تهاوي الحصن

0
3

لم تتخيل حبيبةُ يومًا أن تستيقظ فتجد عالمها الذي كان يزهو بألوانه السبعة قد غرق في ظلام لا آخر له.

كان والدها “مجدي” وطنها الصغير، والحصن الذي احتمت به منذ نعومة أظافرها. فبعد وفاة زوجته وهي في الثالثة من عمرها، أقسم مجدي أمام قبرها أن يكون لصغيرته الأم والأب، وأن يعوضها عن كل ما فقدته.

كان يوقظها كل صباح قبل المدرسة، يعد لها الإفطار، ويصفف شعرها بيدين حنونتين اعتادتا العمل الشاق، ثم يمسك حقيبتها مبتسمًا: — “هيا يا أميرتي، المدرسة تنتظركِ”.

وعند انتهاء الدوام، كانت أول عين تقع عليها هي عين والدها، يقف أمام البوابة مبتسمًا وكأنه ينتظر أجمل موعد في حياته. وفي المنزل، كان يعد الطعام بنفسه، ثم يجلس أمامها يسألها: — “أخبريني عن يومكِ يا أميرتي الجميلة.” فترد مبتسمة: “هل عندك وقت لتسمع كل لحظة مررت بها اليوم يا أبي الغالي؟” فيجيب بسعادة: “أنا عمري ووقتي لكِ يا قطعة الفؤاد”.

كبرت حبيبة… وكبر معها ذلك الرابط العجيب بينهما. وفي كل نجاح تحققه، كان أول من تحتضنه هو والدها. وحين تخرجت في الجامعة، جلس في الصف تذرف عيناه الدموع ويصفق لها بفخر، هامساً بنبرة رضا وارتياح: — “اللهم لك الحمد، أتممتُ رسالتي”.

التحقت حبيبة بإحدى الشركات الكبرى، وسرعان ما أثبتت كفاءتها حتى أصبحت من أصغر مديرات الشركة. تعود إلى المنزل تحكي له عن كل لحظة قضتها في عملها؛ فلا مواعيد مع صديقات، ولا رحلات، ولا سهرات… كان بيتها هو عالمها، وكان مجدي هو العالم بأسره.

كلما تقدّم شاب لخطبتها، كانت ترفض. وكانت صديقتها مها تقول لها باندهاش: — “كيف تحيين من غير لوعة الحب والعشق يا حبيبة؟” فتضحك حبيبة وتجيب بثقة: “لن أجد ما وجدته مع حبيب عمري الغالي مجدي، فهو إكسير الحياة.” وتسألها سلمى: “كيف لا تريدين الزواج وهو سكن ومودة؟” فترد بهدوء: “أنا أعيش المودة والسكن والاستقرار يا سلمى”.

لم تكن تكذب؛ ربما بصيرتها لم تستطع أن تفرق بين استقرار الزواج وبين أمان وجود الأب. فقد كان والدها يحتويها، يسمعها، يساندها، ويملأ وحدتها حتى لم تشعر يومًا أنها تحتاج إلى أحد غيره. بل إنها بدأت تقلل لقاءاتها بصديقاتها بعدما لاحظت إعجابهن الشديد بوالدها؛ كانت إحداهن تقول: “ما شاء الله! ربي أنعم عليكِ برجل عطوف قلبه مرهف حنون، يا لكِ من محظوظة بهذا الرجل النادر!” وتضيف أخرى: “صراحةً، أتمنى أن أتزوج شخصاً مثل أبيكِ!” فتبتسم حبيبة، لكن الغيرة تنهش قلبها؛ فقد كانت تخشى أن يشاركها أحد حبها لذلك الأب.

وفي مساء شتوي، عاد مجدي من عمله واضعًا يده على صدره. انتفضت حبيبة قائلة: — “حبيبي، ماذا بك؟” ابتسم ليطمئنها: “مجرد إرهاق”.

ولكن الألم تكرر. وفي أحد الأيام، وجدته توقف فجأة أثناء صعوده سلم المنزل. ركضت نحوه: — “أبي! ماذا حل بك؟ أنا خائفة عليك، سأطلب الطبيب!”.

بعد ظهور نتيجة الفحوصات التي طلبها الطبيب، قال بجدية: — “هناك ضيق في الشريان التاجي.” شعرت حبيبة بطعنة في فؤادها، وأمسكت بذراع الطبيب وهي ترتجف: — “ماذا سنفعل؟” ربت على كتفها قائلاً: “لا تقلقي… حالته يمكن علاجها، لكننا ننصح بإجراء عملية في أقرب وقت، مع الالتزام بالأدوية”.

هدأت قليلاً من كلمات الطبيب، أما مجدي فكان صامتاً. وفي طريق العودة قال: — “لا أريد العملية.” توقفت حبيبة في منتصف الطريق: “ماذا تقول يا أبي؟” وأمسكت يده بقوة: “هل فكرت فيَّ؟” قطع صمته الذي دام دقائق ثم قال: “هناك شرط واحد لموافقتي على العملية!” سألته بلهفة: “أي شرط يا أبي؟” قال لها: “عند وصولنا إلى المنزل سأقول لكِ”.

بعد تناولهم للعشاء وجلوسهم على أريكة غرفة النوم، قال لها: — “شرطي يا حبيبتي هو أن تقبلي هذه المرة بالعريس الذي تقدم لكِ.” اختنقت من كلماته ونظرت إلى الأرض. قال بهدوء: — “يا حبيبة… كل أبناء إخوتي تزوجوا، وكل واحد منهم بنى بيته.” ثم أمسك بيديها: “أريد أن أطمئن عليكِ قبل أن أرحل.” انفجرت بالبكاء: “لا تقل أبداً هذه الكلمة!” — “حبيبتي حبيبة، الموت علينا حق، وسيأتي يوم وأغادر، هذه سنة الحياة.” هزت رأسها بعنف قائلة: “لن أتزوج وسأبقى معك للأبد!” ضمها إلى صدره كما كان يفعل وهي طفلة وقال: “سيأتي يوم تبحثين فيه عني فلا تجدينني… أخشى عليكِ من الوحدة.” دفنت وجهها في صدره وهي تبكي: “ابقَ معي للأبد.” ابتسم ومسح دموعها مجيباً: “حاضر يا أميرتي.”
وفي تلك الليلة، نامت وهي ممسكة بيده.

استيقظت مع أذان الفجر تناديه: “حيّ على الصلاة يا أبي.” لم يجب. ابتسمت قائلة: “لا تتظاهر بالنوم!” اقتربت منه ووضعت يدها على وجهه… كان بارداً. هزت كتفه: “أبي… أبي!” ساد الصمت، وازدادت ضربات قلبها. وضعت يدها على صدره… لا نبض! تراجعت مذعورة، وصرخت صرخة هزت أرجاء المنزل: “بابااااااااا!”.

أمسكت هاتفها وهي مرتبكة، فتحت قائمة الأسماء ولم تعرف بمن تتصل؛ لم تكن تعرف رقم الإسعاف ولا الطبيب ولا حتى أقاربها… كانت كل مفاتيح الحياة في يد والدها. جلست على الأرض تبكي كطفلة فقدت والدها في الطريق.

في تلك اللحظة، سمع الجار “العم حسن” صراخها، فأسرع إلى المنزل. وجدها ترتجف عندما فتحت الباب، وكانت تشير إلى الغرفة دون أن تستطيع الكلام. فهم كل شيء؛ اتصل بالطبيب، واستخرج شهادة الوفاة، وأبلغ الأقارب، ورتب إجراءات الغسل والدفن.

أما حبيبة… فكانت تجلس في زاوية الغرفة، تحدق في باب المنزل، كأنها تنتظر أن يدخل والدها ويقول لها كعادته: “بابا جاء”.

امتلأ البيت بالمُعزّين، وجاءت مها وسلمى تبكيان وجلستا بجوارها. قالت مها وهي تحتضنها: — “لماذا ابتعدتِ عنا كل هذه السنوات؟” همست حبيبة بصوت مبحوح: “لأنني ظننت أن أبي هو العالم، ولا أريد أحداً سواه”.

بعد انتهاء العزاء… رحل الجميع وأُغلق الباب. كان أول مساء تمر به في حياتها في وحدة وصمت. عندها فقط… أدركت أن أصعب أنواع الفقد ليس أن يموت من نحب، بل أن يرحل وقد أخذ معه كل الطرق التي كنا نعرف بها الحياة.

مرت الأيام والشهور ولم يداوِ الجرحُ حبيبة؛ قدمت على إجازة بدون راتب، وأغلقت هاتفها، وامتنعت عن الرد على أحد. حتى الستائر أبقتها مغلقة، وكأنها تعاقب الشمس التي تشرق بالرغم من رحيله.

وفي إحدى الليالي، جلست تحتضن قميص والدها، تبكي كما لم تبكِ من قبل.

لم تيأس صديقاتها مها وسلمى؛ كانتا تأتيان كل أسبوع فتجدان الباب مغلقاً، فتتركان الطعام أمام المنزل، وتطرقان بيديهما الحنونتين على الباب: “صنعنا كل ما لذ وطاب لصديقة عمرنا، ولن نتوقف عن المجيء!”.

بعد أسابيع فتحت لهما الباب. كانت حبيبة شاحبة الوجه، وعيناها غائرتين من كثرة البكاء. لم تقل شيئاً، واكتفت بأن ارتمت في حضن مها وبكت. قالت سلمى وهي تمسح دموعها: “أتعلمين؟ كنا نظن أنكِ قوية.” ردت حبيبة: “بالفعل كنت قوية، بسبب وجوده ودعمه لي”.

بدأت الصديقتان تصطحبانها في نزهات قصيرة؛ مرة إلى الحديقة، وأخرى إلى مكتبة كانت تحبها، ثم إلى دار للأيتام قريب من الحي كان والدها حريصاً على التبرع لهم شهرياً.

قالت مديرة الدار عندما رأت حبيبة: “رحمة ونور على الحاج مجدي… لم ينسَ أطفال الدار أبداً.” تفاجأت حبيبة وهمست: “حقاً؟ لم يخبرني بذلك الأمر!” ابتسمت المديرة قائلة: “الخير إذا أُعلن نقص أجره”.

خرجت حبيبة وهي تشعر أنها ما زالت تكتشف والدها، حتى بعد رحيله.

وفي مساء أحد الأيام، دخلت غرفته لأول مرة منذ الوفاة. كانت رائحة عطره لا تزال عالقة بالمكان. جلست على كرسيه، وفتحت درج مكتبه، فوجدت ظرفًا أبيض كتب عليه بخطه: “إلى حبيبتي… إذا سبقتُكِ إلى الله.”

ارتجفت يداها، فتحت الرسالة، وكان أول ما قرأته: “إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فهذا يعني أن الله اختار لي موعدًا لم أستطع تأجيله.” انهمرت دموعها، وأكملت القراءة: “يا حبيبتي… لقد ربيتكِ لتكوني قوية، لا لتنهاري إذا غبت. واعلمي أن أعظم هدية تصلني بعد موتي ليست دموعكِ… بل دعاؤكِ، وصدقتكِ، وأن أراكِ يومًا في الجنة وأنتِ راضية عن حياتكِ”.

توقفت عن القراءة، احتضنت الورقة وبكت… لكنها كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن دموعها تخفف الألم، لا تزيده.

في صباح اليوم التالي، فتحت نافذة غرفتها، فدخل ضوء الشمس للمرة الأولى منذ شهور. ارتدت ثيابها وذهبت إلى عملها، واستقبلها زملاؤها بالتصفيق. لم تكن قد شُفيت تمامًا، لكنها أرادت أن تبدأ من جديد.

عادت إلى صديقاتها، وزارَت أقاربها الذين انقطعت صلتهم بها، وصارت تخرج مع أبناء إخوتها وتحكي لهم قصص جدهم مجدي، حتى أصبحوا يشعرون أنهم عرفوه رغم أنهم لم يعيشوا معه طويلًا. وأصبحت في كل عام، في يوم وفاته، تجمع من يحبونه، ويقرؤون القرآن، ثم يوزعون الطعام على المحتاجين تنفيذًا لما كان يفعله في حياته.

وذات مساء، جلست على المقعد نفسه الذي كان يجلس عليه والدها أمام المنزل. نظرت إلى السماء وقالت برضا وهدوء تام: — “كنت أظن يا أبي أنك أخذت معك الدنيا كلها… لكنني اكتشفت أنك تركت لي جزءاً منها. تركت لي أخلاقك وقيمك، وحب الناس، والعطف والإحسان، وتركت في داخلي امرأة تستطيع أن تكمل الطريق”.

لفحت وجهها نسمات باردة، وكأنها شعرت أن والدها ربت على كتفها كما كان يفعل دائمًا.

نهضت ومشيت باستقامة وثبات ولأول مرة منذ رحيله… وأدركت أن الفقد لا يعني نهاية الحب، بل بداية نوعٍ آخر منه؛ حبّ يعيش في الدعاء، وفي الذكريات، وفي الأعمال الصالحة التي تبقي الراحل حاضرًا في القلوب.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حبيبة سجينة غرفتها ولا حبيسة ذكريات الماضي.

The post تهاوي الحصن appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.