«جدول المرتبات» يقلب المشهد في ليبيا.. ما رأي خبراء الاقتصاد؟

0
3

تتجه أزمة جدول المرتبات الموحد في ليبيا إلى مزيد من التعقيد، مع انتقال الاعتراضات من قطاع إلى آخر، ورفض نقابات المعلمين وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات نسب العلاوات المقترحة وأي تعديلات تمس الحقوق المالية القائمة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من انعكاسات تطبيق الجدول على دخول الموظفين ومستوى معيشتهم، وسط تلويح بوقف الدراسة وتنظيم اعتصامات في المؤسسات التعليمية.

وفي أحدث مواقف قطاع التعليم، أعلنت نقابة معلمي ليبيا رفضها النسب المقترحة لعلاوات التمييز، معتبرة أنها لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المعلمين، ولا تحقق العدالة الاجتماعية التي تطالب بها النقابة، كما أحالت موقفها إلى مجلس النواب للاعتراض على ما وصفته بمحدودية العلاوات المخصصة للمعلمين مقارنة بما اقترح لقطاعات أخرى.

وشددت النقابة على أن تحركها لا يستهدف انتزاع امتيازات خاصة على حساب بقية موظفي الدولة، وإنما يركز على تحقيق الإنصاف وتقدير الدور الذي يؤديه المعلم داخل العملية التعليمية وفي بناء الأجيال، وجددت تمسكها بمطالبها، معلنة رفض العودة إلى المدارس قبل الاستجابة لها، وهو موقف يضع انتظام الدراسة في المؤسسات التعليمية الحكومية أمام احتمالات جديدة من التوتر.

ولم تقتصر الاعتراضات على التعليم الأساسي والمتوسط، إذ امتدت إلى الجامعات، حيث أعلنت نقابات أعضاء هيئة التدريس في جامعات مصراتة ودرنة وطرابلس رفضها أي تعديلات على جدول المرتبات الموحد تؤدي إلى خفض أجور أعضاء هيئة التدريس أو المعيدين، أو الانتقاص من المزايا والاستحقاقات المالية التي حصلوا عليها استنادًا إلى قرارات وتشريعات سابقة.

وأبدت نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة مصراتة قلقها من النتائج المحتملة لتطبيق الجدول على المستحقات المالية للعاملين، محذرة من أن المساس بالحقوق القائمة لن يقتصر أثره على الجانب المادي، بل يمكن أن يمتد إلى الاستقرار الأكاديمي وانتظام العملية التعليمية.

وفي جامعة درنة، أعلنت نقابة أعضاء هيئة التدريس والمعيدين رفضها أي تخفيض محتمل للمرتبات، ولوّحت باللجوء إلى اعتصام عام على مستوى الجامعات وتعليق الدراسة، إذا تضمن تطبيق الجدول تقليص مستحقات منتسبيها.

أما نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة طرابلس، فأكدت بدورها عدم قبولها المساس بمرتبات أعضائها، وأعلنت استعدادها للدخول في اعتصام شامل ووقف الدراسة في حال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى خفض مستحقاتهم المالية.

وتتزامن مواقف النقابات الجامعية مع استمرار مطالب المعلمين المتعلقة بملفات مالية وخدمية أخرى، من بينها صرف الفروقات المالية المتأخرة، وعلاوة الحصة، وتوفير التأمين الصحي، إلى جانب تحسين بيئة العمل، فضلًا عن مطالب معلمي العقود بتسوية مستحقاتهم، وفي هذا السياق أفادت حكومة حماد بأن مراقبات البلديات أحالت بيانات فروقات المعلمين.

وبالتوازي مع التحركات النقابية، دخلت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة للجدول دائرة النقاش، إذ حذر الخبير الاقتصادي علي الشريف، في منشور عبر صفحته على موقع فيسبوك، من أن المشروع الذي استهدف تحسين مستوى المعيشة وانتشال شريحة واسعة من المواطنين من الفقر ربما يقود، وفق تقديره، إلى نتيجة معاكسة تتمثل في دفع أعداد من أبناء الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر.

وقال الشريف إن الخطر لا يكمن فقط في عدم توسيع قاعدة الاستقرار المعيشي، بل في احتمال اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى، معتبرًا أن التشريعات الاقتصادية لا تُقيّم بالنوايا المعلنة لمعدّيها، وإنما بالنتائج الفعلية التي تتركها على حياة المواطنين، ووجّه انتقادًا إلى أعضاء مجلس النواب بشأن طريقة التعامل مع الملف.

وفي منشور آخر، ربط الشريف الأزمة المالية التي يعيشها المواطن بالتضخم الجامح وتراجع القوة الشرائية، مشيرًا إلى أن قيمة الدخول والمدخرات تتآكل بصورة متواصلة، بينما ينشغل السياسيون، بحسب تعبيره، بملف توحيد البلاد وتأجيل معالجة التدهور الاقتصادي إلى مرحلة لاحقة.

وأضاف أن المواطن يتحمل وحده كلفة الانقسام السياسي والأزمة الاقتصادية، في ظل تراجع قيمة أمواله وتزايد أعباء المعيشة وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، متسائلًا عن جدوى تأجيل الحلول الاقتصادية والسياسية بينما تتراجع قدرة المواطنين على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

ومن زاوية الإصلاح الاقتصادي الشامل، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة، في تصريحات لصحيفة «صدى الاقتصادية»، أن تعديل المرتبات وتحقيق العدالة بينها يمثلان خطوة مهمة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لمعالجة الاختلالات الاقتصادية في ليبيا.

وأكد بن شرادة أن الإصلاح لا يتحقق بقرارات منفردة، وإنما يحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل ترشيد الإنفاق العام، ومراجعة فاتورة الدعم التي قال إنها ارتفعت من نحو 6 مليارات إلى 15 مليار دينار، والعمل على إعادتها إلى مستويات ما قبل عام 2021، إلى جانب إصلاح سياسة الاستيراد التي وصفها بأنها تُركت مفتوحة على مصراعيها، حتى أصبح الليبيون يستوردون بالدولار أبسط احتياجاتهم، بما فيها مياه الشرب.

وشدد عضو المجلس الأعلى للدولة على أن تحقيق العدالة في المرتبات لا ينفصل عن حماية قيمة الدينار واستقرار الأسعار وضبط الإنفاق، محذرًا من أن زيادة الأجور تفقد جدواها إذا ابتلع التضخم قيمتها وتراجعت القوة الشرائية للعملة، واعتبر أن الإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على رفع الأرقام في كشوف المرتبات، بل يتطلب تغيير السياسات التي تتحكم في الاقتصاد، حتى لا تؤدي معالجة مشكلة إلى إنتاج أزمات أكبر.

وفي الجانب القانوني، أثار المستشار القانوني هشام الحاراتي، وفق تصريحات نقلتها صحيفة «صدى الاقتصادية»، تحفظات على جدول المرتبات المقترح بحسب النسخة المتداولة، واصفًا إياه بأنه يتضمن أوجه قصور قانونية، ولا يصلح للتمرير قبل إخضاعه لدراسة معمقة من النواحي القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وحذر الحاراتي من أن التعامل العشوائي مع حقوق الموظفين تحت شعار تحقيق العدالة يمكن أن يؤدي إلى تقويض تلك الحقوق بدلًا من حمايتها، مؤكدًا أن مستحقات ملايين الليبيين لا ينبغي أن تخضع لقرارات ارتجالية أو لسياسة توزيع غير مدروسة.

ودعا المستشار القانوني إلى رفض فرض الأمر الواقع، وفتح نقاش جاد يشارك فيه المجتمع والمختصون قبل إقرار أي تشريع يمس دخول المواطنين ومستقبلهم، مشددًا على أن العدالة لا تتحقق بالارتجال.

وتكشف المواقف النقابية والتصريحات الاقتصادية والقانونية عن اتساع نطاق الخلاف بشأن جدول المرتبات، بين مطالب بإعادة توزيع العلاوات بما يحقق الإنصاف الوظيفي، ومخاوف من المساس بالحقوق المالية المكتسبة، وتحذيرات من أن أي زيادة في الأجور لن تحقق أهدافها ما لم تتزامن مع معالجة التضخم وضبط الإنفاق وحماية القوة الشرائية.

وبين تمسك النقابات بمطالبها واستعداد بعضها للتصعيد، واستمرار الجدل حول الآثار الاقتصادية والقانونية للجدول، يبقى انتظام الدراسة ومستحقات العاملين ومستوى معيشة الموظفين ضمن أبرز الملفات المرتبطة بمآلات هذا الخلاف في ليبيا.

The post «جدول المرتبات» يقلب المشهد في ليبيا.. ما رأي خبراء الاقتصاد؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.