في السنوات الأخيرة، لم يعد الجوز مجرد نوع من المكسرات، بل تحول إلى محور اهتمام علمي واسع داخل أبحاث التغذية والطب الوقائي، بعد أن كشفت دراسات سريرية ومراجعات علمية أن تناوله المنتظم يرتبط بتحسينات ملموسة في صحة القلب والدماغ وتقليل عوامل الخطر للأمراض المزمنة، ما دفع خبراء التغذية إلى تصنيفه ضمن أبرز الأغذية الوظيفية في النظام الغذائي الحديث.
الجوز وتركيبته الفريدة… سر التأثير الصحي
يؤكد باحثون في علوم التغذية أن القيمة الاستثنائية للجوز تعود إلى تركيبته الغنية، فهو يحتوي على أعلى نسبة من الأحماض الدهنية النباتية أوميغا 3 (ALA) مقارنة بالمكسرات الأخرى، إلى جانب البوليفينولات ومضادات الأكسدة، والمغنيسيوم، والبروتين النباتي، والألياف الغذائية.
وتوضح مراجعات علمية منشورة في مجلات تغذية وقلب أن هذا المزيج يخلق تأثيرًا تراكميًا على الجسم، خصوصًا في تقليل الالتهابات وتحسين وظائف الأوعية الدموية وتنظيم الدهون في الدم.
القلب… الأدلة الأقوى علميًا
تشير مراجعة علمية نُشرت في دوريات التغذية السريرية إلى أن تناول الجوز بشكل منتظم يرتبط بانخفاض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) وتحسن مرونة الشرايين، وهو ما يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية.
كما أظهرت دراسة واسعة ضمن تحليلات “التجارب العشوائية المحكمة” أن إدخال الجوز ضمن النظام الغذائي اليومي يؤدي إلى خفض ملحوظ في الدهون الثلاثية وتحسين توازن الدهون في الدم، وهو ما أكده عدد من أطباء القلب باعتباره تأثيرًا غذائيًا مباشرًا وليس ثانويًا.
ويشير خبراء جمعية القلب الأمريكية إلى أن المكسرات، وعلى رأسها الجوز، تعد جزءًا من النمط الغذائي القلبي الصحي، نظرًا لقدرتها على تقليل الالتهاب المزمن الذي يُعد أحد أبرز أسباب أمراض القلب.
الدماغ والذاكرة… علاقة غذائية مثيرة للاهتمام
في مجال علوم الأعصاب، يحظى الجوز باهتمام متزايد بسبب تركيبته الدهنية الفريدة التي تشبه إلى حد كبير الدهون الموجودة في أغشية خلايا الدماغ.
دراسات منشورة في أبحاث علم الشيخوخة والتغذية العصبية تشير إلى أن استهلاك الجوز يرتبط بتحسن الأداء المعرفي والذاكرة، إضافة إلى دور محتمل في إبطاء التدهور الإدراكي المرتبط بالتقدم في العمر.
ويفسر باحثون هذا التأثير بوجود مزيج من أوميغا 3 النباتية ومضادات الأكسدة التي تقلل من الإجهاد التأكسدي في الدماغ، وهو عامل رئيسي في شيخوخة الخلايا العصبية.
خبراء التغذية العصبية يصفون الجوز بأنه “غذاء داعم للدماغ” وليس مجرد عنصر غذائي، نظرًا لتأثيره التراكمي طويل المدى.
الالتهابات المزمنة… عامل الخطر الصامت
تؤكد دراسات حديثة في علم المناعة الغذائية أن الجوز يمتلك خصائص مضادة للالتهاب، ترتبط بشكل مباشر بتقليل مؤشرات الالتهاب المزمن في الجسم.
ويعتبر الالتهاب المزمن عاملًا مشتركًا في العديد من الأمراض مثل السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب، وبعض أنواع السرطان، ما يجعل أي غذاء مضاد للالتهاب ذا قيمة وقائية عالية.
وتشير مراجعات علمية إلى أن البوليفينولات الموجودة في الجوز تساهم في تقليل الإجهاد التأكسدي، وهو ما يدعمه عدد من الباحثين في علم التغذية الوقائي.
الميكروبيوم… تأثير غير متوقع في الأمعاء
واحدة من أكثر النتائج العلمية الحديثة إثارة هي تأثير الجوز على بكتيريا الأمعاء النافعة.
دراسات نُشرت في مجلات متخصصة في الميكروبيوم تشير إلى أن تناول الجوز يغيّر تركيبة البكتيريا المعوية نحو نمط أكثر تنوعًا وصحة، وهو ما ينعكس على المناعة والهضم وحتى الحالة النفسية.
خبراء الجهاز الهضمي يؤكدون أن هذا التأثير يعود إلى الألياف والبوليفينولات التي تغذي البكتيريا النافعة وتساعد على توازن البيئة المعوية.
الوزن والشهية… مفارقة علمية
رغم احتوائه على سعرات حرارية مرتفعة نسبيًا، إلا أن دراسات التغذية السريرية تشير إلى أن الجوز لا يؤدي إلى زيادة الوزن عند تناوله باعتدال، بل قد يساعد في التحكم به.
السبب العلمي يعود إلى تأثيره في زيادة الإحساس بالشبع، وتنظيم هرمونات الشهية، وتحسين استقرار السكر في الدم، ما يقلل من نوبات الجوع المفاجئة.
خبراء التغذية يصفون هذا التأثير بأنه “سعرات ذكية” تختلف عن السعرات الفارغة الموجودة في الأطعمة المصنعة.
دراسات طويلة المدى… نتائج أكثر قوة
في واحدة من أبرز الدراسات طويلة المدى التي تابعت أنماط الغذاء لدى عشرات الآلاف من الأشخاص، تبين أن تناول المكسرات، وخاصة الجوز، يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة المبكرة مقارنة بغير المتناولين.
كما أظهرت تحليلات تجميعية أن الفائدة تظهر بشكل أكبر عند الاستهلاك المنتظم بكمية صغيرة يوميًا، وليس بكميات كبيرة متقطعة.
ووفقًا لخبراء التغذية وأحدث المراجعات العلمية، لا يُنظر إلى الجوز اليوم كمجرد مكسرات، بل كغذاء وظيفي متعدد التأثيرات، يدعم القلب، ويعزز صحة الدماغ، ويحسن التوازن الأيضي، ويقوي المناعة، ويؤثر إيجابيًا على ميكروبيوم الأمعاء.
وتجمع الأدلة البحثية على أن حفنة يومية صغيرة منه تكفي لإحداث تأثير صحي قابل للقياس على المدى الطويل، ضمن نمط غذائي متوازن، ما يجعله أحد أكثر الأطعمة الطبيعية كثافة بالفائدة مقابل حجمه الصغير.
The post الجوز «كنز غذائي».. ماذا يفعل بالجسم؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
