كواليس قطاع الطاقة.. ماذا قال الشحاتي لـ«عين ليبيا» عن حرق الثروات وعتمة الكهرباء؟

0
6

تُعد ظاهرة حرق الغاز المصاحب من أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطاقة في ليبيا، في ظل استمرار فقدان كميات كبيرة من الغاز الذي كان يمكن استغلاله في دعم إنتاج الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود السائل، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والصناعات المرتبطة بالغاز.

وقال الخبير النفطي محمد الشحاتي في تصريح لـ«شبكة عين ليبيا» إن حرق الغاز المصاحب لا يزال أحد أكبر أوجه الهدر في قطاع الطاقة الليبي، مشيراً إلى أن ليبيا جاءت ضمن أكبر الدول في العالم من حيث حجم حرق الغاز وفقاً لتقارير دولية حديثة.

وأوضح الشحاتي أن الكميات المحروقة ارتفعت خلال عام 2025 بالتزامن مع ارتفاع إنتاج النفط، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين حجم الحرق وكثافة الحرق، موضحاً أن حجم الغاز المحروق ارتفع نتيجة زيادة إنتاج النفط، بينما انخفضت كثافة الحرق بصورة طفيفة، أي أن كمية الغاز المحروق لكل برميل نفط تحسنت نسبياً، وهو ما يعكس تحسناً تشغيلياً محدوداً، لكنه لا يعني أن المشكلة تراجعت، لأن الكميات المطلقة ما زالت مرتفعة.

وأضاف أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن حرق الغاز لا تقتصر على قيمة الغاز المهدور فقط، بل تشمل أيضاً قيمة الكهرباء التي كان يمكن إنتاجها، وتقليل استهلاك الوقود السائل في محطات التوليد، وإتاحة كميات إضافية من النفط الخام والديزل للتصدير، فضلاً عن خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استغلال الموارد الوطنية.

وأكد أن زيادة إنتاج النفط يجب أن تترافق مع توسع موازٍ في مرافق جمع ومعالجة الغاز، لأن زيادة الإنتاج النفطي دون تطوير هذه المرافق ستؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع كميات الغاز المحروقة.

أسباب استمرار الظاهرة

وحول أسباب استمرار حرق الغاز المصاحب رغم امتلاك ليبيا احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي، أوضح الشحاتي أن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من العوامل الفنية والاقتصادية والمؤسسية.

وأشار إلى أن الطبيعة الجغرافية للإنتاج النفطي في ليبيا تمثل أحد التحديات، حيث تقع نسبة كبيرة من الحقول في مناطق صحراوية بعيدة عن مراكز الاستهلاك، ما يجعل إنشاء شبكات جمع الغاز ونقله أكثر تكلفة مقارنة بالدول التي تمتلك بنية تحتية متكاملة.

وأضاف أن جزءاً كبيراً من الغاز المنتج في ليبيا هو غاز مصاحب للنفط وليس غازاً مستقلاً، وهو ما يفرض تحديات تشغيلية، لأن إنتاجه يرتبط بمستويات إنتاج النفط، ويحتاج إلى استثمارات إضافية في الضغط والمعالجة وإعادة الحقن.

ولفت إلى أن هذه العوامل لا تعفي من وجود تحديات داخلية، تتمثل في تأخر تنفيذ بعض مشاريع استرجاع الغاز، ونقص الاستثمارات في البنية التحتية، وضعف التخطيط طويل الأجل، وغياب برامج تنفيذية متكاملة تربط بين سياسات إنتاج النفط واحتياجات قطاع الكهرباء.

وأوضح أن عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية ساهم في رفع تكلفة الاستثمار وتأجيل عدد من المشاريع، في وقت استمر فيه الطلب المحلي على الغاز، خصوصاً في قطاع الكهرباء، في الارتفاع.

وأضاف أن المفارقة تتمثل في أن ليبيا تحرق جزءاً من غازها في الوقت الذي تضطر فيه أحياناً إلى تشغيل بعض محطات الكهرباء بالوقود السائل الأعلى تكلفة والأكثر تلويثاً، وهو ما لا يعكس أفضل استغلال للموارد الوطنية.

تأثير الحرق على الكهرباء والاقتصاد

وأكد الشحاتي أن أكبر المتضررين من استمرار حرق الغاز هو قطاع الكهرباء، باعتبار أن ليبيا تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي في تشغيل محطات التوليد.

وأوضح أن كل متر مكعب من الغاز يتم استرجاعه يمكن أن يساهم في زيادة إنتاج الكهرباء أو تقليل الاعتماد على الوقود السائل، وهو ما ينعكس على خفض تكلفة إنتاج الكهرباء وتحسين كفاءة المنظومة وتقليل الانقطاعات.

وأشار إلى أن الاستفادة من الغاز لا تعني بالضرورة تصديره، إذ قد تكون قيمته الاقتصادية داخل السوق المحلية أكبر من خلال استخدامه في توليد الكهرباء أو إقامة صناعات ذات قيمة مضافة مثل البتروكيميائيات والأسمدة.

وبيّن أن توفير فائض حقيقي بعد تلبية الاحتياجات المحلية يمكن أن يجعل التصدير خياراً اقتصادياً إضافياً، كما أن تحسين إدارة الغاز يفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الصناعات المرتبطة به، ويعزز أمن الطاقة الوطني، ويزيد من مرونة الاقتصاد الليبي أمام تقلبات أسواق النفط.

خطوات الحد من حرق الغاز

وحول الحلول العملية، أكد الخبير النفطي أن الهدف الواقعي ليس القضاء على الحرق بشكل فوري، لأن جزءاً منه يرتبط بمتطلبات السلامة، وإنما تقليله تدريجياً وفق أولويات اقتصادية واضحة.

وحدد الشحاتي عدداً من الخطوات الضرورية، من بينها:

البدء بالحقول التي تحقق أعلى عائد اقتصادي وأقل تكلفة لاسترجاع الغاز، وعدم التعامل مع جميع الحقول بالطريقة نفسها.

استكمال مشاريع جمع ومعالجة الغاز المتوقفة وربطها مباشرة باحتياجات محطات الكهرباء القريبة.

التوسع في إعادة حقن الغاز في المكامن النفطية عندما تكون أكثر جدوى من حرقه، لما تحققه من زيادة في استخلاص النفط.

تحديث البنية التحتية للغاز، بما يشمل خطوط النقل ومحطات الضغط والمعالجة، وفق خطة وطنية متدرجة.

نشر بيانات دورية وشفافة حول كميات الحرق وأسبابه وخطط معالجته، بما يسمح بقياس التقدم بصورة موضوعية.

الاستفادة من برامج التمويل الدولية والمناخية لتقليل تكلفة الاستثمار، مع التأكيد على أن تطوير القطاع مسؤولية وطنية بالدرجة الأولى.

وشدد على ضرورة عدم النظر إلى استرجاع الغاز باعتباره مشروعاً بيئياً فقط، بل باعتباره مشروعاً لأمن الطاقة الوطني، موضحاً أن كل كمية غاز يتم إنقاذها من الحرق تعني كهرباء إضافية، وانخفاضاً في استهلاك الوقود السائل، وتحسناً في كفاءة قطاع النفط، وزيادة في القيمة المضافة للاقتصاد الليبي.

واختتم الشحاتي تصريحه بالتأكيد على أن ليبيا لا تحتاج إلى الاختيار بين زيادة إنتاج النفط وتقليل حرق الغاز، بل يجب أن يسيرا معاً، بحيث يواكب كل توسع في إنتاج النفط توسع مماثل في مرافق جمع ومعالجة الغاز.

وأوضح أن تقييم أداء الدول في هذا الملف لا ينبغي أن يعتمد على المقارنات الرقمية فقط، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار الخصائص الجغرافية والاقتصادية والمؤسسية، مع بقاء الهدف النهائي واضحاً، وهو الوصول إلى أدنى مستوى ممكن من الحرق الروتيني وتحقيق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة من موارد الغاز الليبية.

The post كواليس قطاع الطاقة.. ماذا قال الشحاتي لـ«عين ليبيا» عن حرق الثروات وعتمة الكهرباء؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.