بين ابتزاز الصمامات وضياع المليارات.. هل يتحمّل جيب المواطن فاتورة «القوة القاهرة» وتجّار الأزمات؟

0
3

يشهد قطاع الطاقة في ليبيا أزمات هيكلية عاصفة تتحول فيها الموارد النفطية السيادية إلى أداة ابتزاز رخيصة وصراع عبثي، مما يوجه ضربات موجعة للخزينة العامة، ويقوض عجلة التنمية، ويضاعف أعباء الاقتصاد الوطني ومعيشة المواطن اليومية وسط عجز مستمر عن تحييد شريان الحياة الوحيد للبلاد عن التجاذبات.

وفي هذا السياق، أكد رجل الأعمال حسني بي في تصريح لشبكة “عين ليبيا” أن النفط مورد سيادي وملكية عامة، مشدداً على أن أي إغلاق قسري لمنشآته يُعد اعتداءً مباشراً على الأمن الاقتصادي والمالي للدولة.

وأوضح حسني بي أن السياسة الصحيحة لمواجهة ذلك هي عدم الخضوع للابتزاز، لكون الاستجابة له اليوم تخلق ابتزازاً جديداً غداً، مستشهداً بما جرى في إقفالات أعوام 2013 و2014 و2019 و2020 و2024، مع ضرورة تحميل المسؤولية القانونية الفردية لكل من يغلق أو يعطل منشأة نفطية أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.

وحول حساب الخسائر المباشرة لفقدان 130 ألف برميل يومياً، بيّن حسني بي أن المؤسسة الوطنية للنفط أعلنت عن هذا الفقدان مع احتمال ارتفاعه، ومع تداول برنت حول 100 دولار للبرميل تقارب قيمة الإنتاج المفقود 13 مليون دولار يومياً أي نحو 390 مليون دولار شهرياً وحوالي 4.7 مليارات دولار سنوياً إذا استمر نفس المستوى عاماً كاملاً قبل احتساب حصة الشركاء والتكاليف والضرائب والإتاوات.

وأكد حسني بي أن الكمية تقترب من عُشر إنتاج ليبيا المعتاد فالأثر ليس هامشياً، مبيناً أنه لا يصح حسابياً القول تلقائياً إن العجز المالي سيرتفع 3 مليار دل شهريا عجز اضافي لما هو قائم ، بل الأدق أن استمرار الخسارة يضيف عجزاً مالياً وخارجياً ملموساً ويضغط مباشرة على قدرة الدولة في تمويل الإنفاق وعلى الاحتياطيات.

وبخصوص معنى إعلان القوة القاهرة وآثارها، أوضح حسني بي أنها ليست إعفاءً سياسياً من المسؤولية بل أداة تعاقدية لحماية المؤسسة والشركاء عندما يصبح تنفيذ العقود مستحيلاً لتجنب غرامات مالية كبيرة.

وأشار حسني بي إلى أنه على المدى القصير قد تحمي ليبيا من بعض مطالبات التأخير، لكن تكرار استخدامها يحمل تكلفة أخرى؛ إذ يبدأ المشتري والمستثمر في تسعير ليبيا كمورد عالي المخاطر فيطلب شروطاً أقسى وتأميناً أعلى وعائداً أكبر على الاستثمار، فالقوة القاهرة تحمي العقد من حادث معين لكنها لا تحمي سمعة البلد إذا أصبح الحادث متكرراً.

وعما يحدث للسوق المحلي بعد تعطل مصفاة الزاوية، لفت حسني بي إلى تحذير المؤسسة من أن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى توقف مصفاة الزاوية ويرفع فاتورة استيراد المحروقات، كما أن تعطيل مجمع الزاوية والبريقة يؤثر مباشرة في الاستيراد والتوزيع داخلياً، أي أننا نخسر مرتين بفقدان خام كان سيُصدّر بالدولار ثم الاحتياج لدولارات إضافية لاستيراد مشتقات بديلة.

وأكد حسني بي أنه في بلد يستورد معظم وقوده المكرر، فإن تعطيل المصفاة يرفع الطلب على النقد الأجنبي ويضغط على عمليات شركة البريقة والنقل والتخزين والمخزون الاستراتيجي، وسط إشارات رويترز هذا الشهر إلى أن ليبيا تستورد معظم احتياجاتها وأن اضطرابات التوريد والتهريب تزيد صعوبة الوضع.

وحول التضخم وسعر الصرف وميزان المدفوعات، أشار حسني بي إلى أن التأثير يمر عبر حلقات مترابطة تشمل إيرادات نفطية أقل، وإنفاقاً أعلى، ودولارات ودينارات أقل للدولة، والتضحية بسعر الصرف واحتياطي الدولار أو نمو عرض النقود نتيجة خلقها، مما يولد تضخماً وفجوة سعرية وطلباً أعلى على النقد الأجنبي وضغطاً أكبر على سعر الصرف بالتوازي مع تعطل التكرير واستيراد وقود أكثر بطلب إضافي على الدولار.

وبيّن حسني بي أنه إذا استمر الإنفاق العام بالدينار عند مستواه بينما انخفضت الإيرادات الدولارية تتسع الفجوة المالية وقد يتحول جزء منها إلى ضغط نقدي أو استنزاف للاحتياطيات، لتكون النتيجة المحتملة اتساع فجوة الصرف وارتفاع تكلفة الواردات ثم انتقال ذلك إلى الأسعار والتضخم، وبذلك فإن المضاعف الاقتصادي للخسارة يكون أكبر من الخسارة المحاسبية المباشرة.

أما عن المخاطر الفنية والتشغيلية، فأكد حسني بي أن هذه ليست مجرد خسارة مبيعات، إذ أكدت المؤسسة أن إغلاق الصمام تسبب في ارتفاع الضغط داخل خط نقل خام الشرارة وأن الفرق الفنية لم تتمكن من الوصول إلى منطقتي الصمامين 6 و7.

وأوضح حسني بي أن استمرار الضغط أو التشغيل غير الطبيعي قد يزيد احتمالات تعطل الصمامات أو الخطوط أو مرافق الضخ ويحتاج بعد فك الإغلاق إلى فحوص وسلامة وإعادة تشغيل تدريجية، ولذلك ليس صحيحاً دائماً أن فتح الصمام يعني عودة 130 ألف برميل في اليوم التالي مباشرة فقد تكون هناك كلفة صيانة وتأخير فني واستعادة تدريجية للطاقة الإنتاجية.

وعلى صعيد الاستثمار والشركات الأجنبية، يرى حسني بي أن المستثمر النفطي لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطي تحت الأرض بل ينظر أيضاً إلى احتمال وصوله إليه واستمرارية الإنتاج والتصدير.

وأوضح حسني بي أن شركة أكاكوس هي المشغل لحقل الشرارة، وأي شركة أجنبية تدرس ضخ مئات الملايين أو مليارات الدولارات ستضع في حسابها احتمال أن يتوقف إنتاجها بقرار مجموعة مسلحة أو محتجين، مما يرفع علاوة المخاطر ويؤدي إلى تأجيل الاستثمار أو رفع العائد المطلوب أو المطالبة بضمانات أقوى، ولهذا يشدد حسني بي على أن الاعتداء على منشأة نفطية لا يسرق إيراد اليوم فقط بل قد يسرق أيضاً استثمار الغد والإنتاج المستقبلي.

وعالمياً، أضاف حسني بي أن فقدان 130 ألف برميل يومياً يؤثر بصورة محدودة قياساً بحجم السوق العالمي ولا يغير توازنه جذرياً، لكنه يأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة اضطرابات في الإمدادات والممرات البحرية والأسعار لا تزال قرب 100 دولار للبرميل، وقد أشارت رويترز بالفعل إلى انخفاض الإنتاج الليبي ضمن العوامل التي يراقبها السوق إلى جانب تطورات الخليج ومضيق هرمز.

ويصبح الأثر أكبر إذا تحول الحدث من إغلاق محدود إلى توقف كامل لحقل الشرارة أو منشآت أخرى لأن السوق لا يسعر فقط البراميل المفقودة بل احتمال فقدان المزيد منها.

واختتم حسني بي طرحه بتحديد الحل المستدام بالتأكيد على أن البداية ليست مالية بل قاعدة دولة ترتكز على عدم مكافأة الإغلاق ولا تفاوض على موارد الشعب تحت الإكراه، لأن كل استجابة لمطلب يتحقق بإغلاق النفط تنشئ حافزاً لمجموعة أخرى كي تغلق منشأة أخرى غداً.

ودعا حسني بي إلى اتخاذ أربعة إجراءات متوازية تتمثل في: اعتبار تعطيل الإنتاج أو النقل أو التصدير اعتداءً على الأمن القومي والمالي مع تحديد المسؤولية الفردية والملاحقة القانونية أياً كانت صفة الفاعل، إنشاء قوة مهنية موحدة لحماية البنية النفطية تكون مهمتها حماية المنشأة لا الدخول في المطالبات السياسية أو الفئوية، إنشاء آلية قانونية واضحة لمعالجة مطالب العاملين والمناطق والمجتمعات المحلية بعيداً عن المنشآت وخطوط الإنتاج، ونشر تكلفة كل إغلاق يومياً أمام الرأي العام من براميل ودولارات مفقودة وكلفة استيراد إضافية وأثر على الاحتياطي.

وشدد حسني بي في النهاية على أن القاعدة التي يجب تثبيتها هي أن من لديه مظلمة فله القضاء والقانون والتفاوض أما النفط فلا يكون ورقة تفاوض، محذراً من أن أخطر ما في الابتزاز النفطي ليس خسارة 130 ألف برميل اليوم بل أن يصبح المجتمع مقتنعاً بأن إغلاق صمام هو أسرع طريق للحصول على المال أو القرار وعندها يصبح الابتزاز نفسه مؤسسة اقتصادية موازية للدولة.

The post بين ابتزاز الصمامات وضياع المليارات.. هل يتحمّل جيب المواطن فاتورة «القوة القاهرة» وتجّار الأزمات؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.