في ظل استمرار الجدل حول مستقبل الدولة الليبية ومؤسساتها، يبقى ملف العدالة وسيادة القانون في صلب الأسئلة المرتبطة بقدرة ليبيا على تجاوز أزمتها الممتدة، خصوصاً مع استمرار تأثير الانقسام السياسي والأمني على عمل المؤسسات، وعودة المخاوف بشأن استقلال القضاء، ودور التشريعات، وقدرة المنظومة القانونية على حماية حقوق المواطنين.
وقال المحامي بالمحكمة العلياعبد الحليم محمد الفقيه وعضو نقابة المحامين في مصراته، في تصريح لشبكة عين ليبيا، إن استقرار العدالة وسيادة القانون لا يمكن أن يحققا نتائجهما في أي بلد إلا في ظل استقرار سياسي وأمني، مؤكداً أن الوضع المعقد والمتدني الذي يعيشه الليبيون اليوم كان نتيجة منطقية لإسقاط الدولة في عام 2011.
وأوضح الفقيه أن فوضى السلاح عمت البلاد بعد ذلك، وظهرت مظاهر التغول على قيم القانون ومؤسساته، مشيراً إلى أن المؤسسات القضائية وأعضاءها لم يسلموا من التهديد بالقوة أو الخطف أو القتل.
وأضاف أن الواقع الليبي يشهد العديد من الحوادث التي كانت شاهدة على هشاشة الوضع الأمني والسياسي، رغم مظاهر الاستقرار النسبي، معتبراً أنه من المنطقي القول إن الجهاز القضائي لا يزال يفتقر إلى سلطة إنفاذ القانون على أشخاص بعينهم تحميهم جماعات مسلحة أو ينتمون إليها، ولديهم سلطة التأثير والنفوذ على مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن سلطة القضاء وإنفاذ القانون تمارس في المقابل على الضعفاء والبسطاء في المجتمع، وهو ما يجعل المواطنين غير متساوين أمام العدالة.
نقابة المحامين في مصراتة.. غياب الدور المجتمعي
وحول دور نقابة المحامين في مصراتة، قال الفقيه إن النقابة للأسف ليس لها أي دور مجتمعي، وإن دورها ظل لسنوات دوراً إدارياً بحثاً، بسبب عدم وجود قيادات تحدث تغييراً في الوسط النقابي.
وأضاف: “لا نسمع لها ركزاً”، موضحاً أن أي دور موجود يعود إلى أفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة، وبأصوات وأدوار فردية غير مؤثرة.
المحامون يواجهون نفوذ الجهات المسلحة والتدخل في القضاء
وفيما يتعلق بالصعوبات التي تواجه المحامين أثناء أداء عملهم، أكد الفقيه أن المحامين يعانون من نفوذ بعض الجهات وتغولها على سلطة القضاء في ليبيا.
وأوضح أن كثيراً من المحامين وقعوا ضحية الخطف والاعتقال التعسفي خارج القانون، مشيراً إلى أن سلطة القضاء لم تستطع ممارسة واجبها تجاه المجرمين بسبب انتمائهم إلى مجموعات مسلحة منسوبة للدولة تحتكر القوة وتؤثر في عمل القضاء وتتدخل فيه.
القضاء الليبي.. تماسك سابق وصراع جديد داخل السلطة القضائية
وحول وضع السلطة القضائية في ليبيا، قال الفقيه إن القضاء ليس بمعزل عما يجري في البلاد، مشيراً إلى أنه إذا كان القضاء هو السلطة الثالثة في البلاد التي لم يلحقها التشظي خلال السنوات الماضية، فإنه ظل متماسكاً ومحافظاً على مركزية القرارات واستقلاله.
لكنه أوضح أن سنة 2026 شهدت صراعاً داخل أروقة السلطة القضائية، نتج عنه صعود سلطة قضائية جديدة في طرابلس وتراجع نفوذ السلطة القديمة إلى شرق البلاد.
وأضاف أن النائب العام ظهر في موقف محرج بسبب عجزه عن الظهور في أي اجتماع لأي من السلطتين، باعتباره نائب رئاسة السلطة القضائية، وهو الأمر الذي أدى إلى شل سلطته.
وأوضح أن النائب العام حاول النأي بسلطته عن الصراع داخل القضاء، لكنه فشل في احتواء الأزمة والحد من تأثيرها، مؤكداً أن السلطة القضائية، سواء في شرق البلاد أو غربها، لا تزال تمارس عملها بشكل منقوص الولاية.
وأشار إلى أن هذا الوضع خلق صراعات داخل أروقة السلطة القضائية بسبب الانقسام الإداري الناجم عن الانقسام السياسي، إضافة إلى المعارضة المهنية المتعلقة بإدارة شؤون العمل القضائي.
المصالحة والعدالة الانتقالية.. ملف مؤجل حسب الحاجة
وفي ملف المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، أكد نقيب محامي مصراتة أن هذا الملف لا يزال خارج حسابات السلطة التنفيذية في ليبيا.
وأوضح أن الملف يظهر حسب الرغبة أحياناً ويعود للاختفاء أحياناً أخرى حسب الحاجة، مشيراً إلى أنه لم تُلمس إرادة وطنية جادة في إدارة هذا الملف.
وقال إن السلطة التنفيذية كان عليها إنشاء وزارة خاصة بالمصالحة والعدالة الانتقالية، تكون لها هياكلها وميزانيتها وتقاريرها الخاصة، إلا أنها تصر على جعله ملفاً محتكراً بيدها تستخدمه متى شاءت.
وأكد أن هذا الأمر أدى إلى بقاء الملف لسنوات يراوح مكانه دون أي إنجاز يذكر.
التشريعات الليبية.. أزمة في سلطة التشريع نفسها
وفيما يتعلق بالتشريعات الوطنية، قال الفقيه إن ليبيا تعاني من سلطة التشريع ذاتها التي تحكم البلاد منذ اثني عشر عاماً، معتبراً أن ذلك أمر غير مقبول وغير طبيعي.
وأوضح أن السلطة التشريعية تتمسك بمكانها وتواصل إصدار التشريعات، ليس بدافع الحاجة الوطنية لها، وإنما بناءً على ما يقتضيه الصراع السياسي الحاد في ليبيا.
وأضاف أن قطاعاً عريضاً من الحقوقيين والمحامين يرى أن مجلس النواب فقد شرعيته بتجاوزه مدته المحددة في الإعلان الدستوري، ويرون أن وجوده اليوم هو اغتصاب للسلطة.
وأشار إلى أن هؤلاء يرون كذلك أن تشريعات مجلس النواب لا تخدم المصلحة الوطنية بقدر ما تخدم مصالح أعضائه المتمسكين ببقائهم في السلطة وبقاء امتيازاتهم، وعرقلة كل مشروع يهدف إلى التجديد والتغيير.
الانتخابات.. القوانين ليست السبب الوحيد في التعطيل
وحول الجدل المرتبط بالقوانين المنظمة للانتخابات، قال الفقيه إنه لا يعتقد أن عرقلة الانتخابات في ليبيا مرتبطة بوجود التشريعات المنظمة لها دون غيرها.
وأوضح أن هناك العديد من الأسباب التي ساهمت بشكل مباشر في عرقلة مشروع تجديد الشرعية، مؤكداً أن أبرزها هو عرقلة أطراف السلطة اليوم تعجيل إنجاز الانتخابات الوطنية.
وأشار إلى أن هذه الأطراف تستخدم مبررات مختلفة، فتارة تتحدث عن ضرورة التوافق بين هياكلها المنتهية الولاية، وتارة عن القوانين والتوافق عليها، ومرة أخرى عن الاتهامات السياسية التي يتبادلونها عبر وكلائهم الإعلاميين في الفضائيات.
وأكد أن هذه المبررات تغلف بغلاف الوطنية، بينما يكمن باطنها، حسب تعبيره، في الحفاظ على المكاسب الآنية على حساب تعاسة المواطن الليبي البسيط.
موقف النقابة العامة للمحامين والانقسام القانوني
وانتقد الفقيه موقف النقابة العامة للمحامين الأخير، معتبراً أنه كان معززاً للانقسام.
وأوضح أن نقيب المحامين أعلن في بيان على موقع فيسبوك شرعية المحكمة الدستورية العليا في بنغازي على حساب الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.
وأشار إلى أن مجموعة من نقابة محامي مصراتة اعتبرت ذلك خروجاً عن المرجعية القانونية التي توجب احترام الأحكام القضائية والانصياع لها، أو الاعتراض عليها وفق ما رسمه المشرع.
وأضاف أن هذا الإعلان جاء بعد إصدار الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكماً يقضي بعدم شرعية نص في قانون المحاماة يمنع أعضاء السلطة القضائية من الالتحاق بالمحاماة إلا بشرط تعسفي.
وأكد الفقيه أن الواقع الحالي يجعل القول بأن النقابة العامة للمحامين بعيدة كل البعد عن أي دور وطني في المشهد السياسي الليبي أو حتى على المستوى الحقوقي والتشريعي.
وأضاف أنها لا تزال منغلقة على نفسها، وتعاني من مشاكل العضوية المتراكمة والمتزايدة يوماً بعد يوم، إضافة إلى غياب الشفافية بشأن نظام عملها الداخلي.
## **نقابة مصراتة تضم نحو 270 محامياً والتحدي الأكبر أمام الشباب**
وحول عدد المحامين المسجلين في نقابة مصراتة، قال الفقيه إنه لا توجد أي إحصائية رسمية بعدد المحامين، لكنه قدر العدد بحوالي مائتين وسبعين محامياً تقريباً.
وأوضح أن أبرز التحديات التي تواجه المحامين الجدد تتمثل في غياب تام لشفافية العمل النقابي، وغياب التواصل بين المحامين والنقابة، والشعور بعدم الانتماء النقابي.
وأشار كذلك إلى حالة الإحباط التي يعاني منها المحامون الجدد حيال الصمت النقابي في القضايا الوطنية.
رسالة إلى السلطة والمواطنين
وفي ختام حديثه، وجه نقيب المحامين مصراتة عبد المجيد الفقيه رسالة إلى السلطة في ليبيا، مستشهداً بقول الله تعالى:
**﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾**
وقال: “أسأل الله لهم الرشاد وأن يعودوا عن غيهم، طالما أن ثقافة الغنيمة هي منهج المسؤول، وطالما كان هم كل مسؤول تأمين حياته وأسرته على حساب الرعية فإن ليبيا لن تقوم لها قائمة”.
وأضاف: “استذكروا يا من ولاكم الله شأن الناس أن أسلافكم تنازلوا لأجل وحدة البلاد وعلو شأنها، واعلموا أنكم راحلون لا محال، وأنكم عما قدمتم وكسبتم محاسبون، فأحسنوا العمل لتسعدوا بالجزاء، واتركوا لمن يأتي بعدكم ما يذكركم به”.
ووجه حديثه إلى أهل ليبيا قائلاً إن بناء البلاد لن يتم إلا بترابطهم وعودة لم شملهم، مؤكداً أن ما يجمع الليبيين أكثر مما يفرقهم.
ودعا المواطنين إلى الابتعاد عن الاصطفاف السياسي الآني لعائلة أو لجماعة أو لقبيلة، وجعل الصوت موحداً من أجل إنجاز الدستور الموحد للبلاد وتجديد شرعية السلطة لمن يختاره الليبيون.
وأكد أن الصلاح في ذلك، وأن بناء الدولة يبدأ بترسيخ القانون واحترام المؤسسات.
The post هل فقدنا سيادة القانون.. نقيب محامي مصراتة يكشف لـ«عين ليبيا» خفايا انقسام السلطة القضائية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
