قمة فرنسا – أفريقيا.. هل تنجح باريس في دور جديد؟

0
12

تنعقد قمة فرنسا – أفريقيا في العاصمة الكينية نيروبي في ظل تحولات دولية متسارعة تعيد رسم موازين النفوذ داخل القارة الأفريقية، التي أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس السياسي والاقتصادي والأمني بين القوى الكبرى.

وتأتي القمة في وقت تواجه فيه فرنسا تراجعًا واضحًا في حضورها التقليدي داخل أفريقيا، مقابل صعود قوى دولية أخرى، أبرزها الصين وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى قوى إقليمية ودول ناشئة تبحث عن تعزيز نفوذها داخل القارة الغنية بالموارد والأسواق الاستراتيجية.
وفي محاولة لإعادة التموضع، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال القمة عن حشد استثمارات تُقدَّر بنحو 23 مليار يورو لصالح أفريقيا، في خطوة تعكس انتقال باريس من أدوات النفوذ العسكري والسياسي التقليدية نحو الاقتصاد والاستثمار.

لماذا اختارت فرنسا كينيا؟

يحمل اختيار كينيا لاستضافة القمة دلالات سياسية واستراتيجية مهمة، فالقمة تُعقد للمرة الأولى في دولة أفريقية ناطقة باللغة الإنجليزية، وهو ما يعكس إدراكًا فرنسيًا بأن النفوذ في أفريقيا لم يعد قائمًا فقط على الفرنكوفونية أو الإرث الاستعماري، بل على المصالح الاقتصادية والشراكات المتبادلة.

كما أن نيروبي أصبحت مركزًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا مهمًا في شرق أفريقيا، ما يؤكد أن باريس بدأت تتجه نحو مناطق نفوذ جديدة بعد تراجع حضورها التقليدي في دول الساحل وغرب أفريقيا.

أفريقيا تغيّرت

ورغم الطابع الفرنسي – الأفريقي للقمة، فإن أفريقيا لم تكن يومًا خاضعة بالكامل لفرنسا، بل تقاسمت القوى الأوروبية النفوذ داخل القارة بين بريطانيا والبرتغال وإسبانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا.

لكن العالم تغيّر، وكذلك طبيعة العلاقات الدولية، ولم تعد الدول الأفريقية مرتبطة حصريًا بالقوى الاستعمارية السابقة، بل أصبحت تبحث عن شراكات متنوعة تحقق مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية.

وقد ساهمت العولمة والتحولات الاقتصادية في إنهاء كثير من أنماط التبعية التقليدية، بينما تواجه فرنسا اليوم رفضًا متزايدًا داخل الشارع الأفريقي، حيث تُتهم بالاستمرار في التأثير على اقتصاديات بعض الدول عبر النفوذ النقدي والاقتصادي والاتفاقيات الأمنية.

تراجع النفوذ الفرنسي وصعود المنافسين

شهدت السنوات الأخيرة تصاعد الغضب الشعبي ضد الوجود الفرنسي، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي، ما دفع باريس إلى الانسحاب من دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع تراجع نفوذها أيضًا في تشاد والغابون.

وفي المقابل، عززت الصين حضورها الاقتصادي عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات، بينما توسعت روسيا أمنيًا وعسكريًا في بعض مناطق النزاع، في حين تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها ضمن صراع دولي متزايد على أفريقيا.

من النفوذ العسكري إلى الاقتصاد

تعكس القمة إدراكًا فرنسيًا بأن أدوات النفوذ التقليدية لم تعد كافية للحفاظ على حضورها داخل أفريقيا، لذلك ركزت باريس على ملفات:

الطاقة

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

الاقتصاد الرقمي

البنية التحتية

دعم الشباب وريادة الأعمال

وهو ما يشير إلى تحول فرنسي من “الفرنكوفونية السياسية” إلى “الشراكة الاقتصادية”، في محاولة لبناء صورة جديدة لفرنسا كشريك اقتصادي لا كقوة استعمارية سابقة.

قراءة تحليلية

من الواضح أن أفريقيا دخلت مرحلة “تعدد الشركاء”، ولم تعد خاضعة لنفوذ قوة دولية واحدة كما في الماضي. فالقارة أصبحت مساحة مفتوحة للتنافس الدولي على الموارد والطاقة والمعادن والأسواق وخطوط التجارة.

وفي هذا السياق، تبدو قمة نيروبي محاولة فرنسية لإعادة بناء حضورها داخل قارة تغيّرت سياسيًا واقتصاديًا، وأصبحت تبحث عن علاقات قائمة على المصالح والسيادة الوطنية لا على التبعية التاريخية.

لكن يبقى السؤال الأهم:

هل تستطيع فرنسا استعادة نفوذها عبر الاقتصاد والاستثمار بعد أن خسرت جزءًا كبيرًا من رصيدها السياسي والشعبي داخل أفريقيا؟
وهل تنجح باريس فعلًا في لعب دور جديد داخل القارة، أم أن أفريقيا تتجه نحو مرحلة دولية مختلفة تقوم على تعدد القوى والشراكات دون هيمنة تقليدية؟

The post قمة فرنسا – أفريقيا.. هل تنجح باريس في دور جديد؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.