ممارسة الرياضة والشهية.. هل التمرين يجعلنا نأكل أكثر؟

0
3

هل ممارسة الرياضة تجعل الإنسان أكثر جوعًا، أم أنها قد تساعده على التحكم في شهيته؟ الإجابة العلمية لا تتوافق تمامًا مع الاعتقاد الشائع بأن زيادة النشاط البدني تؤدي تلقائيًا إلى زيادة الأكل لتعويض السعرات التي حُرقت أثناء التمرين، إذ تشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن ممارسة الرياضة قد تؤثر مؤقتًا في منظومة الجوع والشبع، وأن هذا التأثير يرتبط بشدة التمرين ومدته ونوعه، إضافة إلى الاختلافات الفردية بين الأشخاص.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن ممارسة التمارين الرياضية، وخصوصًا المتوسطة إلى العالية الشدة، يمكن أن تؤدي مباشرة بعد النشاط إلى انخفاض مؤقت في الإحساس بالجوع، ويبدو أن ذلك يرتبط بتغيرات في مجموعة من الهرمونات والإشارات الفسيولوجية التي تشارك في تنظيم الشهية، ومن أبرز هذه التغيرات انخفاض مستويات «الغريلين»، وهو هرمون يرتبط بتحفيز الشعور بالجوع، بالتزامن مع ارتفاع بعض الإشارات المرتبطة بالشبع، مثل «الببتيد YY» و«الببتيد الشبيه بالغلوكاغون-1» (GLP-1).

وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل 24 دراسة و52 تجربة و504 مشاركين، وجد الباحثون أن ممارسة التمرين أدت إلى انخفاض مستويات الغريلين في الدم مقارنة بعدم ممارسة الرياضة، وكان هذا الانخفاض أكثر وضوحًا مع ارتفاع شدة النشاط البدني، وتشير هذه النتائج إلى أن التأثير المثبط للشهية الذي يلاحظه بعض الأشخاص بعد التمرين ليس مجرد انطباع عابر، بل قد يرتبط بالفعل بتغيرات فسيولوجية قابلة للقياس، وإن كانت الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر.

وتتوافق هذه النتائج مع تحليل تلوي سابق شمل 18 دراسة و25 تجربة، بحث في تأثير التمرين الحاد على الغريلين وعدد من الهرمونات الأخرى المرتبطة بتنظيم الشهية، ووجد الباحثون أن التمرين أدى في المتوسط إلى انخفاض الغريلين النشط بنحو 16.5%، بالتزامن مع ارتفاع الببتيد YY بنحو 8.9% وارتفاع GLP-1 بنحو 13%، مع الإشارة إلى أن قوة الأدلة لم تكن متساوية بالنسبة إلى جميع المؤشرات الهرمونية، وأن بعض جوانب هذه العلاقة لا تزال بحاجة إلى دراسات أكثر دقة.

ولا يبدو أن الأمر يتعلق بنوع الرياضة وحده، إذ تشير الأبحاث إلى أن شدة التمرين قد تلعب دورًا مهمًا في حجم التأثير على الشهية، ففي مراجعة منهجية وتحليل تلوي قارنا تأثير التدريب المتقطع عالي الشدة بالتدريب المستمر متوسط الشدة، تبين أن كلا النوعين يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الغريلين وارتفاع بعض هرمونات الشبع مقارنة بعدم ممارسة الرياضة، بينما بدا التدريب المتقطع، وخصوصًا التمارين عالية الشدة، أكثر قدرة في بعض الحالات على خفض الغريلين مباشرة بعد انتهاء النشاط.

لكن انخفاض الشهية بعد التمرين لا يعني بالضرورة أن الشخص سيأكل كمية أقل طوال اليوم، وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط أهمية في فهم العلاقة بين الرياضة والجوع، فالتغيرات التي تحدث مباشرة بعد النشاط البدني تكون في كثير من الحالات مؤقتة، وقد يعود الشعور بالجوع إلى مستواه المعتاد خلال الساعات التالية، ولذلك لا يمكن الحكم على تأثير الرياضة في تناول الطعام اعتمادًا على الإحساس بالجوع خلال فترة قصيرة فقط، بل يجب النظر إلى إجمالي استهلاك الطاقة والسلوك الغذائي على مدار اليوم والأسابيع اللاحقة.

وفي تحليل تلوي حديث نُشر عام 2025 وشمل 19 دراسة و34 تجربة لدى أشخاص يعانون زيادة الوزن أو السمنة، وجد الباحثون أن جلسة واحدة من التمارين الرياضية أدت إلى انخفاض ملحوظ في الشعور بالجوع والرغبة المتوقعة في تناول الطعام، كما ارتبطت بانخفاض في تناول الطاقة بعد التمرين، ومع ذلك كانت التأثيرات على الإحساس بالامتلاء والشبع أقل وضوحًا، وهو ما يؤكد أن الشهية ليست ظاهرة واحدة يمكن قياسها من خلال مؤشر واحد، بل هي نتيجة تفاعل مجموعة من الإشارات العصبية والهرمونية والسلوكية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها لا تدعم الفكرة الشائعة التي تفترض أن الجسم يعوض تلقائيًا كل السعرات التي يتم حرقها أثناء ممارسة الرياضة من خلال زيادة الشهية، فقد خلصت مراجعة منهجية وتحليل تلوي تناولت برامج التدريب الرياضي لدى البالغين الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة إلى أن بدء برنامج رياضي لم يؤدِ في المتوسط إلى زيادة كبيرة في الشهية أو تناول الطعام، رغم وجود اختلافات واضحة بين الأفراد وبعض الأدلة على حدوث تعويض جزئي للطاقة لدى بعض الأشخاص.

وفي إحدى الدراسات التجريبية، مارس المشاركون ركوب الدراجة لمدة 60 دقيقة، ثم جرى قياس الشهية ومستويات عدد من الهرمونات وتناول الطعام بعد التمرين، وأظهرت النتائج انخفاض الشعور بالجوع أثناء ممارسة النشاط وارتفاع بعض هرمونات الشبع مثل PYY وGLP-1، بينما عاد الإحساس بالجوع بعد انتهاء التمرين، وعلى الرغم من أن المشاركين تناولوا كمية أكبر قليلًا من الطعام لاحقًا من حيث الكمية المطلقة، فإن الصورة اختلفت عند احتساب الطاقة التي أنفقوها أثناء ممارسة الرياضة، إذ بقي النشاط مساهمًا في خفض صافي توازن الطاقة.

وهذا يوضح لماذا لا ينبغي النظر إلى زيادة الشهية بعد ممارسة الرياضة باعتبارها دليلًا على أن التمرين «يفتح الشهية» بالضرورة أو يجعل التحكم بالوزن أكثر صعوبة، فقد يشعر الإنسان بالجوع بعد التمرين لأن الجسم يحتاج إلى الطاقة ويستعيد توازنه، لكن ذلك لا يعني أن كمية الطعام التي سيتناولها ستعادل بالضرورة كمية الطاقة التي أنفقها أثناء النشاط، كما أن الاستجابة تختلف بصورة كبيرة بين الأشخاص.

وتشير الدراسات طويلة المدى بدورها إلى صورة أكثر تعقيدًا، ففي مراجعة منهجية تناولت تأثير برامج التدريب على هرمونات الشهية لدى الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة، لم يجد الباحثون تغيرات واضحة في مستويات الغريلين الكلي أو الغريلين النشط أو الببتيد YY أثناء الصيام بعد برامج التدريب، رغم حدوث انخفاض في وزن الجسم ومؤشر كتلة الجسم، وهذا يعني أن نجاح النشاط البدني على المدى الطويل لا يمكن اختزاله في فكرة أن الرياضة «تخفض هرمون الجوع» بشكل دائم، لأن الجسم يتكيف مع النشاط بطرق متعددة، ولأن تنظيم الشهية يعتمد على منظومة أوسع بكثير من هرمون واحد.

كما بحثت الدراسات في تأثير ممارسة الرياضة على معدة فارغة مقارنة بممارستها بعد تناول الطعام، وهي مسألة تحظى باهتمام واسع بين الأشخاص الذين يسعون إلى إنقاص الوزن، وتشير مراجعات منهجية وتحليلات تلوية إلى أن توقيت تناول الطعام يمكن أن يغير بعض الاستجابات الفسيولوجية للتمرين، لكن الأدلة لا تسمح بالقول إن ممارسة الرياضة على معدة فارغة تؤدي حتمًا إلى زيادة الشهية أو تناول كميات أكبر من الطعام في وقت لاحق من اليوم، ولذلك لا يمكن اعتبار التدريب أثناء الصيام وسيلة مضمونة للتحكم بالجوع أو فقدان الوزن.

ويعتقد الباحثون أن التأثير المؤقت للرياضة على الشهية ينتج عن مجموعة من الآليات المتداخلة، إذ يؤدي النشاط البدني إلى تغيرات في تدفق الدم ونشاط الجهاز العصبي ودرجة حرارة الجسم ومستويات الغلوكوز والأحماض الدهنية، بالتزامن مع تغير الإشارات الصادرة من الجهاز الهضمي والأنسجة المختلفة إلى الدماغ، ويمكن لهذه التغيرات أن تؤثر في المناطق الدماغية المسؤولة عن تنظيم الجوع والشبع، بينما تساهم التغيرات في الغريلين وPYY وGLP-1 في نقل إشارات إضافية حول حالة الطاقة في الجسم.

ومع ذلك، فإن الاستجابة ليست واحدة لدى الجميع، فبعض الأشخاص قد يلاحظون انخفاضًا واضحًا في الشهية بعد التمرين، بينما قد يشعر آخرون بالجوع بسرعة، وقد تتأثر هذه الاستجابة بعوامل مثل شدة النشاط ومدته، ومستوى اللياقة البدنية، وتوقيت آخر وجبة، وجودة النوم، والضغط النفسي، وتركيب النظام الغذائي، فضلًا عن الاختلافات الفردية في الاستجابة الهرمونية والاستقلابية.

ومن هنا، فإن القول إن «الرياضة تقلل الشهية» صحيح فقط إذا جرى وضعه في سياقه العلمي الصحيح، فالرياضة قد تثبط الجوع مؤقتًا، وخصوصًا بعد النشاط المتوسط إلى العالي الشدة، لكنها لا تضمن استمرار هذا التأثير طوال اليوم، كما أن الشعور بالجوع بعد التمرين لا يعني أن الجسم سيعوض بالضرورة جميع السعرات التي تم حرقها.

وعند الحديث عن فقدان الوزن، تصبح الصورة أكثر شمولًا، لأن النشاط البدني لا يعتمد تأثيره على الميزان فقط على السعرات التي يتم إنفاقها أثناء التمرين، وإنما يتداخل أيضًا مع الشهية وسلوك تناول الطعام ومستوى النشاط اليومي واللياقة وصحة القلب والتمثيل الغذائي والقدرة على الحفاظ على الكتلة العضلية، ولذلك فإن أفضل قراءة للأدلة العلمية هي أن الرياضة يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من استراتيجية التحكم بالوزن، لكن تأثيرها لا ينبغي أن يُقاس من خلال الشهية وحدها أو من خلال وجبة واحدة بعد التمرين.

وفي النهاية، لا تقول الدراسات إن الرياضة «تفتح الشهية» بصورة حتمية، ولا تقول إنها «تلغي الجوع» بصورة دائمة، بل تقدم صورة أكثر دقة، وهي أن النشاط البدني يستطيع أن يعيد تنظيم إشارات الجوع والشبع لفترة مؤقتة، وغالبًا ما يؤدي إلى انخفاض الجوع بعد التمرين لدى كثير من الأشخاص، وقد يصاحب ذلك تغير في هرمونات مثل الغريلين وPYY وGLP-1، لكن حجم التأثير ومدته يختلفان من شخص إلى آخر.

وبالتالي، إذا شعر الإنسان بانخفاض الشهية بعد ممارسة الرياضة، فهذه استجابة تتفق مع نتائج عدد كبير من الدراسات الفسيولوجية والمراجعات المنهجية، وإذا شعر بالجوع بعد التمرين، فهذا لا يعني أن الرياضة لم تحقق فائدتها، فالنتيجة الحقيقية لا تتحدد بما يحدث في الساعة التالية للتمرين فقط، وإنما بما يحدث في ميزان الطاقة والسلوك الغذائي والنشاط البدني على مدى أيام وأسابيع وأشهر، وهو ما يجعل الانتظام في الحركة ونمط الغذاء العام أكثر أهمية من محاولة تفسير الشهية من خلال جلسة رياضية واحدة.

The post ممارسة الرياضة والشهية.. هل التمرين يجعلنا نأكل أكثر؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.