ليس مستغربًا، في سياق السلوك الأميركي المتكرر، أن تتداول الأوساط الإعلامية والسياسية أخبارًا عن استهداف رئيس دولة ذات سيادة خارج أي إطار قانوني دولي. مشهد يعيد إلى الأذهان واقعة اعتقال الرئيس البنمي الراحل مانويل نورييغا عام 1989، بذريعة الاتجار بالمخدرات، في واحدة من أكثر السوابق فجاجة في انتهاك سيادة الدول. واليوم، وإن اختلفت السياقات وتعددت الروايات، يُعاد طرح اسم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الإطار ذاته، بما يعكس نهجًا ثابتًا في التعاطي مع الدول التي ترفض الانصياع للإرادة الأميركية أو الخضوع لشروطها السياسية والاقتصادية.
وبعيدًا عن الجدل القائم حول صحة الروايات المتداولة بشأن العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، أو طبيعة الاتهامات الموجهة إلى مادورو، فإن جوهر القضية يتجاوز شخص الرئيس ليطال مبدأً أساسياً في النظام الدولي: سيادة الدول. فمجرد ترويج فكرة اعتقال رئيس دولة بالقوة العسكرية ونقله خارج بلاده للمحاكمة يشكّل سابقة خطيرة تضرب أسس القانون الدولي، وتكرّس منطق القوة باعتباره المرجعية العليا في العلاقات الدولية.
لقد بات القانون الدولي، الذي وُجد أساسًا لحماية الدول الضعيفة قبل القوية، يُنتقى ويُفسَّر وفق مصالح القوى الكبرى، لا وفق معايير العدالة أو الشرعية. وما يُسوَّق تحت عناوين “مكافحة المخدرات” أو “الإرهاب” غالبًا ما يكون غطاءً سياسيًا لتصفية حسابات استراتيجية، وإعادة هندسة أنظمة الحكم في دول تمتلك موقعًا جيوسياسيًا حساسًا أو ثروات طبيعية مؤثرة، وفي مقدمتها النفط.
وفي هذا السياق، يثير التدخل الأمريكي الأخير تساؤلات حول الأبعاد الاستراتيجية للتحرك: فالسيطرة على النفط الفنزويلي لا تقتصر على تأمين مصدر مهم للطاقة فحسب، بل تُعتبر جزءًا من مواجهة اقتصادية أوسع مع الصين، إحدى أكبر مستوردي النفط الفنزويلي، إضافة إلى أن هذا التحكم يتيح للولايات المتحدة قدرة أكبر على المناورة في منطقة الخليج، خاصة في مواجهة إيران، مع تأثير مباشر على أسعار الطاقة العالمية وأمن الإمدادات.
وفي الألفية الثالثة، ومع ما يشهده العالم من تطور علمي وتكنولوجي غير مسبوق، كان من المفترض أن تقود هذه التحولات إلى تعزيز التعاون الدولي، وترسيخ قيم احترام الإنسان، وبناء منظومة أمن وسلام عالمي أكثر توازنًا. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك؛ إذ اختارت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الاستمرار في سياسة الهيمنة والردع، ولو كان ثمنها زعزعة استقرار الدول، ومعاناة الشعوب، ونهب مقدراتها.
ويكفي استعراض سجل التدخلات العسكرية الأميركية خلال العقود الماضية: من فيتنام وكوريا وكوبا، إلى أنغولا والعراق، مرورًا بالحرب العراقية–الإيرانية، وحربي الخليج، وأفغانستان، وصولًا إلى الشرق الأوسط الذي تحوّل إلى أحد أخطر مسارح الصراع العالمي. ويقف المشهد الفلسطيني اليوم مثالًا صارخًا على ازدواجية المعايير، حيث تُمارس إسرائيل حرب إبادة بدعم سياسي وعسكري غربي، دون مساءلة حقيقية أو احترام للمواثيق الدولية.
إن ما يُتداول بشأن فنزويلا، إن صحّ، لا يمكن فصله عن تحوّل في السلوك الأميركي، خاصة في ظل إدارة تتعامل بمنطق الصدمة وتوجيه الرسائل المباشرة، دون حاجة إلى غطاء أخلاقي أو قانوني. رسالة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على التحرك متى شاءت وأينما شاءت، وأن من يعارض أو يخرج عن طوعها سيدفع الثمن، سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تناقض خطاب ترامب؛ فالرئيس الأميركي الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الصفقات، ويدعو إلى تغليب منطق الاقتصاد على الحروب، ويعلن أنه “رئيس السلام”، هو ذاته من يشرف على عملية عسكرية تنتهي بخطف رئيس دولة ذات سيادة، مما يعكس فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة ويؤكد أن منطق القوة لا يزال حاضرًا بقوة.
كما يبرز تساؤل جوهري حول مصير السلطة في فنزويلا بعد الحديث عن تكليف المحكمة الدستورية بنقل الصلاحيات إلى نائب الرئيس، في ظل فراغ سياسي وأمني معقد. فمثل هذا الترتيب، إن تم فرضه تحت ضغط خارجي أو في سياق تدخل عسكري، يطرح علامات استفهام كبرى حول شرعيته الداخلية وقدرته على إدارة الدولة أو نيل قبول الشارع الفنزويلي.
كما يظل مصير زعيمة المعارضة، التي قيل إنها فازت في الانتخابات، سؤالًا مفتوحًا، في مشهد تتداخل فيه الشرعية الانتخابية مع موازين القوة الدولية. وهو ما يعزز القناعة بأن واشنطن لا تبحث بالضرورة عن تداول ديمقراطي للسلطة، بقدر ما تسعى إلى إنتاج قيادة سياسية موالية، قادرة على تمرير سياساتها ومصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها ملف الطاقة والنفط.
ويبرز السؤال الأكثر حساسية: ما الذي سيؤول إليه المشهد إذا رفضت السلطة القائمة الانخراط في السياسات الأميركية أو الخضوع لشروطها؟
ردود الفعل الدولية باختصار
أثارت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو موجة واسعة من ردود الفعل الدولية المتباينة. ففيما رحّبت بها المعارضة الفنزويلية وعدد من الدول، أبرزها إسرائيل والإكوادور، واعتبرتها خطوة نحو “إنهاء نظام غير شرعي”، سارعت قوى دولية كبرى، في مقدمتها روسيا والصين وإيران والبرازيل والمكسيك، إلى إدانتها بوصفها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وسيادة الدول، محذّرة من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، تبنّت أطراف أوروبية ودولية، من بينها الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وتركيا، مواقف أكثر حذرًا، دعت فيها إلى التهدئة وضبط النفس واحترام ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدة أن أي حل سياسي في فنزويلا يجب أن يكون سلميًا ولا يُفرض من الخارج.
أما الأمم المتحدة، فاعتبرت اعتقال مادورو “سابقة خطيرة”، داعية إلى حوار شامل يحترم حقوق الإنسان وسيادة القانون، في وقت أعلنت فيه دول إقليمية، مثل كولومبيا، اتخاذ إجراءات احترازية تحسبًا لانعكاسات الأزمة على المنطقة.
الخاتمة
في ظل صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية، وعودة روسيا لاعبًا دوليًا مؤثرًا، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسابق الزمن لإعادة تثبيت موقعها القيادي، حتى وإن كان ذلك عبر خرق القوانين الدولية وتطبيع فكرة اختطاف الدول قبل الأفراد. وهنا لا يعود السؤال محصورًا في فنزويلا أو رئيسها، بل يمتد إلى مستقبل النظام الدولي برمّته: هل سيظل نظامًا تحكمه القواعد والمواثيق، أم عالمًا تُديره شريعة القوة ومنطق الغلبة؟
The post خطف رئيس دولة في وضح النهار.. حين تُداس السيادة باسم القوة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
