صياغة العقد الاجتماعي.. من هرج السلطة إلى التأسيس الوطني المكتمل

0
9

إن المشهد السياسي المتخبط اليوم بما يشهده من تصريحات متضاربة وإشهار مبادرات متعاقبة يخرج بها رؤساء حكومات متعددون في ظهائر الجمعة وأيام الأسبوع مع أوهام الحسم واستعادة الدولة يمثل حالة علنية من الهرج السياسي الذي يخلق استقطاباً زائداً ويعمّق خيبة الأمل والمشكلة البنيوية الحقيقية في هذا المشهد لا تكمن في هوية هؤلاء الأشخاص أو تفاصيل وعودهم البراقة بل في إشكالية المشروعية الغائبة والسؤال التاريخي المحوري حول من منح هذه الأطراف التفويض الأصيل لإدارة مصير أمة دون الاستناد إلى عقد اجتماعي معتمد أو إرادة شعبية ممتدة وإن تحول الواقع السياسي إلى ساحة لتقديم مشاريع اقتصادية وسياسية مرتجلة يتقبلها الشارع المجهد أحياناً بالرداءة أو ينساق وراءها آخرون بالتصفيق يعد تسطيحاً خطيراً لمفهوم بناء الدولة المتماسكة كما أن استمرار الأجسام القائمة خارج مداها الزمني واحتكار التحدث باسم الوطن في ظل غياب دستور متفق عليه يرسم ملامح الدولة وشكل نظامها أدى بطبيعة الحال إلى تفاقم أزمة الثقة وتغول المركزية التي تبتلع القدرات على حساب الأطراف بالتوازي مع ارتفاع النبرة الجهوية والاستخفاف بالتنوع الثقافي والمكونات الوطنية للتراب الليبي وهو ما أتاح لهذا الانسداد أن يتسع ليلغي الحد الفاصل بين مفهوم الحاكم النافذ والمحكوم الصابر معيداً رسم خريطة الصراع كمعركة بقاء للنخب وليس كمشروع وطن وتتطلب معالجة هذا المأزق الوطني والانتقال بالبلاد من أزمنة الهرج إلى آفاق الاستقرار الحقيقي اعتماد رؤية علمية موضوعية تبدأ بالتركيز الفوري على إيجاد قاعدة دستورية حاسمة تضمن العدالة والتوازن الشامل بين الأقاليم التاريخية الثلاثة برقة وطرابلس وفزان وتحدد طبيعة الدولة وتفصل بشكل قاطع بين السلطات والانتقال من مفهوم الشرعية الممنوحة من نخب المحاصصة إلى الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع والقبول الشعبي المباشر إضافة إلى تقويض التغول المركزي عن طريق تفعيل نظام إداري ومالي يضمن التوزيع المتكافئ للثروات والسلطة دون استئثار إقليم بالقرار الوطني.

وفي هذا الصدد فإن واقع السيطرة الميدانية نحن في حاجة لطرح مبادرة تاريخية مفصلية تنقل الوطن من حالة الانسداد إلى شرعية الدولة من خلال الدفع باتجاه إعداد دستور جديد أو تعديل بعض بنود دستور ألف وتسعمائة وواحد وخمسين التاريخي وبث روح التوافق فيه ثم طرحه للاستفتاء الشعبي المباشر والتأسيس لانتخابات رئاسية وبرلمانية حرة يشارك فيها الجميع بلا إقصاء ليكون صندوق الاقتراع هو الحكم والفيصل والذي يختاره الشعب الليبي بالشفافية والحرية تُضرب له التحية وتُسلم له مقاليد الإدارة وتكون هذه الخطوة بمثابة التتويج الوطني التاريخي لجهود الشرفاء من ابناء ليبيا يلتف حولها كل أبناء الشعب الليبي في حين أن استمرار هذه الأوضاع المتردية وبقاء الاستنزاف السياسي القائم لم يعد مقبولة لدى أي طرف ولا يعبر حتى عن تطلعات الشعب الليبي.

وبهذا يمكن اجبار كل الأجسام المنتهية الولاية على الانصياع لخارطة طريق ملزمة وإن الخروج الناجز من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة تاريخية تشبه تلك التي امتلكها الأجداد المؤسسون حيث كانت مدركاتهم الوطنية أعلى من المصالح الشخصية والجهوية ضيقة الأفق وإن إنتاج طرح سياسي حقيقي لا يحتاج إلى مزيد من البيانات أو المبادرات الشكلية بل يتطلب تقديم تنازلات مؤلمة وشجاعة من جميع الأجسام المتصدرة للمشهد لصالح البناء الوطني الجامع إذ لن يستقيم بناء الدولة الحديثة إلا عبر الشروع في حوار وطني بنّاء ينطلق من الإيمان بالشراكة الحقيقية لصالح ديمومة المؤسسات والاتفاق الواضح على من يحكم وكيف يُحكم بعيداً عن صخب ظهائر الجمعة ووعود الاستهلاك الإعلامي.

The post صياغة العقد الاجتماعي.. من هرج السلطة إلى التأسيس الوطني المكتمل appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.