من يُدير ليبيا اليوم! المؤسسات الوطنية أم المسارات التي تصنعها البعثة؟

0
10

لم يعد الخلاف مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا خلافًا حول حسن النوايا، ولا حول ضرورة وجود دعم دولي يساعد الليبيين على الخروج من أزمتهم. فالدعم الدولي، متى التزم حدوده، يبقى عاملًا مساعدًا ومطلوبًا. غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تتحول البعثة من جهة تيسير ومساندة إلى طرف يختار الأشخاص، ويصوغ المسارات، ويحدد الملفات، ويفرض بدائل موازية خارج المؤسسات.

ومن هذا الباب تحديدًا، تبرز خطورة ما يسمى بلجنة 4+4 أو “الحوار المصغر” الذي ترعاه البعثة الأممية، والذي بات يتناول ملفات شديدة الحساسية، في مقدمتها إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات. وهي ملفات ليست فنية محضة، ولا إجرائية بسيطة، بل تمس جوهر الشرعية الانتخابية والدستورية في البلاد.

بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية، استضاف مكتب البعثة في تونس الاجتماع الثاني للجنة 4+4، ووصفت البعثة النقاشات بأنها “مثمرة” و”بنّاءة”، وأنها تناولت الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة، مع الاتفاق على استئناف اللقاءات. كما ورد أن هذه اللجنة معنية بإنجاز الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق التي تيسرها الأمم المتحدة، وهما استكمال تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وإدخال تعديلات على الإطار الانتخابي استنادًا إلى توصيات اللجنة الاستشارية.

هنا يبدأ السؤال القانوني الحقيقي: من أين استمدت هذه اللجنة اختصاصها؟ ومن فوّض أعضاءها؟ وهل يمكن لأشخاص، مهما كانت صفاتهم الفردية، أن يناقشوا باسم المؤسسات الليبية مسائل تتعلق بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية دون تكليف مؤسسي صريح؟

الخطورة لا تكمن في الحوار ذاته؛ فالحوار مطلوب ومفيد. إنما الخطورة في منح الحوار وظيفة تقريرية أو شبه تقريرية في مسائل لا يملكها إلا أصحاب الاختصاص الدستوري والقانوني. فإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ليست مسألة علاقات عامة، بل ترتبط بقواعد قانونية محددة، وباختصاصات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والسلطات ذات الصلة. كما أن تعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات لا يمكن أن يتم عبر لجنة مصغرة مختارة خارج المؤسسات، ثم يُطلب من المؤسسات لاحقًا أن تلتحق بما تم ترتيبه مسبقًا.

وقد عبّر المجلس الأعلى للدولة عن هذه المخاوف صراحة، حين أعلن رفضه مخرجات اجتماعات روما، معتبرًا أن إشراك عضوين من المجلس على نحو أوحى بأنهما يمثلان المجلس تم بالمخالفة للأطر القانونية والمؤسسية، وأكد أن العضوين المشاركين لم يكلفا أو يفوضا من المجلس. كما اتهم المجلس البعثة بالانحراف عن دور الدعم والمساندة والتحول إلى طرف يربك المشهد السياسي ويقوض فرص التوافق الوطني.

هذا الموقف لا ينبغي قراءته باعتباره اعتراضًا سياسيًا عابرًا، بل باعتباره تنبيهًا مؤسسيًا إلى مسألة أخطر: التلاعب بمفهوم التمثيل. فالتمثيل لا يُستمد من الحضور في قاعة اجتماع، ولا من إدراج الأسماء في بيان بعثة، ولا من رضا أطراف دولية أو إقليمية. التمثيل في القضايا السيادية يُستمد من قرار مؤسسي صحيح، ومن تفويض واضح، ومن مسؤولية لاحقة أمام المؤسسة التي منحت التفويض.

وعليه، فإن السؤال ليس: هل حضر بعض الليبيين؟ بل: هل حضر أصحاب الصفة؟

وليس السؤال: هل ناقشت اللجنة ملفات مهمة؟ بل: هل تملك اللجنة أصلًا ولاية مناقشتها باسم الدولة ومؤسساتها؟

من الناحية القانونية، تفويض البعثة الأممية في ليبيا يقوم على التيسير والدعم والمساعدة، لا على الحلول محل المؤسسات. فالبعثة ليست سلطة تأسيسية، وليست مشرّعًا انتخابيًا، وليست جهة اختصاص في إعادة تشكيل الهيئات الوطنية. وعندما تنتقل من تيسير التوافق بين المؤسسات إلى إنشاء مسارات بديلة عنها، فإنها لا تمارس الوساطة، بل تمارس نوعًا من الهندسة السياسية. وهو انتقال بالغ الخطورة، لأن الوسيط الدولي يفقد حياده حين يبدأ في صناعة البدائل بدل تقريب المؤسسات القائمة.

والأخطر من ذلك أن هذه الهندسة لا تأتي في فراغ، بل تأتي في سياق تراكم طويل من المسارات الموازية: لجنة استشارية، حوار مهيكل، حوار مصغر، اجتماعات في روما وتونس، توصيات حول المفوضية، ومقترحات لتعديل الإطار الانتخابي. بهذا المعنى، نحن أمام نمط جديد من إدارة العملية السياسية: لا يتم فيه إلغاء المؤسسات صراحة، ولكن يتم تجاوزها عمليًا عبر خلق مسارات تسبقها، وتضغط عليها، وتضعها أمام وقائع سياسية جاهزة.

أما السؤال: “من الذي أشار على البعثة بذلك؟” فلا يمكن الإجابة عنه يقينًا دون وثائق داخلية. لكن الوقائع تسمح بطرح أسئلة مشروعة: هل جاءت الفكرة من داخل الدائرة السياسية للبعثة؟ هل دفعت بها أطراف دولية ترى أن المجلسين عاجزان عن الإنجاز؟ هل شجعتها أطراف محلية تبحث عن طريق مختصر لتجاوز المؤسسات الرسمية؟ وهل تحولت توصيات اللجنة الاستشارية إلى مرجعية بديلة عن الإطار القانوني الوطني؟

هذه أسئلة لا تحمل اتهامًا، لكنها تكشف خللًا عميقًا في الشفافية. فإذا كانت البعثة ترى أن هذا المسار قانوني ومشروع، فعليها أن تجيب بوضوح: ما السند القانوني للجنة 4+4؟ ما معايير اختيار أعضائها؟ ما صفتهم التمثيلية؟ من يراقب أعمالها؟ هل مخرجاتها استشارية فقط أم ستكون أساسًا لضغط سياسي على المؤسسات؟ وهل تم إخطار المؤسسات رسميًا بأن من حضر يمثلها بتفويض منها؟

إنّ وصف البعثة لهذه الاجتماعات بأنها “مثمرة” أو “بنّاءة” لا يكفي لإضفاء الشرعية عليها. فالشرعية لا تُستمد من جودة النقاش، بل من صحة الاختصاص. وقد تكون النقاشات بنّاءة في شكلها، لكنها مهدِّمة في أثرها إذا تجاوزت قواعد التمثيل والمؤسسات.

وإذا كانت البعثة تقول إن الحوار المصغر لا يحل محل الحوار المهيكل، وإنه مجرد آلية تكميلية لمعالجة معوقات محددة، فإن هذا التوصيف لا يبدد المخاوف؛ بل يؤكدها. لأن المشكلة ليست في الاسم، بل في الوظيفة. فإذا كانت “الآلية التكميلية” تناقش تشكيل مفوضية الانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، فهي عمليًا تمس صلب العملية السياسية، ولا يجوز التعامل معها كاجتماع فني عابر.

إن هذا المسار يسيء إلى العملية السياسية من ثلاث زوايا:

أولًا، لأنه يُضعف المؤسسات الوطنية حين يتعامل مع أفراد خارج التكليف المؤسسي.

ثانيًا، لأنه يربك قواعد الاختصاص، فيجعل مسائل قانونية وسيادية موضوعًا لتفاهمات غير ملزمة ظاهريًا، لكنها ضاغطة سياسيًا.

ثالثًا، لأنه يخلق سابقة خطيرة مفادها أن عجز المؤسسات عن التوافق يبرر للبعثة صناعة بدائل عنها، بدل إلزامها بتحمل مسؤولياتها أمام الشعب.

أما عن نجاح هذا المسار، فيجب التمييز بين النجاح الإجرائي والنجاح الوطني. قد تنجح البعثة في عقد اجتماعات، وإصدار بيانات، وإنتاج تفاهمات مؤقتة. لكنها تفشل وطنيًا إذا كانت النتيجة مزيدًا من المسارات الهشة، ومزيدًا من الأجسام الانتقالية، ومزيدًا من الالتفاف على الاستفتاء والدستور والانتخابات ذات الشرعية الشعبية.

واللافت أن هذه المسارات الموازية تتوسع في الوقت الذي يتراجع فيه الحديث عن الاستفتاء على مشروع الدستور، وكأن إعادة القرار إلى الشعب أصبحت خيارًا مؤجلًا لصالح ترتيبات انتقالية تُدار عبر التوافقات الدولية.

فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الاجتماعات في روما أو تونس، بل بمدى اقتراب البلاد من سؤالها المؤجل: متى يحتكم الليبيون إلى مشروع الدستور؟ ومتى تُعاد الكلمة إلى الشعب بدل تدويرها بين لجان مختارة؟

إن أخطر ما تفعله البعثة اليوم ليس مجرد تنظيم اجتماع، بل تكريس فكرة أن ليبيا يمكن إدارتها عبر “لجان بديلة”، كلما تعذر التوافق داخل المؤسسات. وهذا يفتح الباب أمام نمط من الوصاية الناعمة: لا تعلن نفسها وصاية، لكنها تتصرف كأنها تعرف مصلحة الليبيين أكثر من مؤسساتهم، وتستبدل الإرادة الوطنية بمقاربات تقنية، ثم تقدم ذلك بوصفه حلًا للأزمة.

ولذلك، فإن المطلوب ليس رفض الحوار، بل رفض تحويل الحوار إلى سلطة موازية. المطلوب أن تعود البعثة إلى حدود دورها: تيسير التواصل بين المؤسسات ذات الصفة، لا اختيار بدائل عنها. دعم الانتخابات، لا إعادة هندسة مؤسساتها. تقريب وجهات النظر، لا إنتاج مسارات تقرر نيابة عن الليبيين.

إن أي حل لا يمر عبر المؤسسات الشرعية، ولا يحترم قواعد الاختصاص، ولا يعيد القرار النهائي إلى الشعب، سيبقى مجرد حل مؤقت آخر في سلسلة طويلة من الحلول التي بدأت باسم التوافق وانتهت إلى إطالة عمر الأزمة.

إن أخطر ما تواجهه ليبيا اليوم ليس فقط الانقسام السياسي، بل تحوّل إدارة الأزمة نفسها إلى مسار موازٍ للمؤسسات، تُنتج فيه القرارات عبر لجان واجتماعات وتفاهمات لا تستند دائمًا إلى تفويض شعبي أو غطاء قانوني واضح.

فالدول لا تُبنى عبر المسارات المؤقتة، بل عبر مؤسسات شرعية، ودستور، وإرادة شعبية لا يجوز استبدالها بأي هندسة سياسية مهما حملت من عناوين تقنية أو أممية.

The post من يُدير ليبيا اليوم! المؤسسات الوطنية أم المسارات التي تصنعها البعثة؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.