الأمن الغذائي في ليبيا.. إحدى تداعيات الأزمة الليبية

0
5

أكتب هذا المقال بصفتي إعلاميًا متابعًا للشأن العام، ومن خلال سنوات طويلة من تناول قضايا الزراعة والبيئة والمياه والصحة العامة، وليس بصفتي متخصصًا في هذه المجالات، وإنما انطلاقًا من مسؤولية الإعلام في إثارة القضايا التي تمس حياة المواطن، وفتح المجال أمام المختصين وصناع القرار للبحث عن الحلول.

عندما نتحدث عن الأمن الغذائي في ليبيا، فإن القضية لا تقتصر على توفير الغذاء أو استيراده، بل تبدأ بالسؤال عن سلامته وجودته، ومدى خضوعه للرقابة، سواء كان منتجًا محليًا أو مستوردًا.

فما قيمة زيادة الإنتاج إذا كانت بعض المحاصيل تُزرع باستخدام مبيدات محظورة أو تُستعمل فيها مواد كيميائية بصورة غير آمنة؟ وما قيمة الاستيراد إذا لم تخضع الأغذية واللحوم والأدوية البيطرية والزراعية للرقابة والفحص وفق المعايير الصحية؟

إن الأمن الغذائي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن المائي، لأن الزراعة لا يمكن أن تستمر دون إدارة رشيدة للموارد المائية، خاصة في ليبيا التي تعتمد بصورة رئيسية على المياه الجوفية. ولذلك فإن استنزاف المياه، أو التوسع في زراعات لا تتناسب مع طبيعة البلاد، يمثل تحديًا لا يقل خطورة عن نقص الغذاء نفسه.

كما أن ضعف الإرشاد الزراعي، وتراجع الخدمات المقدمة للمزارعين، والانقطاعات المتكررة للكهرباء التي تؤثر في تشغيل الآبار وأنظمة الري، كلها عوامل تنعكس على الإنتاج الزراعي وجودته واستدامته.

ومن القضايا التي تستحق الاهتمام أيضًا، الرقابة على الأسواق والمنافذ، لمنع دخول المبيدات المحظورة، أو الأدوية غير المطابقة للمواصفات، أو المنتجات الغذائية التي قد تشكل خطرًا على صحة المستهلك.

وفي هذا الإطار، فإن الجهود التي يبذلها النائب العام في متابعة ملف المبيدات الزراعية المحظورة تمثل خطوة مهمة في حماية الصحة العامة، لكنها تحتاج إلى أن تتكامل مع دور الأجهزة الرقابية، ووزارات الزراعة والصحة والاقتصاد والبيئة، حتى تتحول الرقابة إلى منظومة مستمرة، لا إلى إجراءات مرتبطة بوقائع محددة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استفادت ليبيا من جامعاتها وكلياتها الزراعية، ومعاهدها المتخصصة، ومراكز بحوثها، في وضع سياسات علمية لحماية الأمن الغذائي والمائي؟ أم أن نتائج البحوث لا تزال بعيدة عن التطبيق؟

إن الحديث عن الأمن الغذائي لا ينبغي أن يكون موسميًا أو مرتبطًا بالأزمات، بل يجب أن يكون مشروعًا وطنيًا دائمًا، لأن صحة المواطن تبدأ من غذائه، والغذاء يبدأ من الأرض والمياه، ونجاح ذلك كله يعتمد على الإدارة الرشيدة، والرقابة الفاعلة، والبحث العلمي، وتطبيق القانون.

فالغذاء الآمن ليس ترفًا، بل حق لكل مواطن، وهو في الوقت نفسه أحد أهم مرتكزات الأمن القومي والاستقرار والتنمية في ليبيا.

The post الأمن الغذائي في ليبيا.. إحدى تداعيات الأزمة الليبية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.