في الشرق والغرب في السيطرة على عمليات التهريب ليس أمرًا مستغربًا، وفق تقديره، في ظل عجزهما عن السيطرة على الجهات والكيانات المسلحة المتورطة في هذه الأنشطة.
إغلاق خطوط النفط يفاقم العجز ويكشف هشاشة إدارة الخلافات
وحول تأثير الاضطرابات الأمنية والإغلاقات المتكررة لخطوط النفط في المسار السياسي، أوضح رمضان أن تعطيل خطوط النفط يؤثر مباشرة في الإيرادات العامة وقدرة الدولة على تمويل الخدمات، كما يكشف مدى تأثر البنية النفطية بالخلافات السياسية والأمنية والإدارية، وقد يؤدي لاحقًا إلى عجز في الميزانية العامة.
وأشار إلى أن تحول تعطيل الإنتاج إلى وسيلة للضغط في النزاعات المؤسسية أو المهنية أو الأمنية يكشف عن وجود مشكلة في آليات حل الخلافات وحماية المرافق الاستراتيجية.
وفي ما يتعلق بالتلويح الأممي باتخاذ تدابير أو فرض عقوبات، شدد رمضان على أن التلويح بالتدابير لا يعادل صدور عقوبات نافذة، موضحًا أن الإجراءات الدولية تتطلب تحديد الوقائع والمسؤوليات، وتوافر الأدلة، والمرور عبر الآليات القانونية المعتمدة.
وطرح تساؤلًا بشأن طبيعة التدابير المحتملة في حال اتخاذها، وما إذا كانت ستستهدف أشخاصًا محددين أم كيانات بعينها، في إشارة إلى ضرورة معرفة نطاق هذه الإجراءات والجهات التي قد تطالها.
تغيير رئاسة مجلس النواب.. إعادة ترتيب داخلية لا تعني تبدل موازين النفوذ
وفي تعليقه على انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي خلفًا لعقيلة صالح العبيدي لرئاسة مجلس النواب، وفق ما أُعلن في أكتوبر 2026، قال رمضان إن هذا التغيير يشير ظاهريًا إلى إعادة ترتيب قيادة المؤسسة التشريعية، لكنه يدل في الوقت نفسه على وجود انقسام واضح بين أعضائها.
ورغم وصفه التغيير بالإيجابي، أعرب عن اعتقاده بأنه لن يؤدي تلقائيًا إلى تغيير موازين القوة خارج المؤسسة، أو إلى تبدل موازين النفوذ السياسي والأمني في شرق ليبيا أو في البلاد عمومًا.
وأوضح أن هذه الموازين تظل مرتبطة بمؤسسات وشخصيات وتحالفات متعددة، ولا تتغير بالضرورة بمجرد تغيير رئيس مجلس النواب.
وأعرب رمضان عن أمله في أن ينعكس التغيير بصورة فاعلة على آليات إدارة المجلس، والتعامل مع الخلافات الداخلية، وطبيعة العلاقة مع المجلس الأعلى للدولة.
الاحتجاجات وإضراب المعلمين.. هل يتحول الضغط المعيشي إلى عامل للتغيير؟
وفي ما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية وإضراب المعلمين وتراجع القدرة الشرائية بفعل التضخم، قال رمضان إن الاحتجاجات والإضرابات تكشف عن اتساع الضغوط المعيشية وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب المواطنين.
وشدد على أهمية التمييز بين الحق المشروع في الاحتجاج السلمي ومخاطر تعطيل المرافق الحيوية التي يعتمد عليها عموم المواطنين، معتبرًا أن هذا التمييز يمثل جانبًا أساسيًا في التعامل مع التحركات الاجتماعية.
وأضاف أن الضغط الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة إلى تسوية سياسية شاملة، إذ يتوقف تأثيره على اتساع المشاركة، ووضوح المطالب، ووجود قنوات للتفاوض، وقدرة المؤسسات المنقسمة على تنفيذ تعهداتها.
وأوضح أن تزامن احتجاجات المعلمين والعاملين في القطاع الصحي والموظفين وغيرهم يجعل أثر الأزمة المعيشية أكثر وضوحًا أمام صناع القرار، ويمكن أن يحول الحركة الاجتماعية إلى عامل حاسم في تغيير السياسات الحكومية المتعلقة بتحسين مستوى دخل المواطن ومعيشته، والاستجابة لمطالب الشعب.
المسار الأممي والملكية الوطنية.. الحل في التوافق الليبي الليبي
وبشأن آفاق المستقبل في ظل الانقسام بين الرهان على آليات البعثة الأممية والدعوات إلى امتلاك الليبيين زمام الحل، أكد رمضان أن حزبه يؤيد مسارًا وطنيًا يحظى بدعم أممي، بحيث توفر الأمم المتحدة الوساطة والمساندة والضمانات الدبلوماسية، فيما تعزز الملكية الوطنية للحل فرص قبوله واستدامته.
وأوضح أن التحدي يتمثل في الجمع بين المسارين من دون إنشاء مسارات متوازية، مشددًا على أن حل الأزمة الليبية المزمنة يتطلب اتفاقًا وطنيًا ليبيًا ليبيًا بشأن القوانين الانتخابية، وترتيبات السلطة التنفيذية، وإدارة الموارد العامة، وضمانات الأمن وقبول النتائج، مع احترام السيادة الليبية وعدم إغفال تأثير المصالح الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن تحقيق ذلك يستلزم تسوية مؤسسية مرحلية، في حال التوصل إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية والمفوضية وترتيبات السلطة وضمانات التنفيذ.
وختم رمضان بالتأكيد على أن الأزمة الليبية لا تتعلق فقط بالحاجة إلى اتفاق سياسي جديد، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الاتفاقات إلى إجراءات قانونية قابلة للتنفيذ، معتبرًا أن المشروعية الدستورية، وتوحيد المؤسسات، وحماية المال العام، وتوفير ضمانات الانتخابات، تظل محاور أساسية لأي تسوية سياسية تنهي حالة الانسداد وتفتح الطريق أمام الاستقرار.
The post كيف تُدار أزمة ليبيا من «استخبارات أجنبية» تجوّع المواطن وتسرق ثرواته؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.