أقل من دخل لاجئ.. كيف تحولت مرتبات الليبيين إلى «إعانة بخسة»؟

0
2

يشهد الاقتصاد الليبي تحديات هيكلية عاصفة وتناقضاً حاداً بين وفرة الموارد المالية الهائلة وبين عجز الإدارة المالية عن توظيفها بالشكل الأمثل، مما أفرز أزمات معيشية طاحنة واحتجاجات خدمية ومطلبية واسعة، وسط غياب الرؤية المتكاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقاً بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، في تصريح لشبكة “عين ليبيا”، أن المرتبات في علم الإدارة وإدارة الموارد البشرية تسمى تقييم الوظائف، مبيناً أن جداول المرتبات توضع وفق أسس تشمل إمكانيات الدولة المالية، والنظام العام للأسعار والتضخم، مع أخذ المتغيرات الطارئة والمستجدة والمعايير الدولية بعين الاعتبار.

وأوضح درميش أن ما يمنح للموظف في ليبيا للأسف الشديد يُعد إعانة اجتماعية بخسة تتراوح ما بين 150 و400 دولار شهرياً وبدون خدمات ولا تأمين، وهو أقل بكثير مما يمنح للاجئين في البلاد الفقيرة، مؤكداً أن الجدوى الاقتصادية مطلوبة لخلق العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة الشعب، ومشدداً على أنه بالمختصر المفيد تملك ليبيا الإمكانيات والموارد والأموال لتغطية جدول مرتبات موحد يتماشى مع مستوى التضخم وغلاء الأسعار، في حين أن المصرف المركزي ما زال قاصراً في إدارة أموره والقيام بدوره الحقيقي كما خوله القانون رقم 1 لسنة 2005 وتعديلاته.

وحول أسباب التضخم وغلاء الأسعار، بيّن درميش أنها ناجمة عن القرارات العشوائية غير المدروسة منذ عشرات السنين، إضافة إلى أزمة كورونا والحرب الأوكرانية الروسية وحرب الخليج وغيرها، مشدداً على أن كل ما سبق يحتاج من الدولة الليبية إدارة للأزمة من أجل التنسيق بين السياسات التجارية والمالية والنقدية كسياسة اقتصادية واحدة لمتابعة الأحداث ساعة بساعة ويوماً بيوم للتعامل مع المشاكل ومعالجتها وفق المعطيات الموجودة، لأن ليبيا دولة تملك موارد وأموال ورأسمال عامل وتحتاج إلى إدارة كفؤة فقط بالرغم من حدة التجاذبات السياسية الحالية، وليس كما يدعي البعض ويضلل.

وبخصوص تكدس العاملين في القطاع العام، أشار درميش إلى أن ذلك ناجم عن القرارات العشوائية غير المدروسة السابقة وما سُمي بالإصلاحات الاقتصادية، ومنها خروج المشروعات ذات الرأس المال الصغير والمتوسط لعدم قدرتها على الاستمرار ومواجهة التضخم، مما سبب زيادة الطلب على العمل في القطاع العام وارتفاع رقم المرتبات، لكون الدولة اتبعت سياسات انكماشية وفرضت الضرائب وخفضت قيمة الدينار عدة مرات دون توفر بيئة خصبة للمال والأعمال، بينما لم يطور البنك المركزي القطاع البنكي لمواكبة الحداثة والقيام بدوره الحقيقي في التمويل والاستثمار كؤسسة بنكية.

ولفت درميش إلى أنه للأسف الشديد عندما توضع المرتبات لا يتم تقييم الوظائف وفق أصول الإدارة والتنظيم وإدارة الموارد البشرية التي تخلق العدالة وتراعي كل الظروف والمتغيرات، بل يوضع كل قطاع أو مؤسسة على حدة ضرباً عرض الحائط بنصوص الإعلان الدستوري المؤقت والأعراف والمواثيق التي تحفظ حقوق الإنسان في الحصول على دخل يتناسب مع المستوى العام للأسعار والتضخم.

وعن أساليب الاحتجاج، أقر درميش بأن المطالبة بالعدالة باستخدام أسلوب الإقفال والاعتصام لها تداعيات سلبية على تعطيل مصالح الناس وتأخير الدراسة وغيرها، ولكنها رد فعل على اختلالات معالجة الأجور.

وفيما يتعلق بأثر مبلغ المرتبات على بنود الميزانية العامة، أكد درميش أن هذا لا يمت للواقع بصلة، لأن ليبيا دولة تزخر بالموارد والأموال والإمكانيات وتحتاج إلى إدارة كفؤة فقط رغم حدة التجاذبات السياسية لتستطيع وضع جداول عادلة وتنفيذ مشاريع التنمية بارتياح وليس كما يدعي أصحاب الأفق الضيق، مضيفاً أنه يمتلك البراهين والأدلة والحجج لما يقول كباحث ومختص في الشأن الليبي.

وأوضح درميش أن الإنفاق الحكومي مطلوب بشرط وضع ضوابط له وفق أصول الإدارة المالية، والمرتبات لا تشكل عبئاً لأن المشكلة ناتجة عن إتباع الدولة الليبية سياسات انكماشية وتخفيض قيمة الدينار وفرض رسوم وضرائب وعدم توفير بيئة خصبة للمال والأعمال، إضافة إلى تداعيات الإقفالات والاضطرابات التي تكون الحكومة سبباً فيها لعدم معالجتها وفق أصول الإدارة مما يسبب ربكة وانخفاضاً في الدخل القومي الوارد من النفط.

واختتم الدكتور محمد يوسف درميش طرحه بالتأكيد على أن الإصلاح الاقتصادي يأتي بتوفير بيئة خصبة للمال والأعمال والقضاء على احتكار القلة من خلال تطوير القطاع البنكي لمواكبة الحداثة والقيام بدوره الحقيقي في التمويل والاستثمار، مع هيكلة القطاع العام وفق أصول الإدارة والتنظيم، والاستفادة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تمنح ليبيا ميزات التمويل كمنح بدون ترجيع، مشيراً إلى أن اتفاقيات مثل اتفاقية “تيكاد” مع اليابان منذ سنة 1992 لم تستفد منها ليبيا حتى فلس واحد، إضافة إلى الاتفاقية الليبية الإيطالية كمثال فقط، ومع تطور الفكر الاقتصادي والإدارة المالية أصبح التمويل والاستثمار مفتوحاً من كل مؤسسات العالم ويحتاج إلى إدارة كفؤة فقط للاستفادة من هذه الفرص، وبالمختصر المفيد كل ما يرويج له بعض الشخوص عن ليبيا بعيد كل البعد عن الواقع وقلب للحقائق، فليبيا دولة تملك موارد وأموال وإمكانيات تحتاج إلى إدارة كفؤة فقط بالرغم من حدة التجاذبات السياسية.

The post أقل من دخل لاجئ.. كيف تحولت مرتبات الليبيين إلى «إعانة بخسة»؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.