تستعد العاصمة الليبية طرابلس لافتتاح مطارها الدولي الجديد في 8 ديسمبر المقبل، بالتزامن مع انعقاد قمة أفريقيا وتركيا، التي يُنتظر أن يشارك فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في وقت لا يزال فيه التحالف الإيطالي «إينياس»، الذي استُبعد من المشروع عام 2024، ينتظر الحصول على مستحقات مالية مترتبة على اتفاق مع السلطات الليبية.
وذكرت وكالة نوفا الإيطالية أن التحالف، الذي حلّت محله في البداية شركة ليبية قبل إسناد استكمال الأعمال إلى شركات تركية، لم يحصل على المبلغ المتبقي بموجب اتفاق وُقّع مع سلطات طرابلس في 2 يونيو 2026، رغم التنازلات التي وافق عليها لإنهاء نزاع استمر قرابة عامين.
وقال رئيس شركة «إينياس» إليو فرانسي للوكالة إن التحالف وافق على التخلي عن بعض المطالبات المالية لتسوية الخلاف، موضحًا أن المشكلة تتمثل في عدم سداد المبلغ المتبقي بعد توقيع الاتفاق، فيما يتابع الملف محامو الشركة في ليبيا والسفارة الإيطالية لدى طرابلس.
ويتركز النزاع حول مشروع استكمال مبنى الركاب الجديد بمطار طرابلس الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة خلال معارك عام 2014، وظل بعيدًا عن الخدمات التجارية المنتظمة لأكثر من عقد.
وكانت السلطات الليبية أسندت أعمال استكمال المحطة إلى التحالف الإيطالي عام 2017، بموجب عقد بلغت قيمته الأولية نحو 79 مليون يورو، قبل تعديله لاحقًا لتغطية التكاليف المتزايدة، غير أن السلطات ألغت العقد من جانب واحد في أغسطس 2024، بسبب التأخر في تنفيذ الأعمال.
وسبق قرار الإلغاء أشهر من التوتر بين الحكومة الليبية والتحالف الإيطالي، إذ أعرب وزير النقل محمد الشهوبي، خلال اجتماع عقده في 4 يونيو 2024 مع السفير الإيطالي جيانلوكا ألبيريني وممثلي «إينياس»، عن قلقه بشأن التأخيرات، وطالب بتسريع وتيرة العمل، متعهدًا بمعالجة العقبات التي أبلغت عنها الشركة.
وفي 30 يوليو من العام نفسه، أكد الشهوبي خلال اجتماع آخر مع السفير الإيطالي توفير التمويل اللازم للمشروع، واعتبر أن التأخيرات المسجلة من جانب «إينياس» غير مبررة.
وفي 18 سبتمبر، أعلن نائب الوزير وسام الإدريسي إنهاء العقد، على خلفية ما وصفه بإخفاق التحالف الإيطالي في الوفاء بالتزاماته، مع توقعات بأن يؤدي إسناد الأعمال إلى مقاول آخر إلى تأخير لا يتجاوز شهرين أو ثلاثة أشهر.
لكن المطار لم يدخل التشغيل الكامل رغم مرور أكثر من عامين على إنهاء التعاقد، وهو ما تجاوز التقديرات التي أعلنتها السلطات بشأن المدة اللازمة لاستكمال المشروع.
وفي المقابل، يرفض التحالف الإيطالي تحمّل مسؤولية التأخير، إذ يعزو فرانسي تعثر الأعمال إلى نقص التمويل والمشكلات المرتبطة بالمقاول المحلي المكلف بتنفيذ أجزاء من المشروع.
وقال رئيس «إينياس» إن التحالف أنجز نحو 55% من الأعمال المنصوص عليها في العقد قبل مغادرته المشروع عام 2024، موضحًا أن هذه النسبة تحققت خلال نحو عام ونصف من توافر التمويل الفعلي.
وأضاف أن الشركة قدمت ضمانات مقابلة لدعم خطابات الاعتماد الصادرة عن الحكومة الليبية، إلا أن التحالف لم يحصل، وفق روايته، على خطابات الاعتماد الإضافية اللازمة لتمويل تمديد العقد بنحو 20 مليون يورو، رغم الاعتراض على التأخيرات في أبريل 2024.
وأشار فرانسي إلى أن المقاول الليبي الفرعي، الذي أُسندت إليه أعمال إنشاء أساسات المحطة الجديدة بتوجيه من سلطات طرابلس، لم يوفر العدد الكافي من العمال للالتزام بالجدول الزمني، كما أعرب مرارًا عن رغبته في استبدال التحالف الإيطالي.
واعتبر أن التأخيرات المرتبطة بالمقاول الفرعي لم تكن مصادفة، بل شكلت عاملًا أساسيًا في قرار استبعاد «إينياس» من المشروع.
وبعد إلغاء العقد الإيطالي، أسندت السلطات الليبية الأعمال إلى المقاول المحلي نفسه، الذي حاول استكمال المحطة بالاعتماد على الأعمال والمستلزمات التي أنجزها التحالف السابق، لكنه واجه، بحسب التقارير، صعوبات في توفير الضمانات المالية اللازمة للحصول على الإمدادات الدولية المطلوبة.
وبعد أكثر من عام من التعثر، اتجهت طرابلس إلى الاستعانة بمقاول تركي لاستكمال المشروع، لتبرز بذلك فجوة كبيرة بين قيمة العقد الإيطالي والتعاقدات اللاحقة.
فقد ارتفعت قيمة العقد الإيطالي من 79 مليون يورو إلى ما بين 97 و99 مليون يورو بعد الإضافة المتفق عليها، بينما تشير التقارير إلى أن قيمة العقد الجديد الممنوح للشركات التركية وصلت إلى ما بين 220 و230 مليون يورو، أي أكثر من ضعف القيمة المعدلة للعقد السابق.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات بشأن تكلفة استكمال المشروع، خصوصًا أن العقود الجديدة غير متاحة للجمهور، الأمر الذي يحول دون تحديد حجم الزيادة المرتبط بالأعمال الإضافية والمعدات أو اختلاف الشروط المالية.
وبحسب فرانسي، كان من الممكن افتتاح المطار في يناير أو فبراير 2025، وبدء تشغيله بكامل طاقته بحلول يونيو من العام نفسه، لو التزمت السلطات الليبية بتوفير التغطية المالية المتفق عليها بالكامل.
وأوضح أن العقد الإيطالي لم يقتصر على تنفيذ البنية التحتية وتوريد المعدات، بل شمل أيضًا تدريب الموظفين والمساعدة في بدء التشغيل ودعم إجراءات الاعتماد.
وفي ما يتعلق بالجاهزية الفنية، ذكرت وكالة نوفا أن معلومات جمعتها بشأن المشروع تشير إلى استمرار مشكلات تتعلق باستكمال نظام مناولة الأمتعة (Baggage Handling System)، والمعدات اللازمة للفحص الأمني للأمتعة المسجلة.
ولم تتضح حتى الآن جميع التدخلات التي أُنجزت أو الاختبارات التي أُجريت، كما لم يتأكد ما إذا كانت الجهات المختصة أصدرت التراخيص اللازمة لتشغيل المطار واستقبال الرحلات الدولية المنتظمة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع خطوات شهدها قطاع الطيران المدني الليبي، إذ رفعت منظمة الطيران المدني الدولي «إيكاو» في 23 أكتوبر تحذيرين أمنيين عن المجال الجوي الليبي، يعودان إلى عامي 2013 و2015.
ورحبت حكومة طرابلس بهذه الخطوة، التي جاءت بعد سنوات من المبادرات الرامية إلى إنعاش قطاع الطيران، بمشاركة الهيئة الوطنية للطيران المدني الإيطالية.
لكن رفع التحذيرات الأمنية لا يعني اعتماد المطار الجديد أو اكتمال جاهزية مرافقه، كما لا يضمن تشغيل جميع الخدمات بصورة طبيعية، خصوصًا أن شركات الطيران المعتمدة من السلطات الليبية لا تزال ممنوعة من العمل داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي سبتمبر الماضي، درست اللجنة الليبية المسؤولة عن عمليات التحقق الفني مستوى التقدم في الأعمال والإجراءات التصحيحية المطلوبة من المقاولين، بينما كانت وزارة النقل أشارت إلى الربع الأخير من عام 2026 موعدًا مستهدفًا لإعادة افتتاح المطار، دون تحديد تاريخ رسمي في ذلك الوقت.
وفي سياق ترتيبات الإدارة والتشغيل، التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في 28 أكتوبر برئيس شركة «توسكانا إيروبورتي» الإيطالية فرانشيسكو مارتن، والرئيس التنفيذي للشركة روبرتو نالدي، الذي قدم مقترحًا فنيًا لإدارة المطار وتشغيله.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ضوء أن مهام بدء التشغيل ودعم إجراءات الاعتماد كانت مدرجة ضمن العقد الذي حصل عليه التحالف الإيطالي قبل استبعاده من المشروع.
وعلى الصعيد الأمني، تشير الوكالة إلى أن إعادة تشغيل المطار الدولي قد تؤثر في ترتيبات النفوذ بين التشكيلات المسلحة في العاصمة، بالنظر إلى مواقع المطارات ومناطق انتشار القوى الأمنية المحيطة بها.
ويقع مطار معيتيقة الحالي ضمن منطقة نفوذ جهاز الردع «الرادا»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، الذي يتمركز في حي سوق الجمعة، رغم أن اتفاق سبتمبر 2025 نص على نقل مسؤولية تأمين مبنى الركاب المدني إلى قوات أخرى.
أما مطار طرابلس الدولي القديم، الذي يبعد نحو 30 كيلومترًا جنوب العاصمة، فيقع ضمن منطقة يتمتع فيها اللواء 111 بنفوذ، وهو تشكيل يتألف في معظمه من مقاتلين من مصراتة، ويقوده نائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي.
ومن شأن نقل الرحلات الجوية من مطار معيتيقة إلى المطار الدولي الجديد أن يغير ترتيبات النفوذ الأمني بين التشكيلات المسلحة في طرابلس، في وقت لم تتضح فيه الجهة التي ستتولى تأمين المطار الجديد.
وفي تعليقه على خسارة العقد، وصف فرانسي ما حدث بأنه «هزيمة ليس فقط لتحالف إينياس، بل للنظام الإيطالي بأكمله»، مستذكرًا الدعم الذي تلقته الشركة من المؤسسات الإيطالية، بما فيها السفارة لدى طرابلس.
وأضاف أن النزاع نوقش خلال اجتماعات ثنائية على مستويات عليا، كان آخرها بمشاركة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
ومن المنتظر أن يضفي افتتاح المطار في 8 ديسمبر، بالتزامن مع قمة أفريقيا وتركيا ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أهمية إضافية على المشروع، الذي استكملت أعماله بمشاركة شركات تركية بعد استبعاد التحالف الإيطالي.
وتشير وكالة نوفا إلى أن القضية تتجاوز الخلاف بشأن عقد واحد، لتشمل العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين ليبيا وإيطاليا، التي تعد أكبر شريك تجاري لليبيا، في ظل استمرار مطالبة التحالف الإيطالي بالحصول على الدفعة المنصوص عليها في الاتفاق الموقع مع السلطات الليبية في 2 يونيو 2026.
The post بحضور أردوغان.. مطار «طرابلس الدولي» يستعد للافتتاح appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.