من الذاكرة إلى القلب.. لماذا يوصي العلماء بـ«الشاي الأخضر»؟

0
9

في سياق التوسع الكبير في أبحاث التغذية الوقائية والطب الحيوي الغذائي، تؤكد مراجعات علمية حديثة وتحليلات تلوية (Meta-analyses) منشورة في مجلات محكّمة أن الشاي الأخضر يُعد من أكثر المشروبات الطبيعية ارتباطاً بفوائد صحية متعددة، تشمل دعم صحة الدماغ والقلب، وتحسين المؤشرات الأيضية، وتقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي، إضافة إلى ارتباطه المحتمل بإبطاء بعض مظاهر الشيخوخة الخلوية، وذلك بفضل مركباته النشطة وعلى رأسها “الكاتيشينات” وخصوصاً EGCG.

وتشير مراجعات علمية منشورة في قواعد بيانات طبية مثل PubMed وتحليلات في مجلات مثل Nutrients وFoods إلى أن الشاي الأخضر يحتوي على مزيج من المركبات الحيوية الفعالة، أبرزها epigallocatechin gallate (EGCG)، إلى جانب الكافيين وL-theanine، وهي عناصر تعمل بشكل متكامل على التأثير في الجهاز العصبي والقلب والأوعية الدموية والعمليات الخلوية المرتبطة بالشيخوخة.

على مستوى صحة القلب، تُظهر التحليلات التراكمية للدراسات السريرية أن الاستهلاك المنتظم للشاي الأخضر يرتبط بتحسن واضح في مؤشرات الدهون في الدم، بما في ذلك خفض الكوليسترول الضار (LDL)، وتحسين مرونة الشرايين، وتقليل مستويات الالتهاب، وهي عوامل مرتبطة مباشرة بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

وتوضح دراسات واسعة النطاق أن هذا التأثير القلبي الوعائي يعود بشكل أساسي إلى قدرة مركبات الكاتيشين على تقليل الإجهاد التأكسدي داخل جدران الأوعية الدموية، وتحسين وظيفة البطانة الوعائية (Endothelial function)، وهو ما ينعكس على تحسين تدفق الدم وتقليل تصلب الشرايين مع مرور الوقت.

أما على صعيد الدماغ، فتشير مراجعات علم الأعصاب والدراسات الوبائية إلى أن تناول الشاي الأخضر يرتبط بانخفاض خطر التدهور المعرفي والخرف بنسبة تتراوح في بعض التحليلات بين 25% و47% لدى الفئات التي تستهلكه بانتظام، مقارنة بغير المستهلكين، مع ملاحظة تحسن في الذاكرة والانتباه والوظائف التنفيذية.

وتفسر الدراسات هذا التأثير بوجود ثلاثية نشطة في الشاي الأخضر: الكافيين الذي يعزز اليقظة، وL-theanine الذي يقلل التوتر ويزيد التركيز، وEGCG الذي يمتلك خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، إضافة إلى تأثيرات محتملة على تعزيز الاتصال العصبي وتقليل تراكم البروتينات المرتبطة بأمراض التنكس العصبي مثل ألزهايمر.

وفي سياق الشيخوخة البيولوجية، تُظهر الأبحاث المخبرية أن EGCG قد يساهم في تقليل تلف الحمض النووي (DNA damage) الناتج عن الإجهاد التأكسدي، وتقليل نشاط الجذور الحرة، وهي عوامل رئيسية في تسريع شيخوخة الخلايا. كما تشير دراسات إلى أن هذه المركبات قد تؤثر على مسارات خلوية مرتبطة بالبقاء الخلوي والالتهاب المزمن، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالشاي الأخضر ضمن أبحاث “الشيخوخة الصحية” (Healthy aging).

كما تربط دراسات تغذوية حديثة بين استهلاك الشاي الأخضر وتحسين معدل الأيض وزيادة أكسدة الدهون، وهو ما قد يساهم في دعم التحكم في الوزن، وبالتالي تقليل عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والسكري ومتلازمة الأيض، وهي بدورها عوامل تسهم في تسريع الشيخوخة المرضية.

وتشير مراجعات علمية أيضاً إلى تأثيرات إضافية محتملة للشاي الأخضر تشمل دعم صحة الجهاز المناعي عبر تقليل الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، وتحسين صحة الأمعاء من خلال التأثير على الميكروبيوم، إضافة إلى دور محتمل في دعم صحة الجلد عبر تقليل الأضرار الناتجة عن الأشعة فوق البنفسجية.

ورغم هذا الزخم الكبير من الأدلة، تؤكد الأوساط العلمية أن معظم النتائج الإيجابية تأتي من دراسات رصدية وتحليلات تجميعية، بينما لا تزال بعض التجارب السريرية تحتاج إلى مزيد من التوحيد في الجرعات والتصميم لتأكيد التأثيرات بدقة أعلى، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة إبطاء الشيخوخة بشكل مباشر.

ويجمع الباحثون على أن الشاي الأخضر ليس علاجاً مستقلاً، بل جزء من نمط حياة صحي شامل يعتمد على التغذية المتوازنة والنشاط البدني والنوم الجيد، لكنه يظل أحد أكثر المشروبات الطبيعية التي حظيت بدعم علمي متزايد خلال العقدين الأخيرين، نظراً لتعدد آليات تأثيره على الدماغ والقلب والتمثيل الغذائي والشيخوخة الخلوية.

The post من الذاكرة إلى القلب.. لماذا يوصي العلماء بـ«الشاي الأخضر»؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.