نحن أبقار المستقبل!.. هل يتحول الإنسان من سيد التكنولوجيا إلى مورد اقتصادي للذكاء الاصطناعي؟

0
4

(مقتبس من فكر الفيلسوف يوفال نوح حراري )

على مدى آلاف السنين، استخدم الإنسان الحيوانات لخدمته، فاستفاد من قوتها وحليبها ولحومها، دون أن تكون لهذه الحيوانات القدرة على فهم المنظومة الاقتصادية التي أصبحت جزءاً منها.

واليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال فلسفي واقتصادي قد يبدو صادماً:

هل أصبحنا نحن البشر أبقار المستقبل، تنتج عقولنا وسلوكياتنا وبياناتنا الثروة لغيرنا، دون أن ندرك تماماً كيف تُستغل أو من يستفيد منها؟

أولاً: من يملك الإنسان أم من يملك بياناته؟

في الاقتصاد التقليدي، كانت الأرض ورأس المال والعمل أهم عناصر الإنتاج. ثم أصبحت المعرفة والتكنولوجيا مصادر أساسية للثروة.

أما اليوم، فقد أضيف مورد اقتصادي بالغ الأهمية: البيانات البشرية.

كل رسالة نكتبها، وكل بحث نجريه، وكل صورة ننشرها، وكل قرار شراء نتخذه، يترك أثراً رقمياً يمكن جمعه وتحليله وتحويله إلى قيمة اقتصادية.

نحن لا نستهلك الخدمات الرقمية فحسب، بل نساهم في إنتاج المادة الخام التي تقوم عليها نماذج أعمالها.

وكما تنتج البقرة الحليب دون أن تعرف سعره في السوق، ينتج الإنسان البيانات دون أن يعرف بالضرورة قيمتها التجارية أو كيفية استغلالها.

والأخطر أن هذه البيانات لا تكشف ما فعلناه فقط، بل قد تساعد على التنبؤ بما سنفعله، وربما التأثير في قراراتنا المستقبلية.

ثانياً: من استغلال العضلات إلى استغلال العقول

خلال الثورة الصناعية، استبدلت الآلات جزءاً كبيراً من الجهد العضلي البشري، لكنها خلقت في المقابل صناعات ومهناً جديدة.

أما ثورة الذكاء الاصطناعي، فهي مختلفة نوعياً، لأنها لا تنافس الإنسان في قوته الجسدية فحسب، بل في بعض قدراته الذهنية أيضاً.

فالآلة أصبحت قادرة على التحليل والكتابة والترجمة والبرمجة والتشخيص المساعد واتخاذ قرارات ضمن حدود محددة.

ولأول مرة بهذا الاتساع، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تنفذ أوامر الإنسان، بل أصبحت منظومة تستطيع أن تتعلم أنماطاً من سلوكه، وتقترح عليه خيارات، وتؤثر في طريقة تفكيره وعمله.

وهنا يكمن التحول الحقيقي:

قد ينتقل الإنسان تدريجياً من كونه مستخدماً للتكنولوجيا إلى كونه مورداً اقتصادياً داخل منظومة تكنولوجية لا يملكها ولا يتحكم في قواعدها.

ثالثاً: هل نصبح منتجين للثروة دون نصيب عادل منها؟

المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في ملكية التكنولوجيا وتوزيع العوائد الاقتصادية الناتجة عنها.

إذا كانت مليارات البشر تنتج البيانات والمعرفة والسلوكيات التي تستفيد منها المنصات الرقمية، بينما تتركز الملكية والأرباح والقدرة على اتخاذ القرار في أيدي عدد محدود من الشركات، فإننا أمام احتمال ظهور شكل جديد من التفاوت الاقتصادي.

فقد يصبح الإنسان مستهلكاً يدفع مقابل خدمات ساهمت بياناته في تطويرها، وعاملاً تنافسه أنظمة ذكية، ومصدراً دائماً للمعلومات التي تولّد الثروة لمالكي المنصات.

ولا يعني ذلك أن جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي تتدرب تلقائياً على كل بيانات المستخدمين؛ فالممارسات تختلف بحسب المنصة والقوانين والإعدادات.

لكن جوهر المسألة يظل قائماً: من يملك القيمة الاقتصادية الناتجة عن النشاط الرقمي البشري، ومن يحدد كيفية توزيعها؟

رابعاً: الخطر الأكبر ليس ذكاء الآلة، بل تبعية الإنسان

قد لا يكون أخطر ما في المستقبل أن تصبح الآلات أذكى من البشر في بعض المجالات، بل أن يفقد الإنسان تدريجياً استقلاله في التفكير والاختيار.

فعندما تحدد الخوارزميات ما نقرأ، وما نشاهد، وما نشتري، ومع من نتواصل، وأحياناً ما نعتقد أنه الحقيقة، يصبح السؤال متعلقاً بحرية الإرادة، وليس بالإنتاجية الاقتصادية وحدها.

وإذا أضفنا إلى ذلك تركّز ملكية البنية التحتية الرقمية والقدرات الحاسوبية والبيانات، فقد تنشأ علاقة تبعية اقتصادية ومعرفية تتجاوز الحدود التقليدية بين الدول والشركات والأفراد.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين الاحتمال والحتمية. فالذكاء الاصطناعي قادر أيضاً على تحرير الإنسان من الأعمال المتكررة، وتحسين التعليم والصحة، وزيادة الإنتاجية، وخلق فرص اقتصادية غير مسبوقة.

إذن، القضية ليست رفض التكنولوجيا، بل تحديد من يحكمها، ومن يملكها، ولصالح من تعمل.

خامساً: كيف نتجنب أن نصبح أبقار المستقبل؟

المطلوب ليس إيقاف التطور، فهذا مستحيل وغير مرغوب فيه، وإنما إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية والقانونية بين الإنسان والتكنولوجيا.

علينا أن نضمن حق الأفراد في حماية بياناتهم والتحكم في استخدامها، وتعزيز المنافسة ومنع الاحتكار، وتطوير التعليم بما يحافظ على استقلال التفكير النقدي، وإيجاد آليات أكثر عدالة لتوزيع مكاسب الإنتاجية.

أما الدول التي تكتفي باستهلاك التكنولوجيا دون الاستثمار في المعرفة والبنية التحتية والقدرات البشرية، فقد تجد نفسها في موقع التبعية الرقمية، كما كانت اقتصادات كثيرة تعتمد تاريخياً على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات مرتفعة القيمة.

الخلاصة: من يحلب من؟

لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي شرّ بحد ذاته، ولا أن المستقبل محكوم باستعباد الإنسان. بل أرى أننا أمام تحول اقتصادي وحضاري قد يعيد تعريف العمل والملكية والقيمة والحرية.

لقد نجح الإنسان عبر التاريخ في تسخير الطبيعة والحيوان والآلة لخدمته.

أما اليوم، فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل فوات الأوان:

هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي لتحرير الإنسان وتعزيز رفاهيته، أم سنسمح بتحويل الإنسان نفسه إلى مورد دائم لإنتاج الثروة لصالح منظومات لا يملكها ولا يتحكم فيها

البقرة لا تعرف من يملك الحليب، ولا كيف يُحدد سعره، ولا من يجني أرباحه.

فهل نعرف نحن؟

The post نحن أبقار المستقبل!.. هل يتحول الإنسان من سيد التكنولوجيا إلى مورد اقتصادي للذكاء الاصطناعي؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.