التعليم والسياسة.. معادلة الدولة بين الاستقرار والانهيار

0
13

لا يمكن مقاربة مسألة استقرار الدول أو نهوضها بمعزل عن ركيزتين محوريتين تشكّلان جوهر أي مشروع وطني حقيقي: التعليم والسياسة. فهما ليسا مسارين متوازيين فحسب، بل منظومتان متداخلتان، يؤثر كلٌّ منهما في الآخر بصورة مباشرة. وحين يختل أحدهما، لا يتأخر انعكاس الخلل على بنية الدولة بأكملها، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

في المشهد الليبي الراهن، تتجلى هذه العلاقة بأوضح صورها وأكثرها خطورة. إذ لم يعد التدهور الملحوظ في النظم التعليمية أزمة قطاعية عابرة، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية عميقة تُسهم في زعزعة الاستقرار، وتغذية حالة من الارتباك العام تمتد آثارها إلى مختلف مفاصل الدولة.

فالتعليم ليس مجرد خدمة عامة أو مسارًا أكاديميًا تقنيًا، بل هو اللبنة الأولى في بناء الوعي السياسي، والحاضنة التي تُغرس فيها القيم والفضائل التي تُشكّل المواطن، وفي مقدمتها قيمة الانتماء الوطني. وعندما يُهمَّش التعليم، فإن النتيجة الحتمية هي إضعاف الوعي الجمعي، وتفريغ المجتمع من أدوات التفكير النقدي، وفتح المجال أمام الفوضى، والاستقطاب، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة.

لقد أفرز ضعف المنظومة التعليمية في ليبيا أجيالًا تعاني من هشاشة معرفية واضطراب في الهوية، وهو ما انعكس بوضوح في السلوك السياسي والاجتماعي، وأسهم في إطالة أمد الأزمة الوطنية. كما أن غياب مشروع تعليمي وطني قائم على رؤية استراتيجية واضحة، جعل التعليم ساحة للتجاذبات السياسية، بدل أن يكون رافعة للسياسة الرشيدة ومصدرًا لإعداد كوادر وطنية قادرة على إدارة الشأن العام بعقلانية ومسؤولية.

فالسياسة، في جوهرها، ليست صراعًا على السلطة فحسب، بل هي فن إدارة المجتمع وتوجيهه. وهذا الفن لا يمكن أن يُمارَس بكفاءة في بيئة يغيب عنها تعليم يؤسس لقيم الحوار، ويُرسّخ ثقافة الاختلاف، ويُنمّي روح المواطنة. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي في ليبيا لا يضع إصلاح التعليم في صدارة أولوياته، يظل مشروعًا قاصرًا، مهما تعددت شعاراته أو تنوعت خطاباته.

إن إنقاذ الدولة الليبية يبدأ بإعادة الاعتبار للتعليم بوصفه مشروعًا سياديًا وطنيًا، لا يقل أهمية عن الأمن أو الاقتصاد. تعليم يزرع الانتماء، ويحصّن العقول، ويُعدّ الإنسان الليبي ليكون فاعلًا في الحياة السياسية، لا أداة تُستَخدم داخلها. فبغير تعليم قوي، تظل السياسة هشّة، وتبقى الدولة أسيرة دوامة الأزمات، مهما تغيّرت الوجوه أو تبدّلت التحالفات.

The post التعليم والسياسة.. معادلة الدولة بين الاستقرار والانهيار appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.