بالأرقام.. شبكة «عين ليبيا» تكشف حجم أزمة السكن وقدرة الدولة على إنهاءها

0
8

تتصاعد أزمة الإسكان في ليبيا في ظل فجوة متراكمة بين حجم الطلب المتزايد على الوحدات السكنية ومحدودية المشاريع المنفذة خلال السنوات الماضية، وسط تحديات ترتبط بغياب قواعد البيانات الدقيقة، وتوقف عدد من مشاريع الإسكان العام، وارتفاع تكاليف البناء، وبينما تجاوز عدد المسجلين ضمن مبادرة الإسكان الشبابي نصف مليون طلب، تبرز تساؤلات حول حجم الاحتياج الحقيقي، وقدرة البرامج الحالية على معالجة العجز السكني، في وقت يؤكد فيه مختصون أن الحل يتطلب رؤية شاملة تقوم على التخطيط وتوفير المعلومات وتفعيل التمويل والاستثمار في قطاع الإسكان.

وحول ذلك، أكد الدكتور محمد يوسف درميش، المشرف السابق على الملف الاقتصادي والاجتماعي بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، أن أزمة الإسكان في ليبيا ترتبط بشكل أساسي بغياب قواعد بيانات ومعلومات دقيقة يمكن الاعتماد عليها لقياس حجم العجز الحقيقي في الوحدات السكنية، أو تحديد عدد الأسر التي تحتاج إلى مساكن جديدة أو تحسين أوضاع سكنها الحالية.

وأوضح درميش، في تصريح لشبكة عين ليبيا، أن ليبيا لم تُجرِ تعداداً عاماً للسكان منذ سنوات 2005 و2006، وهو ما يجعل من الصعب الوصول إلى أرقام دقيقة يمكن من خلالها قياس الاحتياج الفعلي للسكن، مشيراً إلى أن تقييم الوضع الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على متابعة الأحداث والتغيرات في الحركة المجتمعية.

وأشار إلى أن الدولة الليبية وضعت خلال سنوات 2006 و2010 خططاً لتنفيذ مشاريع إسكان عام، كان المستهدف فيها بناء ما بين 400 ألف إلى 500 ألف وحدة سكنية موزعة على مختلف مناطق ليبيا، مستشهداً بعدد من المشاريع، من بينها مشروع الشركة الصينية في بنغازي بواقع 20 ألف وحدة سكنية، ومشروع تاجوراء بواقع 25 ألف وحدة، إضافة إلى 5 آلاف وحدة سكنية في مصراتة وغيرها من المشاريع.

ولفت إلى أن معظم هذه المشاريع توقف العمل بها خلال أحداث عام 2011، موضحاً أن بعضها استُكمل خلال السنوات اللاحقة، بينما لا يزال العدد الأكبر منها غير مكتمل حتى الآن.

وفيما يتعلق بتسجيل أكثر من 506 آلاف طلب ضمن مبادرة الإسكان الشبابي، قال درميش إن هذا الرقم كان متوقعاً، نظراً لعدم تنفيذ ليبيا مشاريع إسكان عام منذ عشرات السنين، بداية من مشاريع عهد الملك إدريس وحتى مشاريع الـ7 آلاف وحدة سكنية الموزعة على مختلف مناطق ليبيا، والتي استُكملت نهاية عام 1989 وتم توزيعها على المواطنين.

وأكد أن عدد الطلبات المسجلة ضمن المبادرة لا يعكس، في تقديره، العدد الحقيقي للمحتاجين إلى السكن، موضحاً أن ليبيا تحتاج اليوم إلى نحو 700 ألف وحدة سكنية موزعة على مختلف المناطق لسد العجز القائم، إلى جانب ضرورة استهداف إنشاء ما لا يقل عن 100 ألف وحدة سكنية سنوياً بصورة دورية لمواكبة الطلب الناتج عن النمو السكاني.

وبخصوص استهداف المبادرة لـ18 ألف مستفيد فقط في مرحلتها الأولى، اعتبر درميش أن هذا العدد محدود جداً مقارنة بحجم الطلب والحاجة الفعلية إلى السكن، مؤكداً أن هذه الوتيرة لا تستطيع سد العجز القائم أو مواجهة النمو السكاني المتواصل في ليبيا.

وأوضح أن معالجة أزمة الإسكان تتطلب تحديد المبالغ المخصصة للصرف على هذه المشاريع من ميزانية الدولة، مع ضرورة اعتماد سنة 2010 كسنة قياس عند تقييم الموارد المالية والإنفاق، باعتبار أن ليبيا تعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط المقومة بالدولار.

وأضاف أن مقارنة ما تم تخصيصه وما تم إنفاقه بالدولار خلال عام 2010 مع السنوات الحالية تؤكد أن ليبيا قادرة على الإنفاق وتمتلك الإمكانيات اللازمة، بعيداً عن ما وصفه بالتضليل أو قلب الحقائق الناتج عن بعض السياسات الخاطئة التي ساهمت في زيادة حدة أزمة الإسكان.

وبيّن أن من بين هذه السياسات تخفيض قيمة الدينار الليبي، وفرض الرسوم والضرائب، وما ترتب عليها من ارتفاع في المستوى العام للأسعار وزيادة تكاليف البناء، مشيراً إلى أنه عند احتساب التكاليف بالدينار الليبي فإن حجم الإنفاق على قطاع الإسكان لا يمثل عبئاً على الدولة الليبية التي تمتلك اقتصاداً ممتازاً ومركزاً مالياً جيداً جداً، وإنما تحتاج فقط إلى حسن إدارة الموارد والأموال وتوجيه الإنفاق إلى الأوجه الصحيحة.

وشدد درميش على ضرورة اعتماد موازنة سنوية قابلة للقياس والمتابعة، بهدف استكمال المشاريع المتوقفة والاستمرار في تنفيذ مشاريع إسكان مستقبلية.

ولقياس نجاح مبادرة الإسكان الشبابي اقتصادياً، أوصى درميش متخذي القرار بعدد من الإجراءات، من بينها:

استحداث قواعد بيانات ومعلومات وتحديثها بشكل ربع سنوي، لتكون دليلاً ومرشداً لصناع القرار، باعتبار أن ليبيا تفتقر إلى عنصر المعلومات والبيانات المتجددة.

تفعيل أدوات مجلس التخطيط الأعلى ومجالس التخطيط المحلية، لما لها من دور في رسم الخطط وتوفير قواعد البيانات المتعلقة بالمخصصات المالية، والنمو السكاني، وعدد الوحدات السكنية المطلوبة لكل بلدية.

عزل الاستثمار العقاري الخاص الذي يقوم به الأفراد والمؤسسات العامة التي تعمل وفق القانون التجاري عن مشاريع الإسكان العام، لضمان وضوح الأهداف والاختصاصات.

اعتبار الإسكان الشبابي جزءاً لا يتجزأ من الإسكان العام وليس مشروعاً منفصلاً عنه.

تفعيل دور البنوك المتخصصة، مثل بنك الاستثمار العقاري والبنك الريفي والبنك الزراعي وبنك التنمية، إلى جانب حث البنوك العامة والخاصة على القيام بدورها في الاستثمار والتمويل والمساهمة في تمويل مشاريع الإسكان.

وأكد درميش أن حل أزمة الإسكان في ليبيا لا يرتبط فقط بإنشاء وحدات سكنية جديدة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التخطيط، وتوفير البيانات، وإدارة الموارد، وتفعيل أدوات التمويل، بما يضمن بناء مشاريع قابلة للاستمرار وتلبي الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

The post بالأرقام.. شبكة «عين ليبيا» تكشف حجم أزمة السكن وقدرة الدولة على إنهاءها appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.