تتجدد بين الحين والآخر سقطات الخطاب السياسي الغربي، لتعكس أزمة أخلاقية وفكرية عميقة تعتري دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وتحديدًا لدى اليمين الشعبوي الذي يمثله الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات العنصرية والمشينة التي كررها ترامب مؤخرًا خلال خطاباته الاستعراضية، متسائلاً بلغة تعبّر عن تعجرف استعماري بغيض عن سبب استقبال مهاجرين من دول مثل ليبيا واليمن وهايتي والصومال بدلاً من دول أخرى مثل النرويج والسويد والدنمارك. هذه الكلمات لا تعبر إلا عن ضحالة سياسية وعنجهية إمبريالية عتيقة، تفضح العقلية التي تقود السياسة الخارجية لواشنطن اليوم، والتي تنظر إلى شعوب الأرض بمنظور الاستعلاء والتمييز المرفوض.
إن هذا السقوط اللفظي والأخلاقي لا يمثل الشعب الأمريكي الصديق، الذي غالباً ما يدفع تكلّفة اختيارات سياسية تروج لشخصيات شعبوية تستغل النعرات العنصرية والمصالح الضيقة على حساب قضايا الشعوب الأخرى. بل هو انعكاس فاضح لطبيعة قيادة تورطت سياسياً وأخلاقياً في دعم المشاريع التوسعية والحروب العبثية، بدءاً من توريط بلادها في صراعات خاسرة، مروراً بالارتباط بسياسات تخدم قوى الهيمنة الإقليمية والدولية على حساب دماء الشعوب ومقدراتها، وصولاً إلى الفضائح الأخلاقية والسياسية التي تلاحق ترامب وسجل إدارته، والتي تعكس انحداراً منظماً في منظومة القيم التي يتبجحون بها.
وعندما يتطاول ترامب على التاريخ العريق لليبيا، فإن الذاكرة التاريخية تقف صلبة لتصفع هذا الجهل المدقع وتذكره بالحقائق الساطعة التي تخفيها غطرسة القوة اليوم. فتاريخ ليبيا ليس وليد لحظة عابرة، بل هو عمق حضاري وإنساني يسبق وجود الكيان الأمريكي بقرون طويلة. ولتاريخ البحر المتوسط روايات لا تُنسى عن عزة ليبيا وريادتها العسكرية والسياسية، حين أذلت الأسطول الأمريكي في أوائل القرن التاسع عشر، وأسرت كبرى سفنه الحربية «فرقاطة فيلادلفيا»، وهزمت الحملات العسكرية والبرية المتعاقبة (كماتم إثباته في التاريخ العسكري لحملة إيتون)، مما اضطر الإدارة الأمريكية في ذلك الحين إلى تقديم اعتذار رسمي ودفع التعويضات والجزية لضمان مرور سفنها بسلام في حوض البحر المتوسط. وحتي نشيد قوات المارينز الأمريكية نفسه يخلد في بدايته تلك الشواهد الخالدة من «شواطئ طرابلس»، معترفاً بطبيعة المواجهة وببأس الشعب الليبي على أرضه.
من هنا، فإن ليبيا بتاريخها وحضارتها وثقلها الجيوسياسي والإنساني لا تنتظر شهادة حسن سلوك من رئيس يمارس الابتزاز السياسي ويبحث عن شعبوية رخيصة. وإن كرامة الشعوب واستقلال قرارها الوطني هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ولا يسعنا أمام هذه الإهانات المنهجية إلا التساؤل الملح: أين الرد الدبلوماسي الحازم الذي يحفظ هيبة الدولة الليبية وسيادتها؟ ومتى تتخذ المؤسسات الرسمية والمجتمعية مواقف عملية ترقى إلى مستوى التحدي، من خلال طرد السفراء الذين يمثلون دوائر الإهانة والاستعلاء، وقطع دابر التدخلات الأجنبية السافرة في الشأن الداخلي الليبي؟
إن هذه اللحظة الفارقة توجب على جميع الأطياف والقوى الوطنية في ليبيا تجاوز الخلافات العابرة وتوحيد الصف بكل وطنية ومسؤولية، مستلهمة روح الوحدة الصلبة التي تجلت في محطات التاريخ الكبرى، حين توحد الشعب الليبي لصد الاستعمار الإيطالي في معركة الشرف الوطنية الخالدة (القرضابية)، وحين تكاتفت الإرادات لانتزاع الاستقلال وصيانة وحدة التراب الوطني. إن الأوطان لا تبنى بالانقسامات ولا تستعاد الهيبة بالتخاذل، بل بالإرادة الصلبة والوعي الوطني الجامع الذي يجعل سيادة ليبيا وكرامة أبنائها فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي.
The post كرامة الأوطان فوق كل اعتبار.. الرد التاريخي والسياسي على سقطات العنجهية الأمريكية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.