الهجمات السيبرانية المدعومة بـ«الذكاء الاصطناعي».. كيف تحمي بياناتك؟

0
2

لم تعد الهجمات السيبرانية تعتمد على رسائل عشوائية أو محاولات اختراق تقليدية يسهل اكتشافها، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي للمهاجمين صياغة رسائل أكثر إقناعًا، وتقليد الأصوات والوجوه، وتحليل المعلومات المتاحة عن الأفراد والمؤسسات لتصميم هجمات تستهدف نقاط ضعف محددة.

وتحذر جهات متخصصة في الأمن السيبراني من أن هذه التقنيات تزيد قدرة المهاجمين على تنفيذ عمليات التصيد وانتحال الهوية، ما يجعل التحقق من هوية المرسل، وتأمين الحسابات، وتحديث الأنظمة، والاستعداد للحوادث من أبرز وسائل الحد من المخاطر.

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة الهجمات السيبرانية؟

يستفيد المهاجمون من أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد رسائل لغوية سليمة ومخصصة لكل ضحية، بدلًا من الرسائل المليئة بالأخطاء التي كانت تساعد المستخدمين على اكتشاف الاحتيال.

ووفقًا لتقييم التهديدات السيبرانية للفترة 2025–2026 الصادر عن المركز الكندي للأمن السيبراني، يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين أساليب التصيد، بما يشمل زيادة القدرة على تخصيص الرسائل، إلى جانب استخدام تقنيات التزييف العميق لانتحال شخصيات معروفة أو موثوقة.

وتعني هذه التطورات أن الرسالة المكتوبة بلغة سليمة، أو المكالمة التي يبدو فيها صوت المدير أو أحد أفراد الأسرة مألوفًا، لم تعد دليلًا كافيًا على أن التواصل حقيقي.

التصيد الاحتيالي.. لا تثق في الرسالة لمجرد أنها تبدو مقنعة

تستهدف رسائل التصيد دفع المستخدم إلى الكشف عن كلمة مرور، أو بيانات مصرفية، أو رمز تحقق، أو فتح رابط يقوده إلى موقع مزيف.

وقد تأتي هذه الرسائل في صورة إشعار من بنك، أو طلب عاجل من مسؤول في العمل، أو تنبيه بشأن حساب إلكتروني، أو رسالة تزعم وجود مشكلة تستوجب تحديث البيانات فورًا.

وينصح المركز الكندي للأمن السيبراني بالتعامل بحذر مع الرسائل غير المتوقعة، وفحص عنوان المرسل والرابط، وتجنب فتح المرفقات المشبوهة، وعدم مشاركة المعلومات الحساسة استجابة لطلب يصل عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية.

وتشدد إرشادات المركز الخاصة بالتعرف على هجمات التصيد وتجنبها على ضرورة التحقق من الطلب عبر قناة اتصال مستقلة، بدلًا من الاعتماد على بيانات التواصل الواردة في الرسالة نفسها.

التزييف العميق.. عندما لا يكون الصوت أو الفيديو دليلًا كافيًا

أصبح من الممكن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد تسجيلات صوتية أو مرئية تحاكي أشخاصًا حقيقيين، وهو ما يفتح المجال لمحاولات انتحال الهوية وطلب الأموال أو المعلومات السرية.

وقد يتلقى موظف اتصالًا يبدو أنه صادر عن مديره يطلب تحويلًا ماليًا عاجلًا، أو يتلقى أحد أفراد الأسرة مكالمة بصوت قريب له يطلب المساعدة المالية.

وفي مثل هذه الحالات، لا ينبغي الاعتماد على الصوت أو الصورة وحدهما لتأكيد هوية المتصل، بل يجب إنهاء التواصل والتحقق من الطلب من خلال رقم معروف مسبقًا، أو الاتصال بالشخص المعني عبر قناة مستقلة، أو استخدام كلمة تحقق متفق عليها مسبقًا.

ويوصي المركز الكندي للأمن السيبراني، ضمن إجراءاته المتعلقة بأمن الذكاء الاصطناعي، بالتحقق المستقل من الطلبات الحساسة، خصوصًا عندما تتعلق بتحويل الأموال أو الوصول إلى الأنظمة أو الإفصاح عن معلومات سرية.

وتزداد أهمية هذه الخطوة في المؤسسات التي تنفذ مدفوعات مالية أو تتعامل مع بيانات العملاء، إذ ينبغي ألا يعتمد اعتماد العمليات الحساسة على رسالة أو مكالمة واحدة.

المصادقة متعددة العوامل.. طبقة إضافية لحماية الحسابات

لا تكفي كلمة المرور وحدها لحماية الحسابات، خاصة إذا تمكن المهاجم من سرقتها عبر التصيد أو تسريب البيانات.

وتضيف المصادقة متعددة العوامل خطوة تحقق أخرى إلى جانب كلمة المرور، مثل مفتاح أمان أو وسيلة تحقق إضافية، ما يصعّب الوصول غير المصرح به حتى عند معرفة كلمة المرور.

وتوصي إرشادات المركز الكندي للأمن السيبراني باستخدام المصادقة متعددة العوامل، مع تفضيل الأساليب المقاومة للتصيد عندما تكون متاحة، بدلًا من الاعتماد على رموز يسهل خداع المستخدم للحصول عليها.

كما ينبغي عدم مشاركة رموز التحقق مع أي شخص، وعدم الموافقة على طلبات تسجيل دخول لم يبدأها المستخدم بنفسه، لأن تكرار إشعارات المصادقة غير المتوقعة قد يشير إلى محاولة للوصول إلى الحساب.

تحديث البرامج وسد الثغرات قبل استغلالها

تظل الأنظمة والتطبيقات غير المحدثة من نقاط الضعف التي يمكن أن يستغلها المهاجمون للوصول إلى الأجهزة والشبكات.

وفي إرشاداتها المنشورة في 6 يوليو 2026 بشأن الدفاع عن المؤسسات من الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يوصي المركز الأسترالي للأمن السيبراني بتحديث الأنظمة والبرامج، وتعزيز الإعدادات الأمنية، وتقليص الصلاحيات، وتقسيم الشبكات، ومراقبة الأنشطة الرقمية.

وتشمل الخطوات العملية تثبيت التحديثات الأمنية فور توفرها، وإزالة التطبيقات التي لم تعد مستخدمة، وتغيير كلمات المرور الافتراضية، وتعطيل الخدمات غير الضرورية، ومراجعة الأجهزة المتصلة بالشبكة.

ولا يقتصر التحديث على الحواسيب والهواتف، بل يشمل أجهزة التوجيه الشبكية، والخوادم، والتطبيقات السحابية، وأي جهاز أو خدمة تتصل بالأنظمة الداخلية للمؤسسة.

كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب

يمكن أن يؤدي استخدام كلمة المرور نفسها في مواقع متعددة إلى تعريض حسابات أخرى للخطر إذا سُرقت بيانات الدخول من إحدى الخدمات.

وللحد من ذلك، ينبغي استخدام كلمات مرور طويلة وفريدة لكل حساب، والاستعانة بمدير كلمات مرور موثوق عند الحاجة، وتغيير بيانات الدخول فور الاشتباه في تعرضها للاختراق.

ومن الأفضل أيضًا تفعيل المصادقة متعددة العوامل للحسابات المهمة، خصوصًا البريد الإلكتروني والخدمات المصرفية والحسابات التي تتيح إعادة تعيين كلمات المرور لخدمات أخرى.

ويمثل البريد الإلكتروني هدفًا مهمًا للمهاجمين، لأن السيطرة عليه قد تمنحهم فرصة إعادة تعيين كلمات مرور حسابات مرتبطة به أو انتحال هوية صاحبه.

قلّل المعلومات الشخصية المنشورة على الإنترنت

قد تساعد المعلومات المنشورة علنًا في إعداد رسائل احتيالية تبدو شخصية وموثوقة، إذ يمكن استغلال المسمى الوظيفي، وأسماء الزملاء، ومعلومات السفر، والتفاصيل المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي لبناء سيناريو مقنع.

ولذلك، من المفيد مراجعة إعدادات الخصوصية، وتجنب نشر تفاصيل غير ضرورية عن العمل أو الروتين اليومي، وعدم مشاركة معلومات داخلية عن المؤسسة أو إجراءاتها الأمنية.

كما ينبغي توخي الحذر عند نشر صور الوثائق أو بطاقات العمل أو الشاشات التي قد تحتوي على عناوين بريد إلكتروني أو أرقام تعريف أو معلومات تشغيلية.

ولا يعني ذلك الامتناع عن استخدام منصات التواصل، بل تقليل البيانات التي يمكن جمعها وربطها ببعضها لاستهداف المستخدم أو الأشخاص المحيطين به.

تأمين شبكة المنزل والعمل

تبدأ حماية الأجهزة المتصلة بالإنترنت من تأمين شبكة الاتصال نفسها، من خلال تغيير كلمة المرور الافتراضية لجهاز التوجيه، واستخدام إعدادات تشفير حديثة، وتحديث البرنامج الثابت للجهاز، وتعطيل الإدارة عن بُعد إذا لم تكن ضرورية.

وفي المؤسسات، ينبغي فصل الشبكات والأنظمة وفقًا لوظيفتها وحساسية البيانات التي تتعامل معها، بحيث لا يؤدي اختراق جهاز واحد إلى منح المهاجم وصولًا واسعًا إلى بقية الأنظمة.

ويؤكد المركز الأسترالي للأمن السيبراني أهمية تقليص الصلاحيات وتقسيم الشبكات وتعزيز الإعدادات الأمنية ضمن وسائل الدفاع ضد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتساعد هذه الإجراءات في الحد من نطاق الضرر إذا نجح المهاجم في الوصول إلى أحد الأجهزة أو الحسابات.

النسخ الاحتياطي.. وسيلة لتقليل أثر الهجمات

يمكن أن تؤدي الهجمات إلى تشفير الملفات أو حذفها أو تعطيل الوصول إليها، كما يحدث في هجمات برامج الفدية.

ولهذا، ينبغي الاحتفاظ بنسخ احتياطية منتظمة من البيانات المهمة، مع فصل نسخة منها عن الأجهزة والشبكات المستخدمة يوميًا، وحمايتها من الوصول غير المصرح به.

ولا يكفي إنشاء النسخ الاحتياطية وحده، بل يجب اختبار استعادتها دوريًا للتأكد من سلامتها وإمكانية استخدامها عند الحاجة.

وتحتاج المؤسسات إلى تحديد البيانات والأنظمة الأكثر أهمية، وترتيب أولويات استعادتها، ووضع إجراءات واضحة لاستمرار العمل في حال تعرضت الأنظمة الرئيسية للتعطيل.

تدريب الموظفين على اكتشاف الهجمات الجديدة

تظل الأخطاء البشرية من المسارات التي يستغلها المهاجمون للوصول إلى الأنظمة، ويمكن أن تزيد الرسائل المخصصة والتزييف العميق صعوبة التمييز بين الطلب الحقيقي والمزيف.

وينبغي أن يشمل التدريب كيفية التحقق من هوية المرسل، والتعامل مع الروابط والمرفقات، والتبليغ عن الرسائل المشبوهة، والتأكد من الطلبات المالية أو الإدارية عبر قنوات مستقلة.

كما تحتاج المؤسسات إلى وضع إجراءات واضحة تمنع تنفيذ التحويلات المالية أو تغيير بيانات الحسابات بناءً على رسالة أو مكالمة منفردة، مع اشتراط موافقات مستقلة للعمليات الحساسة.

وتدعم إرشادات المركز الكندي للأمن السيبراني تعزيز وعي المستخدمين، إلى جانب تطبيق ضوابط تقنية وتنظيمية تقلل فرص نجاح الهجمات.

مراقبة الأنظمة والاستجابة السريعة للحوادث

لا تكتمل الحماية بمجرد تثبيت أدوات الأمن السيبراني، بل تحتاج المؤسسات إلى متابعة الأنشطة غير المعتادة، ومراجعة سجلات الدخول، ورصد محاولات الوصول غير المصرح به، والتحقيق في التنبيهات الأمنية.

ويشدد المركز الأسترالي للأمن السيبراني على أهمية جمع السجلات ومراقبتها، إلى جانب تطبيق ضوابط الوصول وتقسيم الشبكات، بما يساعد على اكتشاف الحوادث وفهم نطاقها.

وينبغي وضع خطة للاستجابة للحوادث تتضمن تحديد المسؤوليات، وطرق الإبلاغ، وآليات عزل الأجهزة المتضررة، واستعادة البيانات، وإخطار الأطراف المعنية عند الضرورة.

وكلما جرى اكتشاف الحادث مبكرًا، زادت فرص الحد من انتشاره وتقليل أثره على البيانات والخدمات.

حماية أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها

لا يقتصر الخطر على استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات، بل يمتد إلى الأنظمة التي تعتمد عليه المؤسسات في تحليل البيانات أو خدمة العملاء أو تنفيذ المهام الآلية.

ويمكن أن تنشأ مخاطر عند إدخال معلومات سرية في أدوات غير معتمدة، أو منح التطبيقات الذكية صلاحيات أوسع من حاجتها، أو السماح لها بتنفيذ إجراءات حساسة من دون مراجعة بشرية مناسبة.

ولهذا، ينبغي تحديد الأدوات المسموح باستخدامها، وتصنيف البيانات التي يمكن إدخالها إليها، ومراجعة صلاحيات الأنظمة المتصلة بها، والتحقق من النتائج قبل استخدامها في قرارات مهمة.

وتدعو الإرشادات الأسترالية المتعلقة بالدفاع عن المؤسسات إلى اعتماد استخدام منضبط للذكاء الاصطناعي في أعمال الأمن السيبراني، مع الحفاظ على الرقابة البشرية والضوابط الأمنية المناسبة.

كما يوصي المركز الكندي للأمن السيبراني بتقييم المخاطر المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي وتأمينها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها أدوات خالية من المخاطر.

ماذا تفعل إذا اشتبهت في تعرضك لهجوم؟

عند الاشتباه في سرقة حساب أو اختراق جهاز، ينبغي التحرك بسرعة ومن خلال جهاز آمن قدر الإمكان.

وتشمل الخطوات الأولى تغيير كلمات المرور المتأثرة، وإلغاء الجلسات النشطة غير المعروفة، وتفعيل وسائل التحقق الإضافية، والتواصل مع الجهة المعنية عبر قنواتها الرسمية.

وإذا كان الأمر يتعلق بحساب مصرفي أو تحويل مالي مشبوه، فينبغي الاتصال بالمصرف فورًا عبر رقم رسمي وطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة.

أما في بيئة العمل، فيجب إبلاغ فريق تقنية المعلومات أو الأمن السيبراني، وتجنب حذف الأدلة أو إعادة تهيئة الجهاز قبل اتباع تعليمات الفريق المختص.

وإذا ظهرت مؤشرات على إصابة جهاز ببرمجية ضارة، فينبغي اتباع إجراءات العزل والاستجابة المعتمدة، مع الاحتفاظ بالمعلومات التي قد تساعد في تحديد مصدر الحادث ونطاقه.

الذكاء الاصطناعي أداة للدفاع أيضًا

رغم استخدام المهاجمين للذكاء الاصطناعي في تحسين أساليبهم، يمكن للمدافعين الاستفادة من التقنية في تحليل السجلات، ورصد الأنماط غير المعتادة، وفرز التنبيهات، والمساعدة في اكتشاف التهديدات.

لكن الاعتماد على أدوات آلية وحدها لا يضمن الحماية، إذ تحتاج نتائجها إلى مراجعة مناسبة، كما يجب حماية البيانات التي تُستخدم معها وضبط صلاحيات الوصول إليها.

وتشير التوجيهات الصادرة عن الجهات المتخصصة إلى أهمية الجمع بين الحلول التقنية، وتحديث الأنظمة، وإدارة الصلاحيات، والتدريب، والمراقبة المستمرة، بدلًا من الاعتماد على أداة واحدة باعتبارها حلًا شاملًا.

الحماية تبدأ من التحقق والاستعداد

تُظهر الإرشادات الصادرة عن المركزين الكندي والأسترالي للأمن السيبراني أن مواجهة الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتطلب منظومة متكاملة، تجمع بين التحقق من الهوية، وتأمين الحسابات، وتحديث الأنظمة، وتقليص الصلاحيات، ومراقبة النشاط الرقمي، والاستعداد للاستجابة للحوادث.

ولا يحتاج المستخدم إلى معرفة تقنية متقدمة للبدء في حماية نفسه، لكنه يحتاج إلى التوقف قبل الاستجابة للطلبات العاجلة، والتحقق من الرسائل والمكالمات المشبوهة، واستخدام كلمات مرور فريدة، وتفعيل وسائل التحقق الإضافية.

أما المؤسسات، فتحتاج إلى تحويل هذه الإجراءات إلى سياسات واضحة وممارسات مستمرة، لأن تطور أدوات الهجوم يجعل الوقاية والاستجابة مسؤولية دائمة وليست إجراءً يُنفذ مرة واحدة.

The post الهجمات السيبرانية المدعومة بـ«الذكاء الاصطناعي».. كيف تحمي بياناتك؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.