مقدمة
نظراً إلى أهمية وطبيعة مخرجات الحوار المهيكل – مسار الاقتصاد – التي تطلبت ان يكون تقييم هذه المخرجات مطولاً ومفصلاً نظراً إلى أنه موجه لمتخذي القرار و الخبراء المتخصصين ، لذلك رأى الباحث ان يعد هذا الملخص ليكون متاحاً للجميع .
إن ما جاء بتقرير الحوار المهيكل – مسار الاقتصاد – يمثل جهداً وطنياً مقدراً ، ويضم عدداً كبيراً من الأفكار والتوصيات . إلا أن أهمية أي برنامج إصلاحي لا يقاس بعدد توصياته ، وإنما بمدى تكامله وترتيبي أولوياته ، وتحديد آليات تنفيذه ، وقابليته للتنفيذ ، وقدرته على معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الاقتصادية .
إن هذه الدراسة لا تهدف إلى مجرد تقييم تقرير الحوار المهيكل – مسار الاقتصاد – ، وإنما تطويره . فالتقييم العلمي الحقيقي لا يقتصر على بيان مواطن القوة والقصور ، بل يقدم البديل الأفضل كلما أمكن ذلك .
المطلب الأول
جوانب القوة في التشخيص الكلي للاقتصاد الليبي
1 – شمولية التشخيص وتكامله .
2 – الاعتماد على البيانات والمؤشرات الكمية .
3 – الربط بين الاقتصاد والسياسة والمؤسسات .
4 – الانتقال من التشخيص إلى الاستشراف .
5 – التركيز على الإصلاح الهيكلي .
6 – الاهتمام بالبعد الاجتماعي والتنموي .
المطلب الثاني
تقييم إصلاحات الحوكمة المالية وإدارة المال العام باعتبارها المدخل الرئيس للإصلاح
الاقتصادي
1 – التقرير توسع في عرض الإجراءات التنفيذية ، بينما كان من الأنسب التركيز على الإصلاحات المؤسسية الكبرى التي تمثل الإطار الحاكم لجميع تلك الإجراءات ، فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بكثرة التعليمات والمنشورات ، وإنما ببناء مؤسسات قوية تعمل وفق قواعد قانونية مستقرة ، وتخضع للمساءلة والرقابة .
2 – تتداخل بعض التوصيات وتتكرر في أكثر من موضع ، ولا سيما فيما يتعلق بالشفافية ، والحسابات الختامية ، والإفصاح المالي ، وإدارة الدين العام ، وهو ما كان يمكن تجاوزه من خلال دمجها ضمن برنامج إصلاح مالي موحد ، يحدد الأهداف ، والجهات المسؤولة ، والجداول الزمنية ، ومؤشرات الأداء
3 – كان من المستحسن أن يتضمن التقرير ترتيباً واضحاً لأولويات التنفيذ ، بحيث يبدأ بإعادة توحيد المؤسسات المالية ، وإقرار الإطار التشريعي المنظم للمالية العامة والدين العام ، ثم الانتقال إلى إصلاحات الإيرادات والإنفاق ، وأخيراً التحول التدريجي إلى موازنة البرامج والأداء . فالتدرج في التنفيذ يعد أهم عوامل نجاح برامج الإصلاح المالي في التجارب الدولية .
4 – رغم ما تضمنه التقرير من اهتمام بالحوكمة والشفافية ، فإن الإصلاح المالي لا يكتمل دون إعادة بناء المنظومة المؤسسية المشرفة على إدارة المال العام ، بما يكفل وضوح الاختصاصات ، ومنع الازدواجية ، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المالية والرقابية ، وهو ما يمثل شرطاً أساسياً لرفع كفاءة الإنفاق وتعزيز المساءلة .
المطلب الثالث
تقييم إصلاح الدين العام ، ورؤية مقترحة لتحقيق الاستدامة المالية في ليبيا
تعد التوصيات الواردة ضمن المطلب الثالث من التقرير بشأن إصلاح إدارة الدين العام خطوة مهمة نحو بناء إطار مؤسسي لإدارة الدين العام ، إلا أن معالجة هذه القصية تستوجب
إضافة مجموعة من الضمانات القانونية والمؤسسية التي تكفل منع تكرار أسباب تفاقم الدين العام خلال السنوات الماضية . فقد أظهرت التجربة الليبية أن جانباً مهماً من الدين العام لم ينشأ نتيجة برامج تنموية مدروسة ، وإنما نتيجة ترتيبات مالية استثنائية ، وضغوط مورست على بعض المصارف التجارية والمؤسسات المالية لمنح قروض أو تسهيلات مالية لجهات عامة دون وجود سند قانوني ، الأمر الذي ترتب عليه تحميل الخزانة العامة إلتزامات مالية ضخمة خارج الأطر القانونية المنظمة الدين العام .
المطلب الرابع
تقييم السياسة المالية
أولاً : تقييم توجهات الإنفاق العام
جاءت توصيات الحوار المهيكل فيما يتعلق بالإنفاق العام متسقة مع نتائج التشخيص ، حيث. عن إلى إنهاء الانقسام المالي ، وإصدار ميزانية عامة واحدة ومنضبطة ، وعدم التوسع في الإنفاق العام ، ووضع سقوف مالية ملزمة لبنود الإنفاق ، وإعادة ترتيب أولوياته ، والحد من التمويل بالعجز ، وتوجيه الموارد بصورة أكبر نحو البنية التحتية والتعليم والصحة والقطاعات الإنتاجية .
ومع أهمية هذه التوصيات فإن نجاحها يقتضي التأكيد على أن تخفيض الإنفاق العام لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً قائماً بذاته ، وإنما وسيلة لتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد العامة .
ومن هذا المنطلق فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يقوم على إعادة هيكلة الإنفاق الجاري ، مقابل زيادة الوزن النسبي للإنفاق الاستثماري القادر على خلق فرص العمل ، وتحسين الإنتاجية ، وتعزيز. التنويع الاقتصادي . كما يتعين اخضاع جميع بنود الإنفاق لمراجعات دورية لقياس كفاءتها .
ومن الإصلاحات التي يجدر تعزيزها أيضاً الاسراع إلى التحول إلى موازنة البرامج والأداء ، بحيث يصبح تخصيص الاعتمادات المالية مرتبطاً بالأهداف والنتائج ومؤشرات الأداء بدلاً من الاعتماد على الميزانيات التقليدية التي تركز على بنود الصرف دون قياس العائد .
ثانياً : ملاحظات على إصلاح السياسة المالية
1 – اتسمت التوصيات بكثرة عددها وتداخل بعضها مع بعض ، الأمر الذي يضعف من امكانية تحويلها إلى برنامج تنفيذي واضح الأولويات ، كما يؤدي إلى تشتت جهود الجهات المنفذة . ومن ثم ، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى إعادة تصنيف هذه التوصيات وفق اهميتها وتأثرها والزمن اللازم لتنفيذها .
2 – ركزت التوصيات على ضبط الإنفاق العام وترشيده ، وهو توجه صحيح وضروري ، إلا أن الإصلاح المالي لا ينبغي ان ينحصر في جانب تخفيض الإنفاق ، با يجب أن يقترن بسياسات متكاملة لتعظيم الإيرادات غير النفطية ، وتحفيز الاستثمار والإنتاج .
3 – لم تتناول التوصيات بصورة كافية قضية كفاءة الإنفاق العام .
4 – لم تتضمن التوصيات آلية واضحة التعامل مع المخاطر المحتملة الناتجة عن تطبيق الإصلاحات المالية ، ولا سيما ما يتعلق بإصلاح منظومة الدعم ، وإعادة هيكلة الإنفاق العام .
5 – لم تمنح التوصيات الاهتمام الكافي لإرساء قواعد الانضباط المالي الملزم لجميع السلطات العامة .
ثالثاً : مقترحات لتطوير إصلاح السياسة المالية
استناداً إلى ما سبق يقترح الباحث مجموعة من الإجراءات التي من شأنها تعزيز فاعلية الإصلاح المالي وتحويله إلى برنامج مستدام ، من أهمها :
1 – اعداد استراتيجية وطنية متوسطة وطويلة الأجل للإصلاح المالي .
2 – إصدار قانون متكامل للمسؤولية والانضباط المالي ، يحدد يقول الانفاق العام ، والعجز ، والدين العام ، ويمنع الإنفاق خارج الميزانية إلا في الحالات الاستثنائية التي يحددها القانون .
3 – إنشاء مجلس أعلى للاستدامة المالية يتولى متابعة تنفيذ الإصلاحات المالية ، وتقييم آثارها الاقتصادية .
4 – اعتماد موازنة البرامج والأداء بصورة تدريجية ، وربط الاعتمادات المالية بالنتائج الفعلية .
5 – إعادة هيكلة الدعم بصورة تدريجية بما لا يؤدي إلى إرهاق ذوي الدخل الممدود
6 – تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والجمركي .
7 – التوسع في استخدام أدوات التمويل الإسلامي ، وعلى رأسها الصكوك الإسلامية لتمويل مشروعات التنمية ، والبنية التحتية ، بما يخفف من أعباء الميزانية العامة ،
8 – ربط الأصلاح المالي بالإصلاح الاقتصادي الشامل لان نجاح السياسة المالية يبقى محدوداً إذا لم يتزامن مع إصلاح السياسات النقدية والتجارية ، وسياسات الاستثمار ، وسوق العمل
المطلب الخامس
تقييم إصلاح السياسة النقدية
أولاً : جوانب القوة في إصلاح السياسة النقدية
1 – تأكيد التقرير على ضرورة احترام استقلالية مصرف ليبيا المركزي ، والنأي به عن التجاذبات السياسية .
2 – تأكيده على عدم تحميل مصرف ليبيا المركزي مسؤولية تمويل الإنفاق العام خارج إطار الميزانية العامة المعتمدة .
3 – الدعوة إلى توحيد المنظومة المصرفية .
4 – الاهتمام بتطوير البنية التحتية للقطاع المصرفي .
5 – الاهتمام بتطوير أدوات الرقابة المصرفية ، وتعزيز ادارة الامتثال ، وإدارة المخاطر ، ورفع كفاءة الإشراف على المصارف .
6 – تأكيده على ضرورة تطوير أدوات السياسة النقدية ، وتنويع مصادر التمويل ، وتفعيل حسابات الاستثمار .
7 – الدعوة إلى إصدار الصكوك الإسلامية لتمويل بعض مشروعات التنمية من خارج الميزانية .
ثانياً : الملاحظات على إصلاح السياسة النقدية
تبرز القراءة التحليلية لتوصيات التقرير بشأن السياسة النقدية عددا. من الملاحظات التي تسهم معالجتها إلى زيادة كفاءة الإصلاح وتعزيز فرص نجاحه أهمها :
1 – لم يحدد التقرير بصورة واضحة نظام سعر الصرف المستهدف بعد تنفيذ الإصلاحات .
وترى الدراسة بهذا الخصوص ، أن نظام سعر الصرف الذي يتلاءم مع الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي ، هو نظام سعر الصرف المرن المُدار . فهو أكثر ملاءمة في المرحلة الحالية من التعويم الكامل او التثبيت الجامد ، لما يوفره من مرونة تسمح بالتكيف مع المتغيرات الاقتصادية ، مع احتفاظ مصرف ليبيا المركزي بالقدرة على التدخل عند الضرورة للحد من التقلبات الحادة والمحافظة على الاستقرار النقدي .
2 – ركز التقرير على أدوات السياسة النقدية ، إلا أنه لم يمنح القدر الكافي من الاهتمام للشروط الأساسية اللازمة لنجاحها ، وفي مقدمتها الانضباط المالي ، وإنهاء الإنفاق خارج الميزانية العامة ، ومنع تراكم الالتزامات المالية غير القانونية .
3 – على الرغم من تأكيد التقرير على احترام استقلالية مصرف ليبيا المركزي ، فإن الدراسة ترى أن هذه الاستقلالية ينبغي ألا تظل مجرد مبدأ عام ، بل يجب أن تُعم بضمانات قانونية ومؤسسية .
4 – لم تتناول التوصيات بصورة كافية إدارة الاحتياطيات من النقد الأجنبي ، لذلك ينبغي أن تخضع هذه الاحتياطيات لاستراتيجية واضحة تحقق التوازن بين الأمان والسيولة والعائد .
5 – أغفل التقرير وضع مؤشرات كمية واضحة يمكن من خلالها قياس مدى نجاح السياسة النقدية ، مثل المستهدفات الخاصة بالتضخم ، ونمو عرض النقود ، والفجوة بين السعر الرسمي والموازي ، ومستوى الاحتياطيات الأجنبية ، ومعدلات الشمول المالي .
6 – تؤكد الدراسة أن استقرار سعر الصرف لا يتحقق من خلال التدخل في سوق الصرف ، أو تعديل السعر الرسمي وحده ، وإنما يرتبط ارتباطا وثيقاً بالحد من التوسع في المبرر في خلق النقود ، وضبط التمويل بالعجز ، و تعزيز الإنتاج الحقيقية، وتنويع مصادر الدخل .
رابعاً : تقييم أهداف السياسة النقدية في ليبيا في ضوء متطلبات الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء الثقة
تقييم توصيات التقرير بشأن إصلاح السياسة النقدية يقتضي الإشارة إلى أن خصوصية الحالة الليبية ، تجعل أهداف السياسة النقدية أوسع من مجرد تحقيق استقرار المستوى العام للأسعار ، أو المحافظة على استقرار سعر الصرف . ففي الدول التي تمر لأزمات سياسية ومؤسسية ، تصبح السياسة النقدية مطالبة بالمساهمة في إعادة بناء الثقة العامة ، باعتبارها شرطاً أساسياً لنجاح أي برنامج إصلاحي . فالهدف النهائي للسياسة النقدية في ليبيا ينبغي أن يمتد إلى استعادة الثقة في الدينار الليبي . ومن ثم ، فإن نجاح السياسة النقدية في ليبيا لا يقاس فقط بمعدلات التضخم أو استقرار سعر الصرف ، وإنما يقاس كذلك بقدرتها على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة ، وبين المتعاملين والجهاز المصرفي ، وهي ثقة لا يمكن تحقيقها بالأدوات النقدية وحدها ، وإنما تتطلب تكاملاً كاملاً بين السياسة النقدية والسياسة المالية ، وإصلاح الإدارة العامة ، وتعزيز الشفافية والمساءلة ، وسيادة القانون ، بما يؤدي إلى ترسيخ بيئة اقتصادية مستقرة وقادرة على دعم النمو والاستثمار والتنمية المستدامة .
المطلب السادس
تقييم إصلاح السياسة التجارية
المحور الأول : تقييم التوصيات المتعلقة بتنظيم التجارة الخارجية
تعد توصيات التقرير بشأن إصلاح السياسة التجارية خطوة مهمة نحو ترشيد إدارة التجارة الخارجية ، ومع أهمية هذه التوصيات لإنها تظل في معظمها موجهة إلى إدارة الواردات وتحسين كفاءتها ، بينما تحتاج السياسة التجارية إلى رؤية أشمل تجعل من التجارة الخارجية اداة فعالة لتحقيق التنمية الاقتصادية ، وليس مجرد وسيلة لتوفير السلع . فالإصلاح الحقيقي للسياسة التجارية لا يتحقق بتنظيم الاستيراد وحده ، وإنما يتطلب إعادة توجيه التجارة الخارجية لخدمة أهداف التنويع الاقتصادي
وزيادة القيمة المضافة المحلية ، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية .
ومن هذا المنطلق ترى الدراسة أن السياسة التجارية ينبغي أن تُبنى على مبدأ التوازن بين ثلاثة أهداف متكاملة :
1 – ضمان انسياب السلع الأساسية وحماية الأمن الاقتصادي .
2 – تشجيع الإنتاج المحلي والإحلال التدريجي محل الواردات كلما كان ذلك مجدياً اقتصادياً .
3 – تنمية الصادرات غير النفطية بما يسهم في تنويع مصادر النقد الأجنبي ، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية .
كما أن نجاح الإصلاح التجاري يقتضي تعزيز التكامل المؤسسي بين الجهات المختصة بالتجارة والاستثمار والجمارك والسياسة النقدية ، بحيث تصدر القرارات في إطار رؤية اقتصادية موحدة بتيداً عن المعالجات الجزئية ، أو الاستجابات الظرفية للأزمات .
المحور الثاني : تقييم سياسات عن الإنتاج وتنمية الصادرات
توصيات المسار الاقتصادي بشأن إصلاح سياسات دعم الإنتاج وتنمية الصادرات رغم أهميتها ، فإن الباحث يرى أنها جاءت في صورة مبادرات قطاعية متفرقة ، بينما تقتضي طبيعة الاقتصاد الليبي تبني استراتيجية وطنية متكاملة للتحول الإنتاجي ، يكون هدفها الرئيس الانتقال التدريجي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع .
المحور الثالث : مقترحات لتطوير السياسة التجارية في ليبيا
تعد توصيات إصلاح السياسة التجارية الواردة بالتقرير خطوة مهمة نحو معالجة الاختلالات التي يعني منها قطاع التجارة الخارجية ، إلا أن التطورات الاقتصادية العالمية ، وما تشهده سلاسل الامداد الدولية من تغيرات متسارعة ، وما تواجهه ليبيا من تحديات هيكلية ، تقتضي الانتقال من مفهوم السياسة التجارية التقليدية إلى مفهوم أشمل وأكثر ارتباطا بأهداف التنمية ، وهو مفهوم السياسة التجارية التنموية ، الذي يقوم على اعتبار السياسة التجارية جزءً من منظومة السياسات الاقتصادية الكلية ، وليست مجرد أداة لتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير ، أو تحقيق التوازن بين العرض والطلب على السلع .
ويترك الباحث تبني استراتيجية وطنية للسياسة التجارية التنموية تقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية ، أهمها :
1 – ربط السياسة التجارية بالسياسة الصناعية والزراعية والاستثمارية ، بحيث تصبح أدوات التجارة الخارجية داعمة لخطط الإنتاج الوطني لا منفصلة عنها .
2 – اعتماد برنامج للإحلال التدريجي محل الواردات يركز على السلع التي تمتلك ليبيا مزايا نسبية في إنتاجها ، مع توفير الحوافز اللازمة للمستثمرين .
3 – توجيه الحوافز الجمركية والضريبية نحو الصناعات والأنشطة ذات القيمة المضافة .
4 – تطوير المناطق الحرة والمراكز اللوجستية والموانئ البحرية لتصبح منصات للإنتاج وإعادة التصدير وذلك للاستفادة من الموقع الجغرافي المتميز لليبيا باعتبارها بولة بين أفريقيا وأوروبا .
5 – تنويع الأسواق الخارجية وتعزيز العلاقات التجارية مع الأسواق الأفريقية والعربية والمتوسطية .
6 – إنشاء منظومة وطنية متكاملة لرصد المخاطر التجارية وسلاسل الامداد العالمية ، بما يمكن الدولة من اتخاذ التدابير الاستباقية لمواجهة الأزمات الدولية ، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج .
7 – تشجيع التحول نحو التجارة الرقمية وتبسيط الإجراءات الجمركية ، ورقمنة الخدمات التجارية بما يسهم في خفض تكاليف المعاملات وتعزيز الشفافية والحد من الفساد .
كما يرى الباحث أن نجاح هذه الرؤية يظل مرهوناً بإيجاد تنسيق مؤسسي فعال بين الجهات المعنية بالسياسات التجارية والمالية والنقدية والاستثمارية لأن أي سياسة تجارية مهما بلغت جودة تصميمها ، لن تحقق أهدافها إذا نُفذت بمعزل عن بقية السياسات الاقتصادية .
كما أنه يقترح أن تعتمد الحكومة مجموعة من مؤشرات الأداء لقياس نجاح السياسة التجارية ، من أهمها :.نسبة مساهمة الصادرات غير النفطية في إجمالي الصادرات ، ومعدل نمو الإنتاج المحلي ، ونسبة الإحلال محل الواردات ، وحجم القيمة المضافة الصناعية ، ومؤشرات سهولة التجارة ، وزمن التخليص الجمركي ، وحجم الاستثمارات الموجهة للقطاعات الإنتاجية .
المحور الرابع : نحو سياسة تجارية سيادية ذات أهداف تنموية
يرى الباحث أن السياسة التجارية المنشودة ، ينبغي أن تقوم على مفهوم السيادة التجارية التنموية ، الذي يقوم على تحقيق التوازن بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وبين حماية المصالح الوطنية ، بما يضمن استمرار اندماج ليبيا في الاقتصاد الدولي ، دون ان تصبح رهينة للتقلبات الخارجية أو معتمدة بصورة مفرطة على الخارج من توفير احتياجاتها الأساسية .
المحور الخامس : توظيف الموقع الجغرافي لليبيا كأداة للسياسة التجارية التنموية
لم يتعرض التقرير إلى توظيف الموقع الجغرافي لليبيا ، باعتباره أحد أهم الأصول الاقتصادية غير المستغلة .
وفي هذا الإطار لا ينبغي أن تقتصر السياسة التجارية على تنظيم الواردات ، أو تشجيع الصادرات الوطنية فحسب ، وإنما ينبغي أن تمتد إلى توظيف الموانئ الليبية والمناطق الحرة ، وشبكات النقل في تقديم خدمات العبور ، بما يسمح للدول الأفريقية ، ولا سيما الدول المنتجة للنفط والمعادن والموارد الطبيعية المختلفة باستخدام الموانئ الليبية لتصدير منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية ، واستيراد احتياجاتها من هذه الأسواق . ويمكن أن يسهم هذا التوجه في تحقيق مجموعة من المكاسب الاستراتيجية ، من أبرزها .
1 – تحويل ليبيا إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي يربط شمال أفريقيا بعمقها الأفريقي .
2 – تنويع مصادر الدخل العام من خلال رسوم العبور والخدمات اللوجستية والتخزين والتأمين والنقل والشحن .
3 – تشجيع الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة والسكك الحديدية وشبكات النقل البري .
4 – دعم الصناعات التحويلية المرتبطة بالتخزين وإعادة التعبئة والتغليف وإعادة التصدير .
5 – تعميق التكامل الاقتصادي مع الدول الأفريقية بما يعزز مكانة ليبيا داخل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية .
6 – خلق فرص عمل جديدة ، في قطاعات النقل البحري والبري والخدمات اللوجستية والتأمين والتخليص الجمركي .
7 – تعزيز الأمن الاقتصادي الوطني من خلال تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها .
ومن ثم ، فإن السياسة التجارية الليبية ينبغي أن تتجاوز المفهوم التقليدي القائم على إدارة حركة السلع ، لتتحول إلى سياسة تنموية تستثمر الموقع الجغرافي للدولة باعتباره مورداً اقتصادياً دائماً لا يقل عن اهمية عن الثروة النفطية ، بما يجعل التجارة الخارجية أداة لتعزيز القيمة المضافة وتنويع الاقتصاد ، وترسيخ الاستقلال الاقتصادي ، ومكانة ليبيا الاقتصادية والسياسية العالمية .
المطلب السابع
تقييم إصلاح سياسة سوق العمل والتشغيل
المحور الأول : تقييم معالجة اختلالات سوق العمل وهيكل التوظيف العام
تمثل توصيات التقرير المتعلقة بسياسة سوق العمل والتشغيل اتجاهاً إصلاحياً سليماً يتوافق مع مع المبادئ الاقتصادية الحديثة ، ويستحيل لطبيعة الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الليبي .
ومع ذلك ، فإن التقرير كان بحاجة إلى إبراز حجم المشكلة بصورة أكثر وضوحاً ، باعتبار أن تضخم الجهاز الإداري العام يمثل أحد أكبر الاختلالات الهيكلية التي تعيق الإصلاح الاقتصادي
ولا تتمثل المشكلة في عدد شاغلي الوظيفة العامة وما يشمله من عبء ثقيل على الميزانية العامة فحسب ، وإنما أيضاً في سوء توزيع الموارد البشرية وحرمان القطاعات الانتاجية والخدمية من الاستفادة من خدمات الأيدي العاملة المكدسة في الجهاز الإداري العام . ومن ثم ، فإن الإصلاح المنشود ينبغي أن يقوم على إعادة هيكلة الموارد البشرية تدريجياً من خلال منح حوافز وقروض وإعفاءات ضريبية للأنشطة التي يمارسها الراغبون في ترك الوظيفة العامة .
نجاح هذا التوجه يقتضي ان يتزامن مع تحسين بيئة الاستثمار ، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة
المحور الثاني : تقييم مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل
تمثل التوصيات الواردة بتقرير مسار الاقتصاد المتعلقة بإصلاح العلاقة بين منظومة التعليم والتدريب وسوق العمل اتجاهاً إصلاحياً سليماً ، لأنها تعالج أحد أهم الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الليبي ، والمتمثل في اتساع الفجوة بين مخرجات المؤسسات التعليمية والمهارات التي يتطلبها سوق العمل .
ومن ثم ، لإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تحديث المناهج أو تطوير برامج التدريب ، وإنما يتطلب أيضاً إعادة بناء منظومة التعليم والتأهيل وفق رؤية وطنية متكاملة ، تجعل احتياجات الاقتصاد الوطني هي المنطلق في رسم السياسات التعليمية والتدريبية مع مراجعة دورية للتخصصات الجامعية والفتية في ضوء المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية ، وربط التمويل والاعتماد الأكاديمي بمستوى جودة المخرجات وقابليتها للتوظيف .
كما أن تعزيز التعليم التقني والفني ينبغي أن يتحول إلى أولوية وطنية لما يمثله من ركيزة أساسية في دعم القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية ، والحد من الاعتماد المفرط على الأيدي العاملة الأجنبية ، مع العمل على تصحيح الصورة المجتمعية لتقبل هذا النوع من التعليم ، وإيجاد حوافز تشجع الشباب على الالتحاق به ، وربط برامجه مباشرة بالمؤسسات الإنتاجية وسوق العمل .
كما يرى الباحث أن نجاح هذا التوجه يقتضي كذلك إنشاء منظومة وطنية دائمة لرصد احتياجات سوق العمل ، تشارك فيها وزارات التعليم والعمل والاقتصاد والتخطيط إلى جانب القطاع الخاص بحيث يتم تحديث بيانات العرض والطلب على المهارات بصورة مستمرة ، وتوظيفها في رسم سياسات القبول بالجامعات والمعاهد ومراكز التدريب .
المحور الثالث : تقييم دور القطاع الخاص وريادة الأعمال في خلق فرص العمل
أولى التقرير اهتماماً واضحاً بتعزيز دور القطاع الخاص ، ومع ذلك فإنه كان بحاجة إلى تأكيد أن تنمية القطاع الخاص ليست هدفاً مرحلياً لمعالجة البطالة ، وإنما خيار استراتيجي لإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي ، وتحويله من اقتصاد ريعي يعتمد على الإنفاق العام ، إلى اقتصاد إنتاجي يقوم على الاستثمار والمنافسة وخلق القيمة المضافة .
ومن ثم ، فإن نجاح الإصلاح يتطلب توفير بيئة أعمال مستقرة تقوم على سيادة القانون ، وحماية حقوق الملكية ، وتبسيط إجراءات الاستثمار ، وتسهيل حصول المشروعات الصغرى والمتوسطة على التمويل ، وتقديم حوافز ضريبية وتشجيعية للمشروعات الإنتاجية ، مع إزالة القيود الإدارية التي تحد من نمو القطاع الخاص .
كما يرى الباحث أن ريادة الأعمال ينبغي ألا تعامل باعتبارها برنامجاً محدوداً لدعم الشباب ، وإنما باعتبارها سياسة اقتصادية وطنية تهدف إلى نشر ثقافة المبادرة والإبداع والاعتماد على الذات ، وربط الجامعات ومراكز البحث العلمي بحاضنات الأعمال ومراكز الابتكار ، بما يسهم في تحول الأفكار والمشروعات الناشئة إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على المنافسة وخلق فرص العمل .
المحور الرابع : تقييم سياسات تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر احتياجاً في سوق العمل
أولى التقرير اهتماماً واضحاً بتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصادياً ، فلم يقتصر على تناول حقوقهم من منظور اجتماعي إنساني ، وإنما أدرج عدداً من التوصيات التي تهدف إلى دمجهم في النشاط الاقتصادي من خلال التدريب والتأهيل ، وتفعيل نسب التوظيف المقررة قانوناً ، ودعم المشروعات الخاصة ، وتطوير الشمول المالي ، وتوفير البيئة المناسبة لمشاركتهم في سوق العمل .
ومع ذلك فإن هذه الدراسة ترى أن نجاح هذه التوصيات يظل مرتبطاً بوجود سياسة وطنية متكاملة للتمكين الاقتصادي يتجاوز مجرد النصوص القانونية إلى بناء منظومة عملية تبدأ بالتعليم والتأهيل ، وتمر بالتدريب المهني والتقني ، وتنتهي بتوفير فرص العمل والدعم المالي والفني للمشروعات التي يقودها الأشخاص ذوو الإعاقة .
كما ان الالتزام بالنسبة القانونية لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة ينبغي ألا يكون غاية في حد ذاته ، بل وسيلة لتحقيق اندماج حقيقي قائم على الكفاءة والإنتاجية .
المطلب الثامن
تقييم التنسيق بين السياسات الاقتصادية
المحور الأول : تقييم ماورد بالتقرير بشأن التنسيق بين السياسات الاقتصادية
أحسن تقرير الحوار المهيكل – مسار الاقتصاد – عندما أوصى بإنشاء مجلس لتنسيق السياسات الاقتصادية ، يضم الجهات المعنية ، وتنبثق عنه لجنة فنية من الخبراء والمسؤولين تتولى إعداد الدراسات والتحليلات اللازمة .
وينسجم هذا التوجه مع المبادئ الحديثة للإدارة الاقتصادية ، التي تؤكد أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام لا يعتمد على جودة كل سياسة على حدة ، وإنما على مدى اتساقها مع بقية السياسات العامة للدولة ، فالسياسات الاقتصادية تمثل منظومة مترابطة ، وأي خلل في إحدى حلقاتها يُضعف فاعلية بقية السياسات مهما بلغت درجة كفاءتها .
ومع ذلك يرى الباحث أن التوصيات الواردة في التقرير ، على أهميتها ، جاءت في إطار عام ، ولم تتناول بالقدر الكافي الآليات المؤسسية والتنفيذية الكفيلة بتحويل هذا التنسيق من مبدأ نظري إلى ممارسة عملية مستدامة . فالتجارب المقارنة تشير إلى أن نجاح التنسيق بين السياسات الاقتصادية لا يتحقق بمجرد إنشاء مجلس أو لجنة ، وإنما يتطلب وجود إطار مؤسسي دائم ، يحدد بوضوح الاختصاصات ، وآليات إتخاذ القرار ، ووسائل تسوية التعارض بين السياسات ، ومؤشرات قياس الأداء ، وآليات المتابعة والمساءلة .
كما ان التنسيق لا ينبغي أن يقتصر على المؤسسات الاقتصادية التقليدية ، بل يجب أن يمتد إلى المؤسسات المعنية بالتخطيط والتعليم والاستثمار والتشريع والتحول الرقمي والإدارة المحلية باعتبار أن التنمية الاقتصادية أصبحت نتاجاً لتكامل السياسات العامة كافة ، لا نتيجة لقرارات مالية أو نقدية منفردة .
المحور الثاني : الانتقال من التنسيق المؤسسي إلى التكامل الاستراتيجي للسياسات الاقتصادية
تبرز أهمية هذا التحول بصورة خاصة في الحالة الليبية ، حيث اثبتت التجربة أن كثيراً من الاختلالات الاقتصادية لم تكن نتيجة ضعف سياسة بعينها وإنما كانت نتيجة غياب الانسجام بين السياسات المختلفة . فقد سعت السياسة النقدية في بعض المراحل إلى الحد من الضغوط التضخمية والمحافظة على استقرار سعر الصرف ، بينما استمرت السياسة المالية في التوسع الكبير في الإنفاق ، الأمر الذي أضعف فاعليك أدوات أدوات السياسة النقدية . كما أن الجهود الرامية إلى تنويع الاقتصاد بقيت محدودة الأثر بسبب عدم ارتباطها بسياسات متكاملة في مجالات التعليم والاستثمار والتشغيل والتجارة ، والتخطيط .
ويرى الباحث أن التكامل المنشود ينبغي ألا يقتصر على السياسات الاقتصادية التقليدية ، وإنما يمتد ليشمل السياسات التعليمية والتشريعية والاستثمارية والتكنولوجية ، وسياسات الإدارة المحلية ، باعتبار أن التنمية الاقتصادية أصبحت عملية مجتمعية شاملة .
المحور الثالث : مقترحات لتعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية في ليبيا
1 – الرؤية الوطنية الشاملة التي تحدد الصورة المستقبلية للاقتصاد الليبي وأولوياته التنموية .
2 – الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية التي تترجم تلك الرؤية إلى أهداف كمية وزمنية محددة ، تتسم بالواقعية وقابلية القياس .
3 -،السياسات الاقتصادية الكلية وفي مقدمتها السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسة التجارية وسياسات الاستثمار ، وسوق العمل ، بما يضمن تكاملها وعدم تعارضها .
4 – الخطط القطاعية التي تعدها الوزارات والهيئات المختصة ، على أن تكون جميعها منسجمة مع الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية .
5 – البرامج التنفيذية التي تحدد المسؤوليات ، والجداول الزمنية ، ومؤشرات الأداء ، ومصادر التمويل .
6 – المشروعات والقرارات التنفيذية التي تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة التخطيط ، بحيث لا يعتمد أي مشروع أو إجراء اقتصادي ، إلا إذا كان منسجماً مع المستويات السابقة كافة .
ويحقق هذا التسلسل عدداً من المزايا المهمة من أبرزها توحيد اتحاه السياسات العامة ، ومنع تضارب القرارات بين المؤسسات ، وترشيد استخدام الموارد العامة ، وربط الانفاق بالأهداف الاستراتيجية ، وتسهيل المتابعة و التقييم والمساءلة .
المحور الرابع : الرؤية المستقبلية لتعزيز التكامل بين السياسات الاقتصادية في ليبيا
تقترح هذه الدراسة أن تتبنى الدولة الليبية خلال المرأة المقبلة نمودجاً للإدارة الاقتصادية يقوم على التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل ، بحيث تُعد استراتيجية اقتصادية وطنية تمتد لعشر سنوات أو أكثر ، تتضمن أهدافاً كمية ومؤشرات أداء قابلة للقياس ، مع مراجعتها دورياً في ضوء التطورات المحلية والإقليمية والدولية ، بما يحقق الاستقرار في التوجهات الاقتصادية ، ويعزز ثقة المواطنين والمستثمرين ، ويحد من التقلبات الناتجة عن تغير الحكومات أو الأولويات السياسية .
كما تؤكد الرؤية المستقبلية أن التحول الاقتصادي المنشود ينبغي أن يقوم على الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية والإنفاق الاستهلاكي ، إلى اقتصاد متنوع يقوده الإنتاج والاستثمار والمعرفة ، ويمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في خلق فرص العمل ، مع استمرار الدولة في أداء دورها التنظيمي الرقابي والاستراتيجي ، بما يحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية .
وترى الدراسة كذلك أن نجاح هذا التحول يستلزم ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة ، يصبح فيها التنسيق والتكامل بين المؤسسات ممارسة دائمة ، وليست استجابة مؤقتة للأزمات .
ومن منظور استراتيجي فإن الرؤية المستقبلية لا تقتصر على تحقيق الاستقرار المالي والنقدي ، بل تمتد إلى بناء اقتصاد وطني يتمتع بالقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية ، ويحقق الأمن الاقتصادي ، ويحسن مستوى معيشة المواطنين ، ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة في الثروة الوطنية .
المطلب التاسع
تقييم الشفافية والمساءلة الاقتصادية
المحور الأول : تقييم ما ورد في تقرير الحوار المهيكل بشأن الشفافية والمساءلة الاقتصادية
يُحسب لتقرير الحوار المهيكل – مسار الاقتصاد – أنه أولى الشفافية والمساءلة الاقتصادية اهتماماً واضحاً ، وعدهما من المرتكزات الأساسية لإنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي .
وفي هذا الإطار ، تضمن التقرير عدداً من التوصيات المهمة ، من أبرزها تعزيز الإفصاح المالي ، والالتزام بنشر البيانات الاقتصادية بصورة دورية ، وإقفال الحسابات الختامية ، ودعم استقلالية الأجهزة الرقابية ، ومعالجة أوجه التداخل في اختصاصاتها ، إلى جانب التأكيد على أهمية محاربة الفساد المالي والإداري .
ورغم اهمية هذه التوصيات ، فإن الدراسة ترى أنها جاءت في معظمها ذات طابع عام ، ولم تتناول بصورة كافية البناء المؤسسي المتكامل اللازم لضمان استدامة الشفافية والمساءلة . فقد ركزت على تطوير أداء الأجهزة الرقابية القائمة ، دون أن تتناول بصورة أعمق مدى ملاءمة الهيكل المؤسسي الحالي لمتطلبات المرحلة ، أو معالجة التداخل في الاختصاصات من منظور إصلاح مؤسسي شامل .
كما أن مفهوم الشفافية الوارد في التقرير ، انصرف في معظمه إلى نشر البيانات والإفصاح المالي . في حين أن الشفافية في مفهومها الحديث ، أصبحت منظومة متكاملة تشمل وضوح التشريعات ، واتاحة المعلومات ، ورقمنة الإجراءات ، وقياس الأداء ، والإفصاح عن نتائج تنفيذ السياسات العامة ، بما يعزز المساءلة ، ويحد من فرص الفساد قبل وقوعه .
وترى هذه الدراسة كذلك أن المساءلة الاقتصادية لا ينبغي أن تقتصر على على مساءلة الجهات المنفذة بعد اكتشاف المخالفات ، وإنما يجب أن تمتد إلى تقييم كفاءة السياسات الاقتصادية نفسها ، وقياس مدى تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها ، باعتبار أن حسن الأدارة لا يقاس بسلامة الإجراءات وحدها ، وإنما أيضاً بجودة النتائج وآثارها على الاقتصاد الوطني .
المحور الثاني : تطوير مفهوم الشفافية والمساءلة الاقتصادية من الرقابة اللاحقة ، إلى الحوكمة الاقتصادية الوقائية
الشفافية في مفهومها الحديث لم تعد تعني مجرد نشر البيانات المالية ، أو الإعلان عن نتائج أعمال الأجهزة الرقابية ، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تقوم على وضوح التشريعات ، وسهولة الوصول إلى المعلومات والإفصاح الاستباقي ، ورقمنة الإجراءات ، وقياس الأداء ، وإدارة المخاطر ، بما يضمن سلامة اتخاذ القرار الاقتصادي عند مراحله الأولى .
وبالميل فإن المساءلة لم تعد تقتصر على مساءلة المسؤولين بعد وقوع المخالفات أو التجاوزات ، وإنما أصبحت تشمل تقييم السياسات العامة ، وقياس كفاءة استخدام الموارد ، ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج ، والتأكيد على تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي خصصت من أجلها الأموال العامة ، وهو ما يجعل المساءلة أداة لتحسين الأداء وليس مجرد وسيلة لتوقيع الجزاء .
المحور الثالث : رؤية مقترحة لإعادة البناء المؤسسي لمنظومة الرقابة العامة وتعزيز الحوكمة الاقتصادية
يرى الباحث ان معالجة التداخل في الاختصاصات الواردة في التقرير ، على أهميتها فإنها لا تكون كافية لتحقيق الإصلاح المؤسسي إذا بقى الهيكل التنظيمي للمنظومة الرقابية على وسعه الحالي البائن على تعدد الأجهزة الرقابية ، وتداخل بعض اختصاصاتها وتكرار بعض المهام لذي يؤدي إلى ازدواجية الإجراءات ، وتباين التفسيرات ، وإطالة زمن الإنجاز ، وعرقلة عمل الجهات الخاضعة الرقابة بسبب تكرار المراجعة والمتابعة من قبل أكثر من جهاز رقابي ، واستهلاك موارد بشرية ومالية كان من الممكن توظيفها بكفاء أعلى .
إذاك يقترح الباحث الانتقال من مرحلة تطوير أداء الأجهزة القائمة ، إلى إعادة البناء المؤسسي لمنظومة الرقابة العامة من خلال توحيد الأجهزة الرقابية المتعددة في جهاز رقابي وطني موحد يتولى مهام الرقابة المالية والإدارية ومحاربة الفساد ، وفق تنظيم داخلي يضم ادارات متخصصة . ويستند هذا المقترح إلى جملة من الاعتبارات ، من أهمها توحيد المرجعية الرقابية ، وانهاء تداخل الاختصاصات وازدواجيتها بين الأجهزة الرقابية الحالية ، وتحقيق الاستخدام الامل للموارد البشرية والمالية ، وتخفيف العبء على الجهات الخاضعة للرقابة ، وتطوير آليات العمل الرقابي ، وتوحيد المعايير المهنية ، بما يرفع كفاءة حماية المال العام ، ويعزز فعالية مكافحة الفساد المالي والإداري ،
المحور الرابع : الرؤية المستقبلية لإعادة البناء المؤسسي لمنظومة الرقابة العامة وتعزيز الحوكمة الاقتصادية
يرى الباحث التحول من مرحلة تطوير أداء الأجهزة الرقابية الحالية ، إلى مرحلة إعادة البناء المؤسسي الشامل ، وفق رؤية استراتيجية متدرجة تراعي استمرارية العمل الرقابي ، وتحافظ على استقرار مؤسسات الدولة ، وتضمن عدم حدوث فراغ رقابي خلال مرحلة البناء المؤسسي الجديد . وانطلاقاً من ذلك يقترح الباحث أن يبدأ هذا التحول باعداد مشروع قانون ينظم إعادة البناء المؤسسي لمنظومة الرقابة العامة ، يحدد الأهداف والاختصاصات والهيكل التنظيمي للجهاز الرقابي الموحد ، ويبين علاقته ببقية مؤسسات الدولة ، ويضع الضمانات الكفيلة باستقلاليته ، ويحدد الآليات القانونية اللازمة لانتقال الاختصاصات من الأجهزة القائمة إلى الجهاز الجديد الموحد .
كما يقترح الباحث إنشاء لجنة وطنية عليا تتولى الإشراف على تنفيذ مشروع إعادة البناء المؤسسي ، تضم ممثلين عن الجهات الرقابية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، وخبراء في القانون والإدارة ، والمالية العامة ، تتولى اعداد خطة تنفيذية مفصلة ، والإسراف على مراحل التحول ، ومعالجة ما قد يظهر من صعوبات أثناء التنفيذ .
كما يرى الباحث أن تتضمن عملية إعادة البناء مرحلة انتقالية محددة زمنياً ، تستمر خلالها الأجهزة الرقابية القائمة في ممارسة اختصاصاتها القانونية بصورة كاملة ، صماناً لاستمرار حماية المال العام وعدم تعطل أعمال الرقابة أو التحقيق أو المتابعة ، على ان يتم خلال هذه المرحلة استكمال بناء الجهاز الرقابي الجديد الموحد ، واعداد هياكله التنظيمية واستكمال إجراءاته الإدارية والفنية والتقنية وتدريب كوادره وتجهيز بنيته الرقمية .
المطلب العاشر
تقييم التحديات وعقبات تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية
المحور الأول : تقييم ما ورد في تقرير الحوار المهيكل بشأن التحديات وعقبات تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية
لم يقتصر التقرير على عرض الإصلاحات الاقتصادية المقترحة . وإنما أولى اهتماماً واصحاً بالتحيات والعقبات التي قد تواجه تنفيذها ، التي من أبرزها ضعف التنسيق بين المؤسسات ، والانقسام المؤسسي ، والقصور في بعض الأطر التشريعية والتنظيمية ، ومحدودية القدرات الإدارية والتنفيذية ، إلى جانب التحديات المرتبطة بالوضع الاقتصادي العام وما يفرضه من ضغوط على المالية العامة والقدرة على تنفيذ برامج الإصلاح .
غير ان الدراسة ترى أن التحديات التي تناولها التقرير ، على اهميتها ، تحتاج إلى قدر أكبر من التحليل والتصنيف ، إذ لم يميز بصورة واضحة بين التحديات الهيكلية طويلة الأجل ، والتحديات المرحلية ، كما لم يبين بصورة كافية مدى تأثير كل منها في فرص نجاح الإصلاحات أو أولويات معالجتها ، الأمر الذي يصعب على متخذي القرار تحديد الإجراءات الأكثر إلحاحاً في مراحل التنفيذ المختلفة .
كما ترى الدراسة أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية في ليبيا لا يتوقف على مواجهة التحديات الاقتصادية والإدارية وحدها ، وإنما يرتبط أيضاً بجملة من العوامل المؤسسية والسياسية والأمنية والاجتماعية التي تتداخل فيما بينها بصورة تجعل من الضروري اعتماد رؤية شاملة لإدارة عملية الإصلاح ، تأخذ في الاعتبار الترابط الوثيق بين الاستقرار المؤسسي ، وسيادة القانون ، وكفاءة الإدارة العامة ، وثقة المواطنين ، وقدرة الدولة على تنفيذ سياساتها بصورة فعالة ومتوازنة .
وترى الدراسة ان المرحلة المقبلة تستلزم تطوير ما جاء بالتقرير من خلال تحليل أكثر عمقاً لطبيعة التحديات وبيان أولوياتها ، واقتراح آليات عملية للتعامل معها ، بما يعزز فرص نجاح الإصلاح الاقتصادي ويحد من المخاطر التي قد تعيق تنفيذه .
المحور الثاني : تحليل التحديات الهيكلية التي تواجه تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية
أولاً : التحديات المؤسسية
تتمثل هذه التحديات في استمرار الانقسام المؤسسي ، وضعف التنسيق بين بعض الجهات العامة ، وتداخل الاختصاصات ، الأمر الذي يؤدي إلى بطء تنفيذ القرارات الاقتصادية ، وتعدد مراكز اتخاذ القرار ، وضعف المساءلة ، وهو ما يستوجب استكمال جهود توحيد المؤسسات ، وتعزيز التنسيق بينها ، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة .
ثانياً : التحديات التشريعية والتنظيمية
لا يزال عدد من التشريعات الاقتصادية بحاجة إلى التحديث بما يتلاءم مع متطلبات الاقتصاد الحديث ، كما أن تعدد النصوص القانونية أو عدم اتساق بعضها قد يحد من سرعة تنفيذ الإصلاحات ، ويؤثر في استقرار البيئة الاستثمارية ، ولذلك فإن تحديث المنظومة التشريعية ينبغي أن يسير بالتوازي مع تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية .
ثالثاً : التحديات المالية والاقتصادية
لا يزال الاقتصاد الليبي يعتمد بدرجة كبيرة على الايرادات النفطية ، الأمر الذي يجعله أكثر تعرضاً لتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية ، ويحد من قدرة الدولة على تمويل برامج الإصلاح بصورة مستقرة . كما أن استمرار تنامي الدين العام ، وارتفاع الإنفاق الجاري ، وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية ، تمثل جميعها تحديات تتطلب معالجات متوازنة تضمن الاستدامة المالية .
رابعاً : التحديات الإدارية والفنية
يتطلب تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية جهازاً إدارياً يتمتع بالكفاءة والمرونة والقدرة على إدارة التغيير ، في حين أن محدودية القدرات المؤسسية في بعض الجهات ، وضعف نظم المعلومات ، ونقص البيانات الدقيقة ، تؤثر في جودة تنفيذ السياسات وفي متابعة نتائجها وقياس أثرها .
خامساً : التحديات الاجتماعية والثقافية
قد تواجه بعض الإصلاحات الاقتصادية مقاومة مجتمعية إذا لم يصاحبها حوار مجتمعي واسع يوضح أهدافها وآثارها الإيجابية على المدى المتوسط والطويل ، كما أن بعض الأنماط الثقافية ، أو ضعف الوعي الاقتصادي ، أو الاعتماد المفرط على الدولة في توفير فرص العمل والدعم ، قد يحد من سرعة تقبل بعض بعض برامج الإصلاح ، الأمر الذي يستوجب تعزيز التواصل مع المواطنين ، ونشر الثقافة الاقتصادية ، وبناء شراكة مجتمعية داعمة للإصلاح .
سادساً : التحدي الأمني
ترى الدراسة أن الاستقرار الأمني يمثل إحدى المرتكزات الأساسية لنجاح الإصلاح الاقتصادي . فوجود مؤسسات دولة قوية ، قادرة على بسط سيادة القانون وإنفاذ التشريعات بصورة متساوية ، بعد شرطاً لازماً لتوفير بيئة مستقرة تسمح بتنفيذ السياسات الاقتصادية وتحقيق أهدافها .
وفي هذا السياق ، فإن استمرار وجود تشكيلات مسلحة خارج الأطر الأمنية والعسكرية النظامية بشكل تحدياً أمام تنفيذ بعض الإصلاحات ، إذا ترتب عليه الحد من قدرة مؤسسات الدولة على ممارسة اختصاصاتها باستقلال وفاعلية ، او التأثير في تنفيذ القوانين والقرارات الاقتصادية . ومن ثم ، فإن تعزيز الاستقرار الأمني ، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة لاستخدام الفوة وفقاً للقانون يعدان من المتطلبات الأساسية لإنجاح برامج الإصلاح الاقتصادي ، وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في مؤسسات الدولة .
سابعاً : تحديات بناء الثقة
لا يمكن لأي برنامج إصلاحي أن يحقق أهدافه ما لم يحظ بثقة المواطنين والقطاع الخاص ، وتُبنى هذه الثقة من خلال الشفافية والالتزام بتطبيق القانون على الجميع ، والوفاء بالتعهدات ، وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية ، بما يعزز التأييد المجتمعي لاستمرار الإصلاحات .
المحور الثالث : مقترحات لتعزيز قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية
نرى الدراسة أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية لا يتوقف على جودة السياسات المقترحة فحسب ، وإنما يعتمد بدرجة أكبر على قدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ تلك السياسات بكفاءة واستمرارية . ومن ثم ، فإن مواجهة التحديات التي سبق تناولها ، تتطلب تبني حزمة متكاملة من الإجراءات المؤسسية والتشريعية والإدارية ، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة عملية الإصلاح وتحقيق أهدافها .
أولاً : تعزيز البناء المؤسسي للدولة وتطوير الحوكمة
يُعد استكمال توحيد المؤسسات العامة ، وتوضيح الاختصاصات ، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية من أهم متطلبات نجاح الإصلاح الاقتصادي . كما ينبغي ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة ، وتطوير نظم اتخاذ القرار ، وتعزيز الشفافية والمساءلة ، بما يكفل سرعة تنفيذ السياسات الاقتصادية ، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي .
ثانياً : تحديث المنظومة التشريعية والتنظيمية
ترى الدراسة ضرورة إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الاقتصادية ، بما يضمن اتساقها مع متطلبات التقنية الاقتصادية ، وإزالة التعارض أو التداخل بين النصوص القانونية ، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة وواضحة تعزز ثقة المستثمرين وتسهل تنفيذ برامج الإصلاح .
ثالثاً : تعزيز الاستدامة المالية وتنويع مصادر الدخل
يتطلب نجاح الاصلاح الاقتصادي استمرار الجهود الرامية إلى تنويع مصادر الإيرادات العامة ، وترشيد الإنفاق ، وتحسين كفاءة إدارة الدين العام ، وتعزيز مساهمة القطاعات الإنتاجية والناتج المحلي ، بما يقلل من الاعتماد على الإيرادات النفطية ، ويزيد من قدرة الدولة في تمويل برامج الإصلاح بصورة مستدامة .
رابعاً : تطوير القدرات الإدارية والتمويل الرقمي
تؤكد الدراسة أهمية الاستثمار في تنمية الموارد البشرية ، وتطوير الإدارة العامة ، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة ، والتحول نحو الحوكمة الرقمية ، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات العامة ، وتحسين جودة البيانات الاقتصادية ، وتسريع تنفيذ السياسات ومتابعة نتائجها .
خامساً : تعزيز الشراكة المجتمعية وبناء التأييد للإصلاح
ترى الدراسة أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية يتطلب اشراك المواطنين والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني في الحوار حول أهداف الإصلاح وآثاره ، مع توفير برامج توعية تشرح مبررات السياسات الاقتصادية ومردودها المتوقع ، بما يعزز الثقة ويحد من مقاومة التغيير .
سادساً : ترسيخ الاستقرار الأمني وسيادة القانون
تؤكد الدراسة أن توفير بيئة آمنة ومستقرة يمثل شرطاً أساسياً لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية ، ولذلك فإن دعم مؤسسات الدولة ، وتعزيز سيادة القانون ، وتمكين الجهات المختصة من ممارسة اختصاصاتها باستقلالية كاملة وفاعلية ، يمثل ركناً أساسياً في انجاح برامج الإصلاح . كما أن حصر استخدام القوة في مؤسسات الدولة وفقاً للقانون ، وانهاء أي مظاهر قد تعيق نفاذ التشريعات أو تؤثر في استقلال القرار العام من شأنه أن يعزز الثقة في الدولة ، ويوفر مناناً ملائماً للاستثمار والتنمية .
سابعاً . إنشاء منظومة وطنية لمتابعة تنفيذ الإصلاحات
ترى الدراسة أن من الضروري إنشاء آلية مؤسسية دائمة تتولى متابعة تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي ، وقياس معدلات الإنجاز ، ورصد المعوقات واقتراح الحلول المناسبة ، مع اعداد تقارير دورية تتضمن مؤشرات أداء واضحة ، بما يضمن تصحيح مسار التنفيذ كلما دعت الحاجة ، ويحول دون تعثر الإصلاحات أو فقدان زخمها .
المحور الرابع : الرؤية المستقبلية لتعزيز قدرة الدولة على إدارة الإصلاحات الاقتصادية وضمان استدامتها
يرى الباحث أن هذه الرؤية تقوم على عدة مرتكزات مترابطة :
1 – إنشاء منظومة وطنية لإدارة الإصلاح الإصلاح الاقتصادي .
تتولى التخطيط والتنسيق والمتابعة والتقييم ، بحيث تكون جهة فنية متخصصة تدعم متخذي القرار ، وتضمن تكامل جهود جميع المؤسسات المعنية بالإصلاح .
2 – وضع خطة وطنية للإصلاح الاقتصادي تتضمن أهدافاً واضحة ، وأولويات محددة ، وجداول زمنية واقعية ، ومؤشرات أداء قابلة للقياس ، مع مراجعة دورية لنتائج التنفيذ .
3 – استخدام نظام وطني لإدارة المخاطر الاقتصادية يتولى رصد المخاطر المحتملة التي قد تعيق تنفيذ الإصلاحات ، واقتراح التدابير اللازمة للحد من آثارها قبل أن تتحول إلى أزمات فعلية .
4 – ارساء منظومة المتابعة والتقييم المستمر ، تعتمد على تقارير دورية تقيس نسب الإنجاز ، وتحدد مواطن القوة والقصور ، وتقترح الإجراءات التصحيحية ، بما يضمن استمرار عملية الإصلاح وعدم تعثرها .
5 – ترسيخ نبدأ الاستمرارية المؤسسية ، بحيث تصبح برامج الإصلاح جزءً من استراتيجية الدولة طويلة الأجل ، لا برامج مرتبطة بتغير الحكومات أو القيادات التنفيذية ، وبذلك تكتسب الإصلاحات الاستقرار والاستدامة .
6 – تعزيز الشراكة الوطنية بين السلطات العامة والقطاع الخاص والجامعات ، ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع الوطني ، باعتبار أن الإصلاح الاقتصادي مسوؤلية وطنية مشتركة ، وليست مسؤولية الحكومة وحدها .
الإعلان الإصلاحي للدراسة
تخلص هذه الدراسة إلى أن نجاح الإصلاح الاقتصادي في ليبيا يستلزم مجموعة من المبادئ الحاكمة التي تمثل الإطار العام للإصلاح ، وتوجه السياسات العامة نحو تحقيق التنمية المستدامة وبناء دولة المؤسسات تتمثل في :
1 – الإصلاح الاقتصادي مشروع وطني شامل ، وليس مجرد إجراءات مالية أو نقدية متفرقة .
2 – بناء مؤسسات قوية وموحدة ، يمثل الأساس الذي تقوم عليه جميع الإصلاحات .
3 – ترسيخ سيادة القانون والحوكمة والشفافية شرط لا غنى عنه لحماية المال العام .
4 – تنوع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط ضرورة لتحقيق الاستدامة الاقتصادية .
5 – القطاع الخاص والإنتاج الوطني ، يجب أن يكونا شريكين أساسيين في التنمية .
6 – الاستثمار في الإنسان الليبي بالتعليم والتدريب ، والعمل المنتج هو أعظم استثمار لمستقبل ليبيا .
7 – تعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية حتى تعمل في إطار رؤية وطنية واحدة .
8 – تهيئة بيئة أمنية ومؤسسية مستقرة باعتبارها أساساً لنجاح الإصلاحات .
9 – إدارة الإصلاح وفق خطة وطنية طويلة الأجل تقوم على المتابعة والتقييم المستمر .
10 – الغاية النهائية للإصلاح هي بناء اقتصاد قوي ، ودولة مؤسسات ، وتحقيق حياة كريمة للمواطن الليبي .
11 – الإصلاح الاقتصادي مسؤولية وطنية مشتركة ، تتكامل فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحوث ، كما يتحمل كل مواطن ومواطنة مسؤولية الإسهام في حماية المال العام في الحفاظ على المال العام وحمايته ، واحترام القانون ، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج ، والإيمان بأن بناء الوطن مسؤولية جماعية لا تقتصر على مؤسسات الدولة .
12 – الإصلاح الاقتصادي عملية مستمرة وليست إجراءً مؤقتاً .
إن هذه الدراسة لا تدعي أنها تقدم جميع الحلول ، ولا تزعم امتلاك الحقيقة الكاملة ، وإنما تسعى إلى الإسهام في الحوار الوطني حول مستقبل الاقتصاد الليبي ، انطلاقاً من الإيمان بأن الاصلاح مسؤولية جماعية وأنه فرض عين ، وأن بناء الأوطان لا يتحقق بالنقد وحده ، وإنما بالفكر الموضوعي والإرادة الصادقة ، والعمل المؤسسي ، والرؤية المستقبلية . فإذا أسهمت هذه الدراسة في فتح باب النقاش العلمي ، أو في تطوير فكرة ، أو في دعم قرار اصلاحي ، فإنها تكون قد حققت الغاية التي أُعدت من أجلها ، وهي خدمة ليبيا وتعزيز قدرتها على بناء اقتصاد قوي ، ودولة عادلة ، ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً .
The post ملخص الدراسة التقييمية العلمية لمخرجات مسار الاقتصاد بالحوار المهيكل.. قراءة نقدية ورؤية لتطوير الإصلاح الاقتصادي في ليبيا appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
