سيف الإسلام.. وهم العودة للحكم ونهاية مؤلمة

0
16

في البدء لابد من التأكيد على أن تصفية الخصوم قتلا ليس مبررا ولا يمكن قبوله فهو جريمة جنائية مكتملة الأركان ، لكن بعيدا عن العواطف واستنادا إلى منطق الأحداث ومعطيات وظروف الواقع الليبي ما بعد سقوط نظام القذافي فإن واقعة اغتيال سيف الإسلام لا يمكن إخراجها من حيزها السياسي والأمني وإن ظروف وملابسات الاغتيال كانت انعكاسا واقعيا لحالة صراع قوي بين خصومه ومؤيديه في مدينة الزنتان نفسها، فالزنتان كانت شرارة انتفاضة فبراير في الغرب الليبي بعد أن انطلقت شرارتها الأولى من البيضاء في الشرق الليبي في 15 فبراير 2011م ، وهذا يعني أن وجوده في الزنتان كان مغامرة كبيرة وخطيرة، وأن ما حدث بالمنظور الواقعي كان متوقعا في كل حين.

الزنتان الذين قبضوا عليه وأحضروه إلى مدينتهم في ظروف صعبة وفي عنفوان الانتفاضة عام 2012م وفروا له الحماية الكافية وحالوا دون أن يصل إليه أحد من المتشددين ورفضوا تسليمه لأي جهة سواء في طرابلس أو مصراتة بل أصروا أن تتم محاكمته في الزنتان الأمر الذي أغاض الكثير من رفاقهم من ثوار فبراير، وهم الذين مكنوه من الامتثال أمام محكمة في الزنتان لا في طرابلس، تحملوا ثقل استضافته المحفوف بالمخاطر كونه غير مرغوب فيه من تيار الفبرايريين من الزنتان وغيرهم لمدة 14 سنة، وهم الذين برغم صدور حكم غيابي عنه بالإعدام عام 2015م أصروا على بقائه عندهم إلى أن صدر قانون العفو العام من مجلس النواب عام 2016 م وأعلنت الكتيبة التي تحميه إطلاق سراحه رسميا.

سيف الإسلام بعيدا عن العواطف، للأسف لم يكن في مستوى ما يجري حوله من الأحداث، وكأني به كان يعيش في عالم خيالي منفصل تماما عن الواقع الليبي، ربما بناء على تضليل إعلامي خلقه أنصاره أو ربما من نفسه بما يتملكه من حب للزعامة والحكم، وهو بذلك أيضا ضيع أثمن فرصة وفرتها له الزنتان بإعلان العفو عنه وإطلاق سراحه، إذ كان ممكنا أن يخرج من ليبيا أو يسوي وضعه مع المحكمة الدولية لينطلق من ثم في قيادة حقيقية لتيار سياسي ذو قاعدة اجتماعية كبيرة.

المستغرب فعلا هو كيف لم يكن سيف القذافي يدرك حقيقة الوضع الليبي من حوله؟! وهو يشاهد ويسمع وبدون قيود كل تفاعلات المشهد من حوله، كيف تجاهل أن من يسيطر على الحكم في غرب ليبيا وشرقها بعد سقوط أبيه يمتلكون سطوة وقوة السلاح؟! وهو الذي لا قوة مسلحة تسنده، صحيح أن تيار سيف القذافي لديه زخم اجتماعي كبير لكنه يفتقر القوة العسكرية على الأرض وهو بالتالي لا وزن له بين موازين القوى الفعلية المتحكمة في المشهد الليبي الآن.

من سوء تصرف سيف القذافي هو ترشحه لانتخابات عام 2021م والتي ألغيت بسببه، فمن يصدق أن يقبله خصومه الذين أطاحوا بنظام أبيه أن يشاركهم الحكم من نافذة الانتخابات، قبل أن تتم المصالحة الوطنية وقبل أن يعتمد دستور دائم للبلد؟!، فهم قبلوه مواطنا وناخبا ولكن لم يقبلوه مترشحا ومنافسا، موضوعيا وسياسيا كان على سيف القذافي بعد العفو عنه أن يتقدم بخطاب سياسي متزن للشعب الليبي يعترف فيه بسقوط نظام أبيه وقيام النظام الجديد ودعمه للمصالحة الوطنية وتأكيد عدم ترشحه إلا بعد إقرار الدستور الدائم وتجاوز المراحل الانتقالية.

سيف الإسلام لم يكن يوما في مستوى حمل مسؤولية قيادة دولة كما يدعي مناصروه ويخيل له ولهم، فهو لا يمتلك الحس السياسي العميق ولا التفكير المنطقي الذي يراعي بيئة وظروف الواقع، لذلك فشل في عدة مرات حتى عندما كان حكم أبيه قائما، لقد فشل في مشروع ليبيا الغد الذي جاء به بمجرد أن واجهته بعض الصعوبات من الحرس القديم وبدلا من احتوائهم كشركاء حاول إقصائهم ثم انتهى به الأمر إلى تدخل أبيه وهو ما دفعه للتخلي عن مشروعه وتأجيله.

ثم فشل مرة أخرى في قرائته لموضوع المصالحة عندما ظن أن مجرد العفو عن المعارضين الإسلاميين وجلبهم من أفغانستان ومن الخارج وتعويضهم ماديا سيضمن له أن يكون وريثا لأبيه، وقد ثبت أنهم قد كانوا أول من تخلوا عنه وكانوا في مقدمة من انتفضوا واسقطوا النظام في فبراير 2011م، ورغم ذلك كله وجدناه يدفع بممثليه للقاء مع الإسلاميين في ما سمي المصالحة التي يرعاها الاتحاد الإفريقي! والفشل الثالث وهو الأشد والذي انتهى باغتياله وإنهاء مشروعه ودفنه معه عندما ظن واهما أنه سيتمكن من العودة إلى حكم ليبيا تحت عباءة والده مرة أخرى من بوابة الانتخابات قبل أن يكون هناك دستور معتمد للبلد.

واقعيا لقد كان سيف القذافي عقبة في استقرار ليبيا بما يمثله من تحدي صارخ للسلطات القائمة على أنقاض نظام أبيه وهو في ليبيا وفي مدينة محسوبة على ثورة فبراير، فهو كان يعمل على عودة ذلك النظام متفردا ولاغيا لانتفاضة فبراير باعتبارها مؤامرة وخيانة، وهذا ما يثير خصومه ويجعلهم يصرون على إبعاده وحتى قتله من قبل متشددين! وهذه المواقف غير المدروسة جعلته يختلف حتى مع تيار آخر من أنصار النظام الجماهيري الذين يتعاملون مع أنصار فبراير بواقعية كشركاء لا خصوم.

ختاما، أدين بشدة واقعة الاغتيال الغادرة واسأل الله أن يتقبل سيف الإسلام بالمغفرة والرحمة، ويلهم آله وذويه جميل الصبر والسلوان، فالرجل قد أفضى إلى ربه مغدورا، ويؤسفني أنه كان مساهما في نهايته المؤلمة هذه نتيجة مواقفه غير المدروسة وقرائته غير السليمة للمشهد الليبي ولما يجري حوله وتقمصه دور المنقذ وهو العاجز حتى على إنقاذ نفسه.

The post سيف الإسلام.. وهم العودة للحكم ونهاية مؤلمة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.