الشاي والقهوة.. كيف يؤثران في امتصاص «الحديد»؟

0
2

يحتاج الجسم إلى الحديد لصناعة الهيموغلوبين، وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء والمسؤول عن نقل الأكسجين إلى أنحاء الجسم، كما يدخل الحديد في إنتاج الطاقة ووظائف الخلايا والجهاز العصبي، لكن الحصول على كمية كافية منه لا يعتمد فقط على اختيار الأطعمة الغنية بالحديد، لأن الجسم لا يمتص جميع أشكال الحديد بالكفاءة نفسها.

ويصنف الحديد الموجود في الطعام إلى نوعين، الحديد الهيمي الموجود أساسًا في اللحوم والأسماك والمأكولات البحرية، والحديد غير الهيمي الموجود في البقوليات والحبوب والمكسرات والبذور والخضروات، ووفق المعهد الوطني للصحة فإن الحديد الهيمي يتمتع بتوافر حيوي أعلى، بينما يتأثر امتصاص الحديد غير الهيمي بدرجة أكبر بمكونات الوجبة الأخرى.

وتأتي المحار والمأكولات البحرية ضمن أغنى المصادر الغذائية بالحديد، وتوضح بيانات المعهد الوطني للصحة أن نحو 85 غرامًا من المحار المطهو توفر قرابة 8 ملغم من الحديد، وهي كمية مرتفعة بالنسبة لحجم الحصة، كما توفر المأكولات البحرية في الوقت نفسه البروتين وعددًا من العناصر الغذائية الأخرى.

وتعد اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك من المصادر المهمة أيضًا، لأنها تحتوي على الحديد الهيمي إلى جانب الحديد غير الهيمي، وتذكر بيانات المعهد الوطني للصحة أن اللحوم والمأكولات البحرية والدواجن من أغنى المصادر الطبيعية للحديد الهيمي، ولذلك يكون امتصاص الحديد منها عادة أفضل من الحديد الموجود في معظم المصادر النباتية.

أما لمن يعتمدون على النظام النباتي، فهناك مصادر مهمة مثل العدس والفاصوليا والحمص والبازلاء، إضافة إلى المكسرات والبذور والخضروات الورقية، وتدرج منظمة الصحة العالمية هذه الأطعمة ضمن المصادر التي يمكن الاعتماد عليها للحصول على الحديد، لكن لأنها توفر الحديد غير الهيمي، تصبح طريقة تناولها مهمة لتعزيز استفادة الجسم منها.

ومن الخيارات التي قد توفر كميات كبيرة من الحديد حبوب الإفطار والخبز ومنتجات الحبوب المدعمة بالحديد، ووفق المعهد الوطني للصحة يمكن لبعض حبوب الإفطار المدعمة أن توفر نحو 18 ملغم من الحديد في الحصة، لذلك فإن قراءة الملصق الغذائي قد تكشف فرقًا كبيرًا بين منتج وآخر.

لكن كمية الحديد المكتوبة على العبوة ليست القصة كاملة، فقد أظهرت مراجعة منهجية نُشرت في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية وشملت 19 دراسة أن امتصاص الحديد غير الهيمي يختلف بدرجة واسعة بحسب مخزون الحديد في الجسم وتركيب الوجبة، وتراوحت نسبة الامتصاص المقدرة في الدراسات بين أقل من 1% وأكثر من 20%، وهو ما يوضح لماذا يمكن لشخصين تناول الوجبة نفسها والاستفادة من الحديد الموجود فيها بدرجات مختلفة.

وهنا يأتي فيتامين C كأحد أهم العوامل التي تساعد على امتصاص الحديد النباتي، ويؤكد المعهد الوطني للصحة أن فيتامين C يحسن امتصاص الحديد غير الهيمي، لذلك فإن إضافة الفلفل الحلو أو الطماطم أو الحمضيات أو الفراولة إلى وجبة تحتوي على العدس أو الفاصوليا يمكن أن تكون طريقة بسيطة لزيادة الاستفادة من الحديد.

وتدعم المراجعة المنهجية الخاصة بامتصاص الحديد هذه الفكرة، إذ وجدت أن امتصاص الحديد من الأنظمة الغذائية كان أعلى عندما احتوت الوجبة على عوامل تساعد على الامتصاص، كما أن تأثير هذه العوامل كان أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين لديهم مخزون حديد منخفض، ولذلك تصبح طريقة تركيب الوجبة أكثر أهمية عند الأشخاص المعرضين لنقص الحديد.

وفي المقابل، يمكن لبعض المشروبات والأطعمة أن تقلل امتصاص الحديد غير الهيمي، وأبرزها الشاي والقهوة بسبب مركبات البوليفينول، وقد أوضحت مراجعات علمية لامتصاص الحديد أن تناول الشاي أو القهوة مع الوجبة يمكن أن يحد من امتصاص الحديد، ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية الأشخاص المعرضين لنقص الحديد بتجنب هذه المشروبات أثناء تناول الوجبات الغنية بالحديد.

ولا يعني ذلك أن الشاي أو القهوة ممنوعان، لكن توقيتهما قد يكون مهمًا عند وجود نقص في الحديد، ويمكن ببساطة تناولهما بعيدًا عن الوجبة بدل شربهما معها، كما يمكن الجمع بين مصادر الحديد النباتية والأطعمة الغنية بفيتامين C لتقليل أثر بعض العوامل التي تعيق الامتصاص.

وتختلف حاجة الجسم إلى الحديد حسب العمر والجنس والحالة الفسيولوجية، ووفق المعهد الوطني للصحة يحتاج الرجال البالغون إلى نحو 8 ملغم يوميًا، بينما تحتاج النساء بين 19 و50 عامًا إلى نحو 18 ملغم، وترتفع الاحتياجات أثناء الحمل إلى نحو 27 ملغم يوميًا، ولهذا تكون النساء في سن الإنجاب والحوامل من الفئات التي تحتاج إلى اهتمام أكبر بالحصول على كمية كافية من الحديد.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نقص الحديد هو أحد أكثر الأسباب الغذائية شيوعًا لفقر الدم، وأن المشكلة لا ترتبط دائمًا بقلة تناول الحديد، فقد تحدث بسبب فقدان الدم أو ضعف امتصاص العناصر الغذائية أو زيادة الاحتياجات خلال الحمل أو بعض الأمراض والحالات المزمنة، ولذلك فإن اكتشاف فقر الدم لا يعني تلقائيًا أن الحل هو تناول المزيد من الأطعمة الغنية بالحديد فقط.

ومن العلامات التي قد تظهر مع فقر الدم التعب والضعف والدوخة وضيق النفس، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه الأعراض قد تكون مرتبطة بالأنيميا، لكنها ليست كافية وحدها لتحديد السبب، ولذلك يعتمد التشخيص على التقييم الطبي والفحوص المناسبة.

ويعد الفيريتين من أهم المؤشرات المستخدمة لتقييم مخزون الحديد، وتوصي منظمة الصحة العالمية باستخدام تركيز الفيريتين للمساعدة في تشخيص نقص الحديد لدى الأشخاص الأصحاء ظاهريًا، مع ضرورة تفسير النتيجة في سياق الالتهابات والأمراض المزمنة، لأن بعض الحالات يمكن أن ترفع مستوى الفيريتين رغم وجود مشكلة في توفر الحديد.

ولهذا لا يُنصح بتناول مكملات الحديد بجرعات عالية لمجرد الشعور بالتعب أو بهدف الوقاية من النقص من دون معرفة الحاجة الفعلية، فزيادة الحديد ليست مفيدة بالضرورة، كما أن مكملات الحديد قد تسبب أعراضًا مثل الغثيان والإمساك وآلام البطن، بينما يحتاج الشخص المصاب بنقص حقيقي إلى معرفة السبب والجرعة المناسبة للعلاج.

وإذا أردت زيادة الحديد من الطعام، فالأمر لا يحتاج إلى تعقيد، يمكن تناول العدس مع الطماطم والليمون، أو الفاصوليا مع الفلفل الحلو، أو الحبوب المدعمة بالحديد مع فاكهة غنية بفيتامين C، كما يمكن تناول اللحوم أو الأسماك إلى جانب مصادر نباتية للحديد، مع ترك الشاي والقهوة إلى وقت آخر بعيدًا عن الوجبة.

والخلاصة أن أغنى الأطعمة بالحديد تشمل المحار والمأكولات البحرية واللحوم والدواجن، إضافة إلى الحبوب المدعمة والعدس والفاصوليا والحمص والبذور والمكسرات والخضروات الورقية، لكن كمية الحديد ليست العامل الوحيد، فالحديد الهيمي يمتصه الجسم بكفاءة أعلى، بينما يمكن تحسين الاستفادة من الحديد النباتي بإضافة فيتامين C إلى الوجبة والابتعاد عن الشاي والقهوة وقت تناولها.

والأهم أن نقص الحديد ليس مجرد مشكلة غذائية دائمًا، فقد يكون وراءه فقدان دم أو مشكلة في الامتصاص أو زيادة في الاحتياجات، ولذلك فإن ظهور أعراض مستمرة مثل التعب والدوخة وضيق النفس أو اكتشاف انخفاض الهيموغلوبين أو الفيريتين يستحق التقييم الطبي، بدل الاكتفاء بتغيير النظام الغذائي أو تناول مكملات الحديد من دون تشخيص.

The post الشاي والقهوة.. كيف يؤثران في امتصاص «الحديد»؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.