أكثر من 10 آلاف وفاة خلال أسبوع.. أوروبا في مواجهة صيفٍ قاتل

0
5

كشفت بيانات أوروبية رسمية عن حصيلة قاسية لموجة الحر القياسية التي ضربت غرب القارة في أواخر يونيو الماضي، بعدما سجلت الدول الأوروبية أكثر من 10 آلاف وفاة إضافية خلال أسبوع واحد فقط، بالتزامن مع اندلاع حرائق غابات واسعة في فرنسا وإسبانيا.

وأعادت هذه الأرقام تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تسببها التغيرات المناخية على صحة الإنسان والبيئة، في وقت تشهد فيه أوروبا ارتفاعًا متكررًا في درجات الحرارة وموجات حر أكثر شدة واستمرارًا.

وأظهرت بيانات شبكة “يورو مومو” الأوروبية لمراقبة الوفيات، المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنظمة الصحة العالمية، تسجيل نحو 10 آلاف و650 وفاة إضافية خلال الأسبوع الممتد بين 22 و28 يونيو، وهي الفترة التي وصلت خلالها موجة الحر إلى ذروتها في دول عدة بينها فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة.

وأوضحت الشبكة أن أكثر من 9 آلاف وفاة من إجمالي الحصيلة سجلت بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق، وهي الفئة الأكثر تعرضًا لمخاطر درجات الحرارة المرتفعة بسبب ضعف قدرة الجسم على تنظيم الحرارة وارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة مرتبطة بالقلب والرئتين.

وتشير الدراسات الطبية إلى أن موجات الحر لا تؤدي فقط إلى وفيات مباشرة بسبب ضربات الشمس والجفاف، بل تزيد أيضًا الضغط على الجهاز القلبي الوعائي، وتفاقم أمراض القلب والشرايين والجهاز التنفسي، خصوصًا لدى كبار السن والمرضى.

وقال لاسي فيسترغارد، كبير الأطباء في معهد “ستاتنس سيروم إنستيتوت” الدنماركي الذي يستضيف شبكة “يورو مومو”، إن تسجيل هذا الارتفاع الكبير في الوفيات خلال هذه الفترة من العام أمر غير معتاد، مؤكدًا أن الحرارة الشديدة هي التفسير الأكثر ترجيحًا لهذه الزيادة.

وأوضح فيسترغارد أن البيانات تشمل الوفيات الناتجة عن جميع الأسباب وليس فقط الحالات المصنفة رسميًا بأنها مرتبطة بالحرارة، مشيرًا إلى أن عدم وجود عوامل صحية أخرى واسعة النطاق، مثل تفشي وباء أو أزمة صحية مشابهة، يعزز ارتباط هذه الزيادة بموجة الحر.

وبحسب شبكة “يورو مومو”، جرى احتساب الوفيات الإضافية عبر مقارنة معدلات الوفاة خلال أسبوع الذروة الحرارية بمستويات الوفيات المعتادة خلال الأسابيع السابقة، إذ كان متوسط الوفيات في الدول المشمولة أقل بنحو 500 حالة أسبوعيًا خلال الأسابيع الثمانية السابقة لموجة الحر.

ولم تنشر الشبكة أرقام الوفيات الإضافية لكل دولة بشكل منفصل، لكنها أشارت إلى أن فرنسا وبلجيكا سجلتا مستويات “مرتفعة للغاية” من الوفيات خلال الأسبوع الأخير من يونيو.

وفي بلجيكا، أعلن معهد الصحة العامة “سيينسانو” أن معدل الوفيات الإضافية خلال موجة الحر الأخيرة كان الأعلى منذ بدء تسجيل هذه البيانات عام 2000، في مؤشر على شدة تأثير درجات الحرارة المرتفعة.

وتسببت موجة الحر في اضطرابات واسعة داخل عدة دول أوروبية، بعدما أدت إلى تحطيم أرقام قياسية في درجات الحرارة، وتعطيل بعض إمدادات الطاقة، وإغلاق مدارس، وفرض إجراءات احترازية لحماية السكان، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة.

حرائق ضخمة تضرب غابات أوروبا

وامتدت تداعيات موجة الحر إلى البيئة، بعدما اندلعت حرائق واسعة في مناطق مختلفة من القارة الأوروبية.

وفي فرنسا، اندلع حريق ضخم في غابة فونتينبلو التاريخية الواقعة جنوب العاصمة باريس، وسط ظروف جوية ساعدت على سرعة انتشار النيران.

والتهم الحريق نحو 800 هكتار من الأراضي الحرجية، ما دفع السلطات الفرنسية إلى إرسال نحو 400 عنصر إطفاء، إضافة إلى مروحيات وطائرات متخصصة في عمليات الإخماد.

كما أرسلت السلطات طائرتين من طراز “داش” من جنوب فرنسا للمشاركة في إخماد الحريق، في أول استخدام لهذا النوع من المعدات داخل منطقة العاصمة الفرنسية.

واضطرت السلطات إلى إخلاء سكان نحو 15 منزلًا كإجراء احترازي، فيما أغلقت أجزاء من الطريق السريع A6 الرابط بين باريس والمناطق الواقعة جنوب شرق فرنسا بسبب خطر النيران والدخان.

وشارك مزارعون محليون في عمليات مكافحة الحريق باستخدام جرارات مزودة بخزانات مياه، بينما أكدت فرق الإطفاء أن الدعم الجوي ساعد في تجنب عمليات إخلاء أوسع للمناطق السكنية المهددة.

وقال جوليان غوندار، رئيس بلدية فونتينبلو: “تلتهم النيران هذه المنطقة الاستثنائية، لم نرَ شيئًا كهذا من قبل. الغابة هشة وفي حالة حرجة”.

وأكد مسؤولو الإطفاء أن الحريق شديد الانتشار وواسع النطاق بشكل استثنائي، موضحين أن السيطرة الكاملة عليه ربما تحتاج إلى أيام أو أسابيع.

وتُعد غابة فونتينبلو من أهم المناطق الطبيعية والتاريخية في فرنسا، كما تضم قصر فونتينبلو المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

مأساة حرائق إسبانيا

وفي إسبانيا، تحولت حرائق الغابات إلى مأساة إنسانية بعدما قتل 12 شخصًا أثناء محاولتهم الفرار من حريق هائل اندلع جنوب البلاد، فيما بقي 23 شخصًا في عداد المفقودين.

وقال مسؤولون في إقليم الأندلس إن غالبية الضحايا من جنسيات أجنبية، مشيرين إلى أن بعض الأشخاص لقوا حتفهم داخل سياراتهم أثناء محاولة مغادرة المناطق المتضررة رغم التحذيرات.

وأوضح المسؤولون أن بعض الضحايا عثر عليهم داخل مركبات، بينما توفي آخرون بعدما تركوا سياراتهم وحاولوا الفرار سيرًا على الأقدام عبر مناطق غير مخصصة للإجلاء.

ووصف حاكم إقليم الأندلس الحريق بأنه من أسرع وأكثر الحرائق تعقيدًا التي شهدتها المنطقة، بعدما التهم نحو 3200 هكتار من الأراضي، وسط توقعات بزيادة صعوبة السيطرة عليه بسبب الرياح والجفاف.

ورجحت التحقيقات الأولية أن يكون سبب الحريق سقوط كابل كهرباء قرب الطريق، بينما نفت شركة الكهرباء المعنية أن يكون الكابل يحمل تيارًا كهربائيًا.

وتشير البيانات الأوروبية إلى احتراق نحو 57 ألف هكتار من الأراضي منذ بداية العام، في مؤشر على ارتفاع خطر حرائق الغابات مع زيادة درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي.

هذا ويرى علماء المناخ أن ما يحدث في أوروبا يمثل نموذجًا لما يمكن أن تواجهه مناطق أخرى حول العالم مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، إذ تتداخل الأزمات الصحية والبيئية لتشكّل تهديدًا مركبًا يبدأ بموجات حر شديدة وينتهي أحيانًا بحرائق واسعة وخسائر بشرية كبيرة.

وأكدت دراسات بريطانية أن نحو 2700 شخص توفوا لأسباب مرتبطة بالحرارة خلال موجات الحر التي ضربت إنجلترا وويلز في مايو ويونيو.

وأجريت الدراسة بالتعاون بين كلية إمبريال كوليدج لندن ومكتب الأرصاد الجوية البريطاني وكلية لندن للصحة الاستوائية وطبها، وخلص الباحثون إلى أن نحو 42% من تلك الوفيات ارتبطت بالارتفاع الإضافي في درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري.

وأشار العلماء إلى أن موجة الحر التي شهدتها أوروبا في نهاية يونيو كانت شبه مستحيلة الحدوث دون تأثيرات الاحتباس الحراري، الذي جعل موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة واستمرارًا.

ويحذر خبراء المناخ من أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالميًا سيزيد مخاطر الوفيات المرتبطة بالحر، خصوصًا في المدن الكبرى التي تعاني من ظاهرة “الجزر الحرارية”، حيث تحتفظ المباني والطرق الإسفلتية بالحرارة لفترات طويلة.

وتدعو المؤسسات الصحية والبيئية إلى تعزيز خطط مواجهة موجات الحر، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، إضافة إلى تسريع الجهود العالمية للحد من آثار تغير المناخ.

The post أكثر من 10 آلاف وفاة خلال أسبوع.. أوروبا في مواجهة صيفٍ قاتل appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.