استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي: المواطن يدفع الثمن.. وتعرية «معادلة الاقتصاد غير المستدامة»

0
4

شهدت الأروقة الاقتصادية والسياسية في ليبيا تطوراً مفصلياً بتقديم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي محمد عيسى كتاب اعتذار عن الاستمرار في منصبه إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بتاريخ 9 أغسطس 2026. ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تتصاعد المضاربات وتتراجع القدرة الشرائية للدينار، ليجد المواطن البسيط نفسه مجدداً الضحية الأولى لمعارك نفوذ وسوء إدارة لا يد له فيها.

والاستقالة لم تُحسم بعد: فقد رفضها المجلس الأعلى للدولة وطالب المحافظ بالاستمرار في مهامه كاملةً — بما فيها ضبط الإنفاق العام ومنع التجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي — إلى حين البت فيها، بينما لم يحسم مجلس النواب موقفه. ونحن إذاً أمام وضع أخطر من الشغور لا أقل منه: محافظ يمارس صلاحيات كاملة برصيد شرعية متآكل. وقد سعّر السوق هذا الغموض فوراً؛ إذ تجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز التسعة دنانير بعد استقرار عند حدود 8.40.

وقد وضع تحليل رجل الأعمال حسني بي الأزمة في نصابها الصحيح؛ فالاستقالة ليست حدثاً إدارياً، بل إعلان عن وصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي إلى حدود قدرته القصوى على الاستمرار. ومع ذلك يجب التحفظ: فالكتاب لم يذكر الأسباب، ومن غير المهني الجزم بأن ملفاً بعينه هو السبب المباشر. لكن ما يمكن قوله بثقة أن البيئة التي عمل فيها المحافظ جعلت المهمة غير قابلة للأداء بالأدوات المتاحة.

أولاً: المواطن في مرمى النيران.. كلفة الأزمات المتتالية

في كل جولة من جولات الصراع السياسي أو التخبط المؤسسي، تتحول القرارات المالية فوراً إلى أعباء معيشية يكتوي بنارها الشارع الليبي:

تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار. بمجرد انتشار شائعات الاستقالة والتجاذبات، تشتعل الأسعار في السوق الموازية. ونتيجة لغياب الرقابة وتراجع قيمة الدينار، تنعكس الفروق فوراً في شكل موجات غلاء تضرب السلع الأساسية والمواد الغذائية والدواء — لأن الجزء الأكبر من استهلاك الليبي مستورد.

أزمة السيولة وتجميد الحياة المعيشية. يدفع الغموض الإداري واضطراب السياسات النقدية إلى تعقيد إجراءات فتح الاعتمادات وتدفقات النقد الأجنبي، مما يعيد طوابير المصارف إلى الواجهة، ويحرم المواطن من الوصول إلى مرتبه أو مدخراته لقضاء حاجياته الضرورية.

تحمل فاتورة الفجوة السعرية. عندما يُطلب من المصرف المركزي تثبيت سعر صرف غير قادر على تحمّله، ينشأ “ريع اقتصادي” يستفيد منه المضاربون وأصحاب الاعتمادات الرخيصة، بينما يدفع المواطن الثمن تضخماً في الأسواق العامة. وحجم هذا الريع ليس تقديرياً: فقد بلغت استخدامات المصارف من النقد الأجنبي في الأشهر الخمسة الأولى من 2026 نحو 12.9 مليار دولار وفق تقرير المصرف المركزي. أي أن إدارة سعر الصرف ليست قراراً تقنياً بشأن رقم، بل آلية لتوزيع عشرات المليارات سنوياً — وكل دينار من الفارق بين السعرين تحويل صافٍ من حامل الدينار إلى من يملك حق الوصول إلى الدولار الرسمي.

ثانياً: الصراع الحقيقي.. هل الأزمة نقدية أم مالية؟

كما أوضح تحليل حسني بي، يكمن جوهر المشكلة في صراعين اقتصاديين متداخلين يصنعان معاً حلقة مفرغة:

  1. الصراع الأول (مالي): الاتفاق المنفلت

ليبيا تحصل على معظم إيراداتها بالدولار من النفط والغاز، وتنفق بالدينار: نحو 73 ملياراً للمرتبات، و37 ملياراً للدعم،
و تم الاتفاق على إنفاق موحد على مستوى كامل التراب الليبي منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً وفق بيان المصرف المركزي. لكنه وحّد الأرقام ولم يوحّد الانضباط: أقرّ سقوفاً دون آلية تلقائية تعيد ضبطها عند تغيّر الإيرادات النفطية الفعلية، ودون جهة تنفيذية واحدة تتحمل مسؤولية التجاوز. والمفارقة أن بيان المصرف عند التوقيع وصف الإطار بأنه قائم على “القدرة المالية الفعلية للدولة” — وهو المبدأ الذي لم تُرفق به أداة تنفيذ واحدة.

وهنا يصبح الاتفاق منفلتاً: التزامات بالدينار مُقرّة سياسياً ومحمية بتوافق بين مجلسين، في مقابل إيرادات بالدولار خاضعة لتقلبات الإنتاج والأسعار والإغلاقات. وقد ظهر ذلك عملياً في يونيو 2026، حين وجّه رئيس لجنة الإنفاق الموحد بمجلس النواب رسالة إلى المحافظ حذّر فيها من أن المجلس قد يعتبر نفسه في حل من الالتزامات المرتبطة بالاتفاق إذا استمر ما وصفه بتعطيل تنفيذه — أي أن الاتفاق كان قابلاً للتنصل منه من طرف واحد بعد شهرين فقط من توقيعه.

وبذلك تحوّل المصرف المركزي إلى نقطة تصادم: السلطة السياسية تطالبه بتوفير الدينارات والسيولة، بينما يحذر هو وصندوق النقد الدولي من أن كل مليار دينار إضافي ينقلب خلال أسابيع إلى طلب إضافي على الدولار والسلع المستوردة. وقد حذّر الصندوق في مشاورات 2026 من أن استمرار الإنفاق المرتفع يبقي الضغط على سعر الصرف ويستنزف الاحتياطيات، وأن السياسات القائمة غير مستدامة على المدى المتوسط.

  1. ثقب المحروقات الأسود

الدولة لا تدعم البنزين والديزل بالدينار فقط، بل تدفع جزءاً ضخماً من الفاتورة بالدولار لاستيراد وقود يُباع محلياً بأسعار شبه مجانية، ثم يتسرب جانب كبير منه إلى التهريب.

والمحصلة معادلة تستنزف نفسها بنفسها: تبيع الدولة الطاقة بالدولار، ثم تعيد شراءها بالدولار، بينما يُقيَّد المقابل بالدينار في اتفاق إنفاق لا سقف فعلياً له. وهي دائرة لا تستطيع أي سياسة نقدية بمفردها إغلاقها، لأن أدواتها تعالج الطلب على النقد الأجنبي ولا تمس مصدره.

  1. الصراع الثاني (نقدي): الدفاع عن سعر الصرف أم حماية الاحتياطيات؟

عندما تتجاوز الالتزامات بالدينار الموارد الدولارية المتاحة، يقع المركزي بين خيارات أحلاها مر: إما استنزاف الاحتياطيات، أو فرض قيود على الدولار، أو خفض قيمة الدينار، أو ترك السوق الموازية تتسع. والامتناع عن الاختيار هو في ذاته اختيار للمسار الأخير — وهو أسوأها توزيعاً للعدالة، لأنه يسلّم تسعير الاقتصاد كله للمضاربة.

ثالثاً: ما تقوله تجارب الدول

توضح التجارب الدولية أن تغيير الأشخاص دون معالجة الخلل المالي لا يحل المشكلة. ففي تركيا (2019–2021) أدت الإقالات والاستقالات المتتالية لمحافظي البنك المركزي بضغط سياسي إلى فقدان الليرة جانباً كبيراً من قيمتها وارتفاع التضخم، نتيجة عدم احترام استقلالية المؤسسة النقدية. وفي لبنان (2019–2023) أدى تمويل عجز الحكومة بأدوات نقدية، مع تجاذب إداري ممتد، إلى انهيار العملة وتآكل مدخرات المواطنين. أما مصر، التي تُقدَّم أحياناً نموذجاً لسرعة حسم الفراغ الإداري بعد استقالة محافظها في أغسطس 2022، فقد اتسعت فيها الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بعد التغيير لا قبله، ولم تُغلق إلا بتصحيح شامل لسعر الصرف في مارس 2024 اقترن بضبط مالي وتدفقات خارجية. والخلاصة واحدة: قيمة العملة تستقر حين يُضبط الإنفاق، لا حين يتغيّر المسؤول عن المصرف المركزي — فالمحافظ لا يملك أدوات تصنع الدولار؛ يملك فقط أدوات توزّع الموجود منه.

رابعاً: من يتحمل كلفة التصحيح؟ والقرارات الواجب اتخاذها

كما أورد حسني بي، لا يوجد خيار بلا تكلفة؛ والسؤال الحقيقي: هل تُوزَّع كلفة الإصلاح بصورة واعية وعادلة، أم تُترك لتتوزع عشوائياً عبر التضخم وتآكل مدخرات الشارع؟

  1. قرارات عاجلة لطمأنة الشارع والسوق

حسم المسار الإداري للمصرف خلال مدة قصيرة ومعلنة، بقرار موحد من المجلسين: إما قبول الاستقالة مع تكليف قيادة تكنوقراطية بصلاحيات كاملة، أو رفضها مع ضمانات مكتوبة لاستقلالية القرار النقدي. والأسوأ من الخيارين هو تركهما معلقين.

ضمان استمرار ضخ العملة الأجنبية بإصدار تعاميم وتدابير عملية تؤكد استمرار فتح الاعتمادات للسلع الأساسية والأغراض الشخصية، لقطع الطريق على شائعات السوق الموازية.

نشر التقرير الفني الذي أرفقه المحافظ بكتابه المؤرخ في 2 أغسطس عن أداء مجلس الإدارة وتشخيص المخاطر، أو نشر ملخصه — فالسوق يسعّر الغموض بأعلى مما يسعّر الأخبار السيئة.

تفعيل التداول الجماعي لمجلس الإدارة بكامل صلاحياته التكنوقراطية، لتفادي رهن القرارات السيادية بشخص واحد.

  1. قرارات إصلاحية هيكلية (إيقاف النزيف)

ربط سقف الإنفاق بالإيراد الفعلي بآلية تلقائية: مراجعة ربع سنوية معلنة تعدّل الاعتمادات صعوداً وهبوطاً وفق الحصيلة النفطية المحققة لا وفق التقديرات. هذا هو الفارق بين اتفاق منضبط واتفاق منفلت.

إصلاح ملف دعم المحروقات: البدء الجاد في استبدال الدعم العيني للوقود بدعم نقدي مباشر للمواطنين، بجدول زمني معلن وتعويض محدد للفئات الأدنى دخلاً، لإغلاق باب التهريب وتوفير المليارات من النقد الأجنبي.

التنسيق بين السياسة النقدية والمالية: تشكيل لجنة دائمة تضم المصرف المركزي ووزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط، لموازنة الالتزامات بالدينار مع التدفقات بالدولار قبل الإقرار لا بعده.

قاعدة إفصاح شهرية عن الإيرادات والاحتياطي ومبيعات النقد الأجنبي وحجم الاعتمادات المفتوحة. الشفافية هنا ليست ترفاً حوكمياً؛ إنها أرخص أداة متاحة لخفض علاوة المخاطر في السوق الموازية.

خاتمة

إن استقالة المحافظ ناجي عيسى تؤكد أن السياسة قد تستطيع تأجيل الإصلاح، لكنها لا تستطيع إلغاء الفاتورة. والاتفاق الذي وحّد أرقام الإنفاق دون أن يوحّد قواعد انضباطه لم يُنهِ الانقسام المالي؛ بل حوّله من انقسام معلن بين حكومتين إلى ضغط صامت على مؤسسة واحدة.

وإذا لم تتحمل المالية العامة مسؤوليتها اليوم بتعديل الإنفاق والدعم، فسيدفع الفاتورة غداً الاحتياطي، أو الدينار، و النتيجة النهائية سيدفعها المواطن من قوته اليومي

The post استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي: المواطن يدفع الثمن.. وتعرية «معادلة الاقتصاد غير المستدامة» appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.