بعد سنوات من الانتظار.. هل يعود «طريق السلام» للحياة من بوّابة روما؟

0
2

كشف تقرير لوكالة «نوفا» الإيطالية عن عودة مشروع طريق السلام، الذي يمتد لنحو 1750 كيلومترًا على طول الساحل الليبي ويربط البلاد بالحدود المصرية والتونسية، إلى طاولة المفاوضات بين ليبيا وإيطاليا، وسط تحركات لإعادة تصميم أجزاء من مساره وتقسيمه إلى مراحل فرعية وطرح مناقصات جديدة أمام الشركات الإيطالية.

وبحسب التقرير، من المنتظر وصول وفد ليبي إلى روما خلال نوفمبر الجاري لمناقشة مستقبل المشروع، وذلك بعد إنهاء العقد المبرم مع شركة «ويبيلد» لتنفيذ المرحلة الأولى من البنية التحتية، فيما تعمل شركات تركية على توسيع الطريق بين الحدود المصرية وطبرق، الأمر الذي يستدعي مراجعة التغييرات المقترحة على المسار الأصلي لتفادي الازدحام.

وتشمل الخيارات المطروحة، وفقًا للمصدر الذي استندت إليه «نوفا»، إنشاء وصلات وطرق فرعية جديدة تربط المرج بسلق وبنغازي، بما يتيح تكييف الطريق مع احتياجات حركة المرور المتغيرة، في وقت تتواصل فيه الجهود على الجانب الغربي لتأمين التمويل اللازم لبدء الأعمال المسندة إلى شركة «توديني كوستروتسيوني جينيرالي».

ويعود المشروع إلى معاهدة الصداقة التاريخية الموقعة عام 2008 بين رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني والزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، والتي التزمت إيطاليا بموجبها بتمويل مشروعات للبنية التحتية في ليبيا بقيمة 5 مليارات دولار على مدى 20 عامًا، إلا أن طريق السلام لا يزال، بعد نحو عقدين من توقيع المعاهدة، دون تنفيذ فعلي رغم إدراجه ضمن مشروعاتها الرئيسية.

وكانت المرحلة الأولى من المشروع، الممتدة لنحو 400 كيلومتر بين المرج والحدود المصرية، قد أُسندت عام 2013 إلى تحالف شركات تقوده «ساليني إمبريجيلو»، التي تحمل حاليًا اسم «ويبيلد»، بعقد بلغت قيمته الأصلية نحو 940 مليون يورو، غير أن الأعمال الإنشائية لم تنطلق فعليًا.

وعزت الشركة الإيطالية عدم بدء التنفيذ إلى الظروف الأمنية الصعبة التي شهدتها ليبيا على مدار السنوات الماضية، في حين اعترض الجانب الليبي على التأخر في إنجاز المشروع، قبل أن تتصاعد الخلافات بين الطرفين خلال المفاوضات الرامية إلى إعادة تفعيله.

ونقل تقرير «نوفا» عن مصدر مطلع على الملف أن النزاع تمحور بصورة أساسية حول الجوانب الاقتصادية والتعاقدية، بعدما اقترحت «ويبيلد» خلال المفاوضات تعديل قيمة العقد إلى نحو 2.4 مليار يورو، مستندة إلى ارتفاع تكاليف التنفيذ على مدار السنوات التي أعقبت توقيعه.

وحاولت هيئة طريق إمساعد رأس جدير السريع (ERMA)، المسؤولة عن المشروع، التوصل إلى تسوية بمساعدة شركة «بي إم سي ميديتيرانيوم» المتخصصة في الاستشارات وإدارة المشروعات، إذ وافقت الهيئة على حل مالي وسيط واستجابت لعدد من مطالب الشركة الإيطالية، لكن المفاوضات لم تفضِ إلى اتفاق نهائي.

وبحسب المصدر نفسه، أسهمت التعديلات المتعددة التي طلبتها «ويبيلد» على الشروط التعاقدية وشروط المناقصة في تعقيد الخلاف، خصوصًا ما يتعلق بالضمانات المفترض أن تحمي الدفعات المقدمة، وهي مطالب اعتبرها الجانب الليبي غير مقبولة، قبل أن ينتهي الأمر بفسخ العقد واندلاع نزاع قانوني بشأن تنفيذ ما يُعرف بسند الأداء، وهو الضمان المصرفي المرتبط بحسن تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

وفي سياق توضيح الجهة المسؤولة عن إنهاء العقد، اعتبر مصدر «نوفا» أن الرواية التي تنسب قرار فسخ الاتفاق إلى القائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر غير دقيقة، موضحًا أن صلاحية اتخاذ القرار تعود إلى هيئة طريق إمساعد رأس جدير السريع، ومقرها طرابلس وليس بنغازي، التي تمثل مركز النفوذ الرئيسي لحفتر.

ويكتسب هذا التمييز أهمية إدارية وسياسية، بحسب التقرير، بالنظر إلى ثقل السلطات في إقليم برقة، حيث كان من المقرر تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع.

وفي غرب ليبيا، تتركز الأنظار على القطاعين الفرعيين 4.2 و4.3 اللذين أُسند تنفيذهما إلى شركة «توديني كوستروتسيوني جينيرالي»، إذ وُقّع عقد القطاع 4.3، الممتد لنحو 160 كيلومترًا من منطقة طرابلس إلى الحدود التونسية، في نوفمبر 2025، بحضور رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة ووكيل وزارة الخارجية الإيطالية جورجيو سيلي، لكن أعمال البناء لم تبدأ حتى الآن.

وأوضح مصدر «نوفا» أن العقبة الرئيسية أمام انطلاق المشروع تتعلق بالضمانات المصرفية المطلوبة للحصول على الدفعة المقدمة من التمويل الإيطالي، مشيرًا إلى أن شركة «توديني» قدمت خلال شهري يونيو ويوليو ضمانًا مصرفيًا بقيمة تقارب 140 مليون يورو لتأمين صرف الدفعة المقدمة.

وخضعت الوثائق، بحسب التقرير، للتحقق والمراجعة من جانب السلطات المختصة في روما، فيما أظهرت المناقشات الأخيرة مؤشرات على إحراز تقدم، إذ أفاد المصدر بأن صرف الشريحة الأولى من التمويل بات وشيكًا، وهو ما من شأنه السماح ببدء الأعمال بعد فترة طويلة من الانتظار.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة باعتبار أن التمويل يأتي ضمن التزامات إيطاليا المترتبة على معاهدة عام 2008، التي شهد تنفيذ بنودها انقطاعات وتعديلات متعددة على مدار السنوات الماضية.

وتُعد شركة «توديني كوستروتسيوني جينيرالي» من الشركات الإيطالية العريقة في قطاع الإنشاءات، وكانت خاضعة سابقًا لسيطرة مستثمرين كازاخستانيين، قبل انتقال ملكيتها إلى مجموعة «فين.مار»، المملوكة لرجل الأعمال جوزيف مارتيني، الذي يمتلك حصة تبلغ 60% من خلال شركة «فين.مار القابضة».

وتشارك الشركة حاليًا في عملية اندماج مع شركة «إيف إنفست» المدرجة في البورصة، ووفقًا لبيانات كشفت عنها الأخيرة للسوق في أغسطس 2026، يبلغ حجم الطلبات المتراكمة لدى «توديني» نحو 2.2 مليار يورو، منها 1.96 مليار يورو في الأسواق الخارجية، وتتعلق بصورة رئيسية بعقدين لإنشاء الطرق في ليبيا ومشروع آخر في كازاخستان.

وفي تطور آخر يتعلق بمسار المشروع، أوردت «نوفا» معلومات عن القطاع الفرعي 4.1، الذي يمتد لنحو 104 كيلومترات بين مصراتة والخمس، مشيرة إلى طرح مناقصة جديدة تتضمن عدة خيارات لإنشاء وصلات مباشرة مع المنطقة الحرة في مصراتة.

وتبرز أهمية هذا التوجه بالتزامن مع الزيارة التجارية الإيطالية الأخيرة إلى المدينة، والمنتدى الاقتصادي والاستثماري الذي استضافته المنطقة الحرة، حيث طُرحت خطط لتحويل الميناء إلى مركز صناعي ولوجستي رئيسي يربط أوروبا بأفريقيا.

وشهد المنتدى أكثر من 68 اجتماعًا ثنائيًا، وفقًا للمنظمين، إلى جانب زيارات أجراها الوفد الإيطالي لعدد من المجمعات الصناعية الرئيسية في ليبيا، شملت مصانع الصلب في «ليسكو» ومصانع كبرى للصناعات الغذائية الزراعية، في مؤشر على وجود قاعدة إنتاجية قائمة تسعى إلى توسيع التعاون مع الشركاء الدوليين.

وتعزز التعاون الليبي الإيطالي بتوقيع اتفاقية، في 3 نوفمبر الجاري، بين المنطقة الحرة في مصراتة وهيئة نظام موانئ بحر صقلية الغربية، التي ترأسها أناليزا تاردينو، بهدف تطوير العلاقات التجارية واللوجستية بين الميناء الليبي والموانئ الواقعة في غرب صقلية.

وبحسب المعلومات التي أوردتها «نوفا»، من المتوقع وصول وفد فني من المنطقة الحرة في مصراتة إلى صقلية خلال نوفمبر وديسمبر المقبلين، لدراسة عدد من الملفات، من بينها إمكانية إطلاق خطوط نقل بحري مباشرة جديدة بين الجانبين.

ويرى التقرير أن هذه التطورات تمنح طريق السلام أبعادًا استراتيجية تتجاوز هدفه الأصلي المتمثل في إنشاء طريق ساحلي، إذ إن ربط المنطقة الحرة في مصراتة بشبكة الطرق الساحلية الليبية والممرات البرية المستقبلية باتجاه النيجر وتشاد وأسواق منطقة الساحل، من شأنه دعم التكامل بين الموانئ والأنشطة الصناعية والنقل البري.

ويضع هذا التصور مصراتة ضمن مسار محتمل لتطوير مركز تجاري يربط البحر الأبيض المتوسط بأفريقيا جنوب الصحراء، مستفيدًا من موقع المدينة ومينائها والمنشآت الصناعية الموجودة فيها.

وبالنسبة إلى إيطاليا، التي تُعد أكبر شريك تجاري لليبيا، لا يقتصر المشروع على استكمال طريق سبق أن تعهدت روما بتمويله قبل نحو عشرين عامًا، بل يرتبط أيضًا بإمكانية المشاركة في تطوير ممر اقتصادي يربط أوروبا بأفريقيا، في وقت تسعى فيه شركات تركية وصينية إلى توسيع حضورها في السوق الليبية، بينما تعمل روما على توظيف علاقاتها التجارية والصناعية لتعزيز موقعها في البلاد.

ويظل مستقبل المشروع مرتبطًا بحسم الملفات التعاقدية والتمويلية العالقة، وتحديد المسار النهائي للطريق، إلى جانب إطلاق المناقصات والأعمال التنفيذية في القطاعات المختلفة، بعد سنوات من التعثر منذ توقيع معاهدة الصداقة بين البلدين عام 2008.

The post بعد سنوات من الانتظار.. هل يعود «طريق السلام» للحياة من بوّابة روما؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.