حقائق غذائية قد تغيّر اختيارك.. هل «الخبز الأسمر» دائماً أفضل؟

0
4

يُعد الخبز من أكثر الأغذية حضورًا على موائد العالم، لكنه أصبح خلال السنوات الأخيرة محور نقاش واسع بين خبراء التغذية والباحثين حول تأثيره في مستويات سكر الدم، وصحة القلب، والوزن، والجهاز الهضمي، وبينما يُنظر غالبًا إلى الخبز الأسمر باعتباره الخيار الصحي الأفضل، فإن الدراسات العلمية تشير إلى أن الاختيار لا يعتمد فقط على لون الرغيف، بل على نوع الحبوب المستخدمة، ودرجة معالجتها، وكمية الألياف الموجودة فيه، وطريقة تناوله ضمن النظام الغذائي اليومي.

ويصنع الخبز الأبيض عادة من دقيق القمح المكرر، حيث تزال طبقات النخالة والجنين أثناء عملية الطحن، وهما الجزآن الأكثر احتواءً على الألياف والفيتامينات والمعادن. وتؤدي هذه العملية إلى إنتاج دقيق أكثر نعومة وأطول صلاحية، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته الغذائية مقارنة بالحبوب الكاملة.

أما الخبز الأسمر أو خبز الحبوب الكاملة، فيُصنع من القمح الكامل الذي يحتفظ بمكوناته الثلاثة الرئيسية: النخالة والجنين والسويداء، ما يجعله أكثر غنى بالألياف الغذائية والمغنيسيوم والفيتامينات ومركبات نباتية مفيدة للجسم.

وتشير دراسات عديدة إلى أن الفرق الأهم بين النوعين يرتبط بسرعة تأثيرهما على سكر الدم. فالخبز الأبيض يحتوي على كربوهيدرات سهلة الهضم، ما يؤدي غالبًا إلى ارتفاع أسرع في مستويات الغلوكوز بعد تناوله، خصوصًا عند استهلاكه بكميات كبيرة أو بمفرده دون مصادر للبروتين أو الدهون الصحية.

في المقابل، تساعد الألياف الموجودة في الخبز الأسمر على إبطاء عملية الهضم وامتصاص الكربوهيدرات، ما يؤدي إلى ارتفاع أكثر توازنًا في سكر الدم وشعور أطول بالشبع. وتربط أبحاث غذائية بين زيادة تناول الحبوب الكاملة وانخفاض خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب وبعض الاضطرابات المرتبطة بزيادة الوزن.

لكن الاعتقاد بأن كل خبز أسمر صحي بالضرورة ليس دقيقًا، إذ تشير الدراسات إلى أن بعض المنتجات التي تُسوَّق على أنها “أسمر” قد تحتوي على دقيق مكرر مع إضافة ألوان أو كميات قليلة من النخالة فقط. لذلك يُنصح بقراءة المكونات والتأكد من وجود عبارة “حبوب كاملة” أو “قمح كامل” ضمن المكونات الأساسية، وليس الاكتفاء بلون الخبز.

ويمتلك الخبز الأبيض بعض المزايا، إذ يكون سهل الهضم مقارنة بالخبز الغني بالألياف، وقد يكون مناسبًا لبعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات في الجهاز الهضمي أو يحتاجون إلى أطعمة منخفضة الألياف لفترات محددة بناءً على توصيات طبية. كما أن بعض أنواع الخبز الأبيض المدعمة تُضاف إليها فيتامينات ومعادن لتعويض جزء من العناصر التي فقدت أثناء التصنيع.

إلا أن الإفراط في تناول الخبز الأبيض، خصوصًا مع قلة الحركة ونظام غذائي غني بالسكريات والدهون، قد يرتبط بزيادة الوزن واضطراب مستويات السكر في الدم بسبب سرعة امتصاصه وقلة محتواه من الألياف. كما أن الاعتماد الكبير على الحبوب المكررة بدل الحبوب الكاملة ارتبط في عدد من الدراسات بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة.

أما الخبز الأسمر، فمن أبرز فوائده أنه يساعد على تحسين صحة الجهاز الهضمي بفضل الألياف التي تدعم حركة الأمعاء وتغذي البكتيريا النافعة في القولون. كما يمكن أن يساهم في تحسين الشعور بالشبع وتقليل تناول السعرات الزائدة، وهو ما يجعله خيارًا مناسبًا للأشخاص الذين يسعون إلى التحكم في الوزن.

وتشير أبحاث منشورة في مجلات علمية متخصصة في التغذية إلى أن استبدال جزء من الحبوب المكررة بالحبوب الكاملة قد يحسن مؤشرات صحية عديدة، من بينها مستويات الكوليسترول، وضغط الدم، وتنظيم عمليات الأيض داخل الجسم.

ورغم هذه الفوائد، فإن الخبز الأسمر ليس غذاءً خاليًا من السعرات أو الكربوهيدرات، والإفراط في تناوله يمكن أن يؤدي إلى زيادة السعرات اليومية وارتفاع سكر الدم، خصوصًا لدى الأشخاص المصابين بالسكري إذا لم تتم مراعاة الكمية الإجمالية من النشويات في الوجبات.

وتؤكد الدراسات أن طريقة تناول الخبز تلعب دورًا كبيرًا في تأثيره على الجسم. فتناول الرغيف مع مصادر للبروتين مثل البيض أو الأسماك أو الدجاج، أو مع الدهون الصحية مثل زيت الزيتون والمكسرات، يساعد على إبطاء امتصاص الكربوهيدرات مقارنة بتناول الخبز وحده.

كما يختلف تأثير الخبز من شخص إلى آخر، إذ أظهرت بعض الأبحاث الحديثة أن استجابة سكر الدم للأطعمة ليست متطابقة بين جميع الأفراد، وقد تختلف بحسب تكوين الجسم، ونمط الحياة، وصحة الجهاز الهضمي، وتركيبة البكتيريا المعوية.

ويعتبر اختيار الخبز المناسب جزءًا من صورة غذائية أكبر، فالأهم ليس حذف الخبز بالكامل، وإنما اختيار النوع الأكثر فائدة وتناوله بكميات مناسبة ضمن نظام يعتمد على الخضروات والبروتينات ومصادر الدهون الصحية.

وبشكل عام، فإن الخبز المصنوع من الحبوب الكاملة يكون غالبًا الخيار الأفضل لمن يرغب في الحفاظ على استقرار مستويات السكر ودعم صحة القلب والجهاز الهضمي، بينما يبقى الخبز الأبيض خيارًا يمكن تناوله باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن، خصوصًا عند التحكم في الكمية واختيار مكونات الوجبة بعناية.

والاختيار الذكي لا يبدأ من لون الرغيف فقط، بل من معرفة ما يحتويه، فالرغيف الذي يحافظ على توازن سكر الدم هو غالبًا ذلك الذي يوفر أليافًا أكثر، ويُهضم ببطء، ويأتي ضمن نمط حياة صحي متكامل.

The post حقائق غذائية قد تغيّر اختيارك.. هل «الخبز الأسمر» دائماً أفضل؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.