تحذير طبي من «الصيام المتقطع» لفئات محددة

0
3

يبدو الصيام المتقطع بالنسبة لكثيرين طريقة بسيطة لإنقاص الوزن وتحسين الصحة، لكن ترك الطعام لساعات طويلة ليس مناسبًا للجميع، فالفترة التي يمتنع فيها الشخص عن تناول الطعام يمكن أن تؤثر في مستوى سكر الدم وضغط الدم والطاقة وتناول الأدوية، كما أن بعض الفئات قد تكون أكثر عرضة للمضاعفات أو اضطراب العلاقة مع الطعام، ولذلك فإن الصيام المتقطع، رغم فوائده المحتملة لدى بعض البالغين، لا ينبغي التعامل معه باعتباره نظامًا غذائيًا آمنًا للجميع لمجرد أنه شائع.

ومن أكثر الفئات التي ينبغي أن تتجنب الصيام المتقطع النساء الحوامل والمرضعات، لأن الحمل والرضاعة يرتبطان باحتياجات غذائية وطاقة وسوائل تختلف عن احتياجات الشخص العادي، كما أن تقييد فترات تناول الطعام قد يجعل الحصول على الاحتياجات اليومية من الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن أكثر صعوبة، وقد خلصت مراجعة منهجية تناولت الصيام المقيّد بالوقت أثناء الحمل إلى وجود إشارات تستدعي الحذر بشأن بعض النتائج المتعلقة بنمو الجنين وصحة الطفل، مع التأكيد على أن الأدلة ما زالت محدودة وأن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، ولذلك لا يُنصح بتطبيق الصيام المتقطع أثناء الحمل من دون توجيه طبي متخصص.

كما لا يُنصح بالصيام المتقطع للأطفال والمراهقين، لأن أجسامهم ما زالت في مرحلة النمو والتطور وتحتاج إلى إمداد منتظم بالطاقة والعناصر الغذائية، وقد يؤدي فرض فترات طويلة من الامتناع عن الطعام إلى عدم كفاية الاحتياجات الغذائية لدى بعضهم، ولهذا توصي مصادر طبية متخصصة بتجنب أنظمة الصيام المتقطع لدى من تقل أعمارهم عن 18 عامًا إلا في ظروف طبية خاصة وتحت إشراف متخصص.

ويأتي مرضى السكري ضمن الفئات التي تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، لكن من المهم هنا عدم وضع جميع مرضى السكري في خانة واحدة، فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن بعض الأشخاص المصابين بالسكري من النوع الثاني يمكنهم اتباع الصيام المتقطع بأمان وتحقيق تحسن في الوزن وسكر الدم عندما يتم تعديل الأدوية ومراقبة مستوى الجلوكوز بصورة مناسبة، وقد خلصت مراجعة علمية حديثة نُشرت عام 2026 إلى أن الصيام المتقطع قد يخفض السكر التراكمي ووزن الجسم لدى بعض المصابين بالسكري من النوع الثاني، وأنه قد يكون خيارًا غذائيًا قابلًا للتطبيق عندما تتم إدارة الأدوية بطريقة صحيحة.

لكن الأمر يختلف بصورة كبيرة لدى المصابين بالسكري من النوع الأول، وخصوصًا من يعتمدون على الإنسولين، لأن الامتناع عن الطعام لفترات طويلة قد يؤدي إلى انخفاض خطير في مستوى السكر إذا لم تتم إدارة جرعات الإنسولين والطعام والمراقبة الطبية بصورة دقيقة، كما أن تغيير نمط تناول الطعام يمكن أن يؤثر في احتياجات الجسم من الدواء، ولهذا لا ينبغي لمريض السكري من النوع الأول أن يبدأ الصيام المتقطع من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى تقييم طبي وخطة واضحة لمراقبة السكر وتعديل العلاج إذا كان الصيام مناسبًا أصلًا.

وحتى لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني، فإن تناول أدوية معينة يجعل الصيام أكثر تعقيدًا، لأن بعض الأدوية قد تزيد احتمال انخفاض سكر الدم عندما يقل تناول الطعام، ولذلك فإن الشخص الذي يستخدم الإنسولين أو أدوية معينة لخفض السكر لا ينبغي أن يبدأ نظام 16:8 أو 18:6 أو الصيام يومًا بعد يوم اعتمادًا على تجارب الآخرين، فالنظام الذي يناسب شخصًا قد يكون خطرًا على شخص آخر بسبب اختلاف الأدوية والحالة الصحية.

ومن الفئات التي تستحق اهتمامًا خاصًا الأشخاص الذين لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل، مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي أو أنماط الأكل القهري أو السلوكيات الغذائية شديدة التقييد، لأن الصيام المتقطع قد يتحول لدى بعض الأشخاص من تنظيم للوجبات إلى وسيلة لتشديد القيود على الطعام، وقد يؤدي إلى عودة سلوكيات اضطراب الأكل أو تفاقمها، وتشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى ضرورة تقييم هذه المخاطر قبل تشجيع الأشخاص الذين لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل على الصيام المتقطع.

كذلك فإن الأشخاص الذين يعانون نقص الوزن أو سوء التغذية ليسوا مرشحين مناسبين عادةً لأنظمة الصيام الهادفة إلى خفض الوزن، لأن المشكلة لديهم قد تكون أصلًا في عدم الحصول على كمية كافية من الطاقة أو البروتين أو العناصر الغذائية، وإضافة ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام قد تزيد المشكلة بدل أن تحلها، خصوصًا لدى من يعانون فقدان الشهية أو أمراضًا مزمنة تؤثر في الوزن والكتلة العضلية.

ويحتاج كبار السن، خصوصًا الضعفاء أو الذين يعانون فقدانًا في الكتلة العضلية أو الشهية، إلى حذر خاص أيضًا، لأن الحفاظ على البروتين والطاقة يصبح أكثر أهمية مع التقدم في العمر، وقد يؤدي تقليل عدد الوجبات أو تضييق نافذة تناول الطعام إلى صعوبة الوصول إلى الاحتياجات الغذائية اليومية لدى بعضهم، ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة ساعات الصيام، بل المحافظة على التغذية الكافية والكتلة العضلية والصحة العامة.

ويجب كذلك الحذر لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية يجب أخذها مع الطعام أو في أوقات محددة، لأن تغيير نمط الوجبات قد يتعارض مع طريقة تناول بعض الأدوية، كما أن بعض العلاجات تحتاج إلى مراقبة دقيقة عند تغيير كمية الطعام أو توقيته، ولذلك فإن الشخص الذي يتناول أدوية يومية متعددة من الأفضل أن يستشير الطبيب أو الصيدلي قبل الانتقال إلى نمط صيام طويل، حتى لا تتحول الحمية إلى مشكلة دوائية غير متوقعة.

أما الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو حالات صحية معقدة، فلا توجد إجابة واحدة تنطبق عليهم جميعًا، فبعض المرضى قد يستطيعون الصيام المتقطع بأمان، بينما قد يحتاج آخرون إلى نظام أكثر انتظامًا في الوجبات، ولهذا فإن وجود مرض مزمن لا يعني تلقائيًا منع الصيام، لكنه يعني أن القرار ينبغي أن يكون فرديًا ويأخذ في الاعتبار المرض والأدوية والوزن والحالة الغذائية وقدرة الشخص على تحمل فترات الامتناع عن الطعام.

ومن العلامات التي لا ينبغي تجاهلها أثناء الصيام المتقطع الشعور المتكرر بالدوخة أو الإغماء أو الارتعاش أو التعرق الشديد أو الضعف غير المعتاد أو الصداع المتكرر أو الغثيان أو القلق الشديد أو صعوبة التركيز، فهذه الأعراض قد تكون بسيطة لدى بعض الأشخاص، لكنها قد تشير في حالات أخرى إلى انخفاض سكر الدم أو انخفاض ضغط الدم أو عدم كفاية السوائل والطاقة، وإذا كانت الأعراض شديدة أو متكررة فلا ينبغي الاستمرار في الصيام باعتباره اختبارًا لقوة الإرادة.

وفي المقابل، لا تعني هذه التحذيرات أن الصيام المتقطع ضار لجميع الأشخاص، فالمراجعات الحديثة تشير إلى أنه قد يساعد بعض البالغين الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة على خفض الوزن وتحسين بعض المؤشرات الأيضية، لكن الأدلة لا تثبت أنه يتفوق دائمًا على تقليل السعرات بطريقة تقليدية، كما أن الدراسات طويلة الأمد ما زالت أقل من الدراسات القصيرة، ولذلك فإن نجاح الصيام المتقطع يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الشخص على الاستمرار عليه وعلى جودة الطعام الذي يتناوله خلال فترة الأكل.

وهنا تكمن نقطة يغفل عنها كثيرون، فالصيام لست عشرة ساعة مثلًا لا يجعل تلقائيًا الطعام الذي يتناوله الشخص خلال الساعات الثماني المتبقية صحيًا، إذ يمكن للشخص أن يصوم لساعات طويلة ثم يعوض ذلك بتناول كميات كبيرة من الأطعمة عالية السعرات والسكريات والدهون، وفي هذه الحالة قد تختفي الفائدة المتوقعة أو تصبح محدودة، ولذلك فإن نوعية الغذاء وكميته ومجموع السعرات والبروتين والألياف والسوائل تظل عوامل أساسية بغض النظر عن توقيت الوجبات.

كما أن الصيام المتقطع ليس بالضرورة مناسبًا لمن يجد صعوبة شديدة في تحمل الجوع أو لمن يؤدي تأخير الطعام لديه إلى نوبات أكل مفرط، لأن النظام الغذائي الناجح ليس الأكثر تشددًا، وإنما النظام الذي يستطيع الشخص الالتزام به من دون أن يؤثر سلبًا في صحته أو علاقته بالطعام أو حياته اليومية، وقد يكون توزيع الوجبات بصورة منتظمة أفضل بكثير لبعض الأشخاص من محاولة تمديد ساعات الصيام.

وتشير الأدلة الحديثة أيضًا إلى أن الصيام المتقطع لا ينبغي تقديمه على أنه علاج سحري للسكري أو السمنة أو أمراض القلب، فالفوائد التي تظهر في الدراسات قد تكون مرتبطة جزئيًا بخفض إجمالي السعرات ووزن الجسم وتحسين توقيت تناول الطعام، كما أن بعض المراجعات وجدت أن الصيام المتقطع ليس متفوقًا بصورة واضحة على تقييد السعرات التقليدي في العديد من النتائج، ولذلك فإن اختيار هذا النظام ينبغي أن يعتمد على ملاءمته للشخص وليس على الاعتقاد بأنه يمتلك تأثيرًا استثنائيًا لا توفره الأنظمة الغذائية الأخرى.

وفي النهاية، يمكن القول إن الصيام المتقطع ليس ممنوعًا على الجميع، لكنه أيضًا ليس مناسبًا للجميع، وأبرز الفئات التي ينبغي أن تتجنبه أو لا تبدأه إلا بإشراف طبي تشمل الحوامل والمرضعات، والأطفال والمراهقين، والأشخاص الذين يعانون اضطرابات الأكل أو تاريخًا معها، والأشخاص الذين يعانون نقص الوزن أو سوء التغذية، والمصابين بالسكري من النوع الأول، بينما يحتاج مرضى السكري من النوع الثاني وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة ومستخدمو الأدوية التي تتأثر بالطعام إلى تقييم فردي قبل البدء.

والقاعدة الأهم أن الصيام المتقطع يجب أن يكون وسيلة لتحسين الصحة وليس اختبارًا للتحمل، فإذا أدى إلى دوخة متكررة أو انخفاض سكر أو ضعف شديد أو فقدان وزن غير مرغوب فيه أو اضطراب في الأكل، فهذه إشارة إلى أن النظام غير مناسب أو يحتاج إلى تعديل، أما الشخص السليم الذي يرغب في تجربته بهدف التحكم بالوزن أو تحسين نمط حياته، فمن الأفضل أن يبدأ بصورة معتدلة وأن يهتم بجودة الطعام والسوائل والبروتين والألياف والنوم والنشاط البدني، بدل التركيز فقط على عدد ساعات الصيام.

The post تحذير طبي من «الصيام المتقطع» لفئات محددة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.