تواصل السياحة التونسية تسجيل أداء إيجابي خلال عام 2026، في مشهد يبدو لافتاً بالنظر إلى الضغوط التي تواجهها البلاد منذ بداية الصيف، وفي مقدمتها انقطاعات الكهرباء ومياه الشرب ونقص المياه المعدنية في عدد من المناطق.
وحتى نهاية يوليو الماضي، استقبلت تونس نحو 5.93 مليون سائح، بزيادة قدرها 2.6 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تراهن السلطات على تجاوز 12 مليون زائر بنهاية السنة، بعد أن تخطى عدد الوافدين 11 مليوناً خلال 2025.
وتعكس هذه الأرقام استمرار تعافي القطاع السياحي، الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في تونس، كما يستفيد من استمرار تدفق الزوار من الأسواق المغاربية، وفي مقدمتها الجزائر وليبيا، إلى جانب تحسن عدد من الأسواق الأوروبية والدولية.
غير أن قوة الأرقام السياحية تتزامن مع صيف استثنائي من حيث الضغط على الخدمات الأساسية.
فمنذ مطلع يوليو، سجلت تونس موجات حر شديدة قاربت خلالها درجات الحرارة 50 درجة مئوية في بعض المناطق، ما أدى إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه بصورة كبيرة، وأعاد إلى الواجهة مشكلات تتعلق بقدرة شبكات الطاقة والمياه على استيعاب الطلب خلال فترات الذروة.
وخلال الأسابيع الماضية، أعلنت الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن انقطاعات دورية للتيار في عدد من المناطق، بما فيها إقليم تونس الكبرى، في إطار إجراءات قالت إنها تهدف إلى تخفيف الضغط على الشبكة والمحافظة على توازن منظومة الإنتاج والاستهلاك.
وفي بعض المدن والقرى، امتدت الانقطاعات لساعات طويلة، بالتزامن مع اضطرابات في إمدادات مياه الشرب، وهو ما انعكس بدوره على الأسواق، حيث شهدت قوارير المياه المعدنية نقصاً ملحوظاً وارتفاعاً في الطلب، خصوصاً خلال الأيام التي سجلت أعلى درجات الحرارة.
وأظهرت صور ومقاطع متداولة إقبالاً كثيفاً على شراء المياه فور توفرها في بعض المساحات التجارية، في حين لجأت متاجر إلى تحديد الكميات التي يمكن لكل زبون شراؤها.
ومع اتساع رقعة الأزمة، انتقل الملف من مستوى الخدمات اليومية إلى واجهة النقاش السياسي.
الرئيس التونسي قيس سعيّد اعتبر أن بعض حالات انقطاع المياه والكهرباء لا يمكن تفسيرها باعتبارها أعطالاً عادية فحسب، وقال عقب اجتماع ضم رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري وعدداً من الوزراء ومسؤولي مؤسسات الكهرباء والمياه إن الأبحاث أظهرت، بحسب الرئاسة، وجود «أعمال مدبّرة» في عدد من المناطق.
وتحدث سعيّد عن محاولات تهدف إلى «تأجيج الأوضاع»، معتبراً أن تكرار الانقطاعات وطول مدتها في بعض المناطق لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أحداث معزولة.
وفي المقابل، لم تعلن السلطات حتى الآن تفاصيل كافية بشأن الجهات التي يُشتبه في وقوفها وراء تلك الأعمال أو طبيعتها، فيما يظل ارتفاع درجات الحرارة والاستهلاك عاملاً رئيسياً في تفسير جزء مهم من الضغوط التي تتعرض لها الشبكات.
وبعيداً عن الجدل السياسي، فإن المفارقة التي يكشف عنها صيف 2026 تتعلق بقدرة تونس على الحفاظ على زخمها السياحي في مقابل الضغط المتزايد على بنيتها التحتية.
فالقطاع السياحي يواصل جذب ملايين الزوار، ويستفيد بصورة خاصة من القرب الجغرافي مع ليبيا والجزائر، إذ تمثل الحركة البرية عبر الحدود عنصراً مهماً في النشاط السياحي والتجاري خلال فصل الصيف.
وبالنسبة إلى ليبيا، تكتسب التطورات في تونس أهمية خاصة، بالنظر إلى حجم حركة السفر بين البلدين واعتماد أعداد كبيرة من الليبيين على المدن التونسية لأغراض السياحة والعلاج والتجارة والإقامة المؤقتة.
وحتى الآن، لا تظهر الأرقام الرسمية تأثيراً جوهرياً للأزمة الخدمية على حركة الوافدين، فيما تواصل الفنادق والمنتجعات في أبرز المناطق السياحية استقبال أعداد كبيرة من الزوار.
لكن استمرار الضغط على الكهرباء والمياه، أو اتساع نطاق الانقطاعات خلال المواسم المقبلة، قد يفرض على السلطات تحدياً يتجاوز إدارة موسم سياحي ناجح إلى مسألة أكثر تعقيداً: مدى قدرة البنية التحتية على مواكبة النمو في أعداد الزوار.
وبذلك، لا يبدو التحدي التونسي خلال ما تبقى من العام محصوراً في الوصول إلى رقم 12 مليون سائح بقدر ما يتعلق بالحفاظ على جودة الخدمات واستقرارها.
فالأرقام تشير إلى أن السياحة ما تزال في مسار تصاعدي، لكن تجربة صيف 2026 أظهرت في الوقت ذاته أن نجاح الموسم السياحي لا يقاس بعدد الوافدين والعائدات فقط، وإنما أيضاً بقدرة المدن والخدمات الأساسية على استيعاب هذا النجاح.
The post السياحة التونسية تصعد رغم أزمة الكهرباء والمياه appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
