تضع اعتصامات المعلمين في ليبيا الدولة أمام اختبار يتجاوز الخلاف على المرتبات. فحين تتوقف الدراسة، يصبح السؤال متعلقًا بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، وإدارة النزاع المهني، وحماية حق الأطفال في التعليم. وفي تقديري، يبدأ التعامل المنصف مع هذه الأزمة بالاعتراف بأن كرامة المعلم وانتظام الدراسة مصلحتان متلازمتان، وأن إضعاف إحداهما ينعكس على الأخرى.
تشمل المطالب المعلنة تحسين المرتبات، وصرف الفروقات والمستحقات، وتوفير التأمين الصحي، وحماية المعلم أثناء أداء عمله. وقد أعلنت النقابة، عقب اجتماعها بممثل الحكومة في 26 سبتمبر 2026، تمسكها بصدور قرارات رسمية وبدء تنفيذ بعض المطالب قبل رفع الاعتصام. وتكشف هذه الصيغة، في قراءتي، أن الخلاف أصبح متعلقًا بالثقة في التنفيذ بقدر تعلقه بمضمون المطالب.
ويقتضي التقييم القانوني التمييز بين مستحقات ثابتة بموجب تشريع أو قرار نافذ أو حكم قضائي واجب التنفيذ، وبين مطالب تستهدف إقرار زيادات أو مزايا جديدة. فالأولى تحتاج إلى التحقق من نطاق الاستحقاق وحسابه وتنفيذه، أما الثانية فتحتاج إلى تفاوض وتقدير مالي وأداة قانونية مناسبة. وخلط النوعين يضعف النقاش؛ إذ يسمح بتقديم الحقوق المتأخرة كأنها طلبات جديدة، أو بتقديم كل زيادة مقترحة كأنها دين مستحق بالفعل.
ولمطالب الرعاية الصحية سند تشريعي واضح في القانون رقم 4 لسنة 2018 بشأن مرتبات العاملين بقطاع التعليم وحقوقهم ومزاياهم. فالمادة السابعة تقرر تخصيص تمويل للرعاية الصحية والاجتماعية، والمادة التاسعة تلزم الوزارة بالتأمين ضد الأمراض وأخطار المهنة وتوفير الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وفق نطاقها. ولذلك، فإن معالجة هذا الملف تستوجب بيان ما نُفّذ من هذه الأحكام، وما بقي، والجهة المسؤولة عن تنفيذه.
أما الاحتجاج السلمي، فيستحق أن يُعامل باعتباره تعبيرًا مهنيًا عن مصالح جدية. وتقر مبادئ الهيئات الرقابية بمنظمة العمل الدولية بأهمية الإضراب في الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية للعاملين، ولا تصنف التعليم عمومًا ضمن الخدمات الأساسية بالمعنى الضيق الذي يبرر حظر الإضراب. ومع ذلك، فإن تقييم قانونية الإضراب الجاري في ليبيا يتطلب فحص القواعد الوطنية والإجراءات المتبعة؛ فعدالة المطالب لا تحسم وحدها قانونية كل وسيلة مستخدمة لتحقيقها.
وفي إدارة الأزمة، تقع المسؤولية الأكبر على السلطات التي تملك القرار والتنفيذ. وقد أعلنت وزارة التربية والتعليم، في اجتماع 15 سبتمبر، وضع خارطة طريق لمعالجة الملفات العالقة. لكن خارطة الطريق لا تستطيع بناء الثقة ما لم تتحول إلى التزامات محددة، بمواعيد وتمويل ومسؤوليات معلنة. كما أن معالجة ملف مالي بهذا الحجم تقتضي مشاركة رئاسة الحكومة والجهات المالية، إلى جانب الوزارة والنقابات.
وفي المقابل، تتحمل النقابات مسؤولية مراجعة أثر استمرار الإضراب الشامل. فالتلاميذ يتكبدون خسارة تعليمية عن نزاع لا يملكون تسويته، وقد تتسع الفجوة بين مَن تستطيع أسرهم توفير بدائل تعليمية ومَن يعتمدون بالكامل على المدرسة العامة. ومن هنا، فإن قوة الموقف النقابي تزداد حين يجمع بين التمسك بالحقوق والاستعداد لحل مرحلي موثوق يحمي الدراسة. ويظل هذا التقدير مختلفًا عن مطالبة المعلمين بالعودة مقابل تعهدات عامة تتكرر دون ضمانات.
المخرج العملي، في تقديري، هو اتفاق مكتوب ومعلن يحدد المستحقات المعترف بها، وآلية تدقيق المختلف عليه، ومواعيد الصرف، وخطوات تفعيل الرعاية الصحية، ومسار التفاوض على الزيادات الجديدة. ويقترن الاتفاق ببدء تنفيذ ملموس، مقابل استئناف الدراسة، مع متابعة مشتركة وخطة تربوية لتعويض الفاقد. أما المستحقات التي يتعذر صرفها دفعة واحدة، فيمكن بحث جدولتها بالاتفاق مع ممثلي المعلمين، على أن تكون المواعيد واضحة والتنفيذ قابلًا للتحقق.
إن نجاح الدولة في معالجة هذه الأزمة يُقاس بقدرتها على إعادة المعلم إلى فصله مطمئنًا إلى حقوقه، وإعادة التلميذ إلى مدرسته مطمئنًا إلى استقرار تعليمه. وهذا يتطلب قرارات قابلة للتنفيذ، وتمثيلًا نقابيًا مسؤولًا، وثقة تُبنى بما يتحقق على الأرض. فكل تأخير في التسوية يستهلك من حقوق المعلمين ومن وقت التلاميذ معًا.
The post حقوق المعلمين ومسؤولية الدولة: مَن يعيد التلاميذ إلى مدارسهم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
