يدخل ملف حصر السلاح في العراق مرحلة حاسمة مع اقتراب الموعد المحدد في 30 سبتمبر، وسط مساعٍ حكومية للتوصل إلى تفاهمات مع القوى السياسية والفصائل المسلحة بشأن مستقبل أسلحتها، وخلاف متصاعد حول طبيعة الخطوة المطلوبة: هل تنتهي بتسليم السلاح للدولة، أم تقتصر على تنظيمه وإخضاع قرار استخدامه للسلطة الحكومية؟
وكانت الحكومة العراقية حددت 30 سبتمبر موعدًا لبدء حصر السلاح بيد الدولة، فيما قال المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، في 31 أغسطس، إن الحوار مع الفصائل يسير بصورة «منتظمة ومتقدمة وإيجابية»، مؤكدًا أن الموعد ثابت ويرتبط بتثبيت دعائم سيادة الدولة.
وفي هذا السياق، يقدم رئيس تحرير صحيفة السياسة العراقية عادل المانع وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كركوك مهند الجنابي قراءتين متباينتين لمسار المفاوضات وإمكان تنفيذ التعهدات الحكومية قبل حلول الموعد.
ويرى المانع أن مهمة الحكومة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي ليست سهلة، معتبرًا أن إصدار قرار حكومي وانتظار تسليم جميع الفصائل أسلحتها من دون حوار أو تفاهمات سياسية لا يمثل مسارًا واقعيًا.
ويقول المانع إن الإطار التنسيقي والحكومة شكلا لجنة رباعية تضم نوري المالكي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني وهمام حمودي، لعقد اجتماعات مع لجنة مماثلة تمثل عددًا من الفصائل، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.
وبحسب المانع، أفضت الاتصالات إلى اعتماد تعبير «تنظيم السلاح» بدلًا من «حصر السلاح»، بعد اعتراضات من الفصائل على المصطلح الأخير.
ويعتبر المانع أن اعتماد تعبير «تنظيم السلاح» يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، متوقعًا ظهور نتائج الاتصالات خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في ظل ما يصفه بالدعم الذي تحظى به الحكومة الحالية من الإطار التنسيقي ولجنته الرباعية.
ولا يرى المانع أن «تنظيم السلاح» يعني منح الفصائل شرعية مستقلة لامتلاك أسلحتها، موضحًا أن المقصود، وفق تفسيره، تصنيف الأسلحة بحسب مستوياتها، بما يشمل الأسلحة الثقيلة، مع إخضاع قرار استخدامها لسلطة الحكومة، من دون اشتراط تجريد الفصائل منها بالكامل.
ويشير كذلك إلى أن حكومات عراقية سابقة لم تحقق، بحسب تقييمه، خطوات فعلية في ملف حصر السلاح، وظل الملف في حالات كثيرة ضمن الخطاب السياسي والإعلامي والانتخابي.
ويعتقد المانع أن الحكومة الحالية تملك فرصة أكبر لمعالجة القضية، مستندًا إلى مستوى الدعم السياسي الذي تحظى به، وفق تقديره.
في المقابل، يقدم الجنابي تفسيرًا مختلفًا للمسار، إذ يرى أن الانتقال في المصطلحات من «نزع السلاح» إلى «حصره» ثم «تنظيمه» أو «تجميده» لا يعكس تقدمًا في معالجة القضية، بل يمثل، من وجهة نظره، تراجعًا عن مبدأ احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.
ويفسر الجنابي مصطلح «تنظيم السلاح» بأنه يمكن أن يقود إلى وسم أسلحة الفصائل والاعتراف بملكيتها لها، وهو ما يعتبره متعارضًا مع الدستور والقوانين ومبدأ مركزية السلطة ووحدة القرار الأمني.
كما ينتقد اللجنة السياسية التي تتولى التفاوض مع الفصائل، معتبرًا أنها تمنح، بحسب تقديره، شرعية لسلاح يراه مصدرًا لعدم الاستقرار وانتهاك السيادة، ويربطه بالنفوذ الإيراني.
ويرى الجنابي أن تغيير المصطلحات والتركيز على صعوبة تنفيذ الملف يعكسان، بحسب رؤيته، عدم التزام الإطار التنسيقي بتعهداته السابقة المتعلقة بدعم رئيس الوزراء في حصر السلاح بيد الدولة.
ويضع الجنابي 30 سبتمبر في إطار «عد عكسي» لاختبار قدرة الدولة على تنفيذ قرارها، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة وصاحب الصلاحيات الدستورية، يملك صلاحية تحديد موعد حصر السلاح، وأن القوى السياسية والفصائل مطالبة بالالتزام به.
وحذر من الالتفاف على القرار أو الإبقاء على قوة مسلحة موازية للدولة، معتبرًا أن ذلك يعطل، بحسب رأيه، الإرادة الحكومية والدستورية.
ويستند الجنابي في موقفه إلى تجارب حكومات سابقة، من بينها حكومة مصطفى الكاظمي وحكومة محمد شياع السوداني، قائلًا إن إدراج حصر السلاح ضمن البرامج الحكومية لم يؤد إلى نتائج ملموسة.
وأضاف أن محاولة خلال عهد الكاظمي تعثرت، بحسب روايته، نتيجة تحدي الفصائل لسلطة الدولة والدعم السياسي الذي حصلت عليه.
ويرى الجنابي أن المعطيات الإقليمية والداخلية تغيرت منذ فبراير الماضي، وأن هذه التطورات أسهمت في وصول رئيس الوزراء علي الزيدي إلى رئاسة الحكومة، بعدما وضع حصر السلاح بيد الدولة في مقدمة منهاجه الوزاري.
ولا يعتبر الجنابي الضغوط الأمريكية السبب الرئيسي وراء طرح ملف حصر السلاح، مؤكدًا أن القضية، بحسب رؤيته، مطلب عراقي سابق على دخول الفصائل إلى البرلمان في 2018، وتعزز بعد احتجاجات تشرين.
ويشير كذلك إلى ما يعتبره دعمًا شعبيًا للمطلب، وإلى موقف وكيل المرجعية الدينية في البصرة، باعتبارهما عاملين يوفران للحكومة مساحة أكبر لتنفيذ تعهداتها.
ويتفق المانع مع اعتبار حصر السلاح مطلبًا عراقيًا، مستندًا إلى موقف المرجع الأعلى علي السيستاني بعد انتهاء خطر تنظيم داعش، والداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة.
لكن المانع يربط نجاح المسار أيضًا بالتفاهمات العراقية-الأمريكية، خصوصًا ما يتعلق بالتزام الولايات المتحدة بموعد الانسحاب المحدد في 30 سبتمبر.
ويحذر من أن عدم التزام واشنطن بتعهداتها يمكن أن يمنح الفصائل، وفق تقديره، مبررًا للتراجع عن التزاماتها في ملف السلاح.
وتأتي هذه المواقف بينما تؤكد الحكومة أن الحوار مع الفصائل مستمر، وأنها تسعى إلى وضع آلية تنفيذية لحصر السلاح. وقال المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي إن الحكومة لا تسمح لأي جهة بممارسة أدوار أمنية أو دفاعية خارج مؤسساتها الرسمية، فيما أوضح أن انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر سينقل العلاقة مع الولايات المتحدة إلى إطار الشراكة الثنائية.
The post حكومة «الزيدي» والفصائل أمام موعد حاسم.. ماذا ينتظر ملف السلاح في العراق؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
