العمليات الحسابية التي أوردها حسني بي، بل في الافتراضات الاقتصادية التي بُنيت عليها تلك العمليات، فالأرقام قد تكون صحيحة حسابيًا، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى النتائج التي استنتجها.
الكتابة قراءة اقتصادية نقدية لمقترح استبدال دعم المحروقات بالدعم النقدي.
يقدم الأستاذ حسني بي مقترحًا متكاملاً لاستبدال دعم المحروقات والطاقة بدعم نقدي مباشر للمواطنين، ويستند إلى سلسلة من الأرقام والاستنتاجات التي تبدو للوهلة الأولى منطقية، غير أن التحليل الاقتصادي لا يكتفي بصحة العمليات الحسابية، بل يختبر صحة الافتراضات التي بُنيت عليها تلك الحسابات.
أولاً: افتراض أن تكلفة الدعم الحالية تبلغ 100 مليار دينار
ينطلق المقترح من فرضية أن تكلفة دعم المحروقات والطاقة تبلغ نحو 100 مليار دينار سنويًا.
لكن السؤال الاقتصادي الأساسي هو: هل هذه الكلفة تمثل دعمًا نقديًا حقيقيًا تتحمله الخزانة العامة أم أنها تمثل “تكلفة فرصة بديلة” ناتجة عن بيع الوقود والكهرباء بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية؟
الفرق جوهري.
فليس كل مبلغ يُصنف دعمًا يمكن تحويله تلقائيًا إلى سيولة نقدية قابلة للتوزيع على المواطنين، لأن جزءًا كبيرًا منه عبارة عن تقديرات محاسبية وليس أموالاً متاحة فعليًا في الخزانة.
وبالتالي فإن افتراض وجود 100 مليار دينار جاهزة للتحويل إلى المواطنين يحتاج إلى إثبات مالي ومحاسبي مستقل.
ثانياً: افتراض ثبات عدد المستحقين عند 8.6 مليون مواطن
يفترض المقترح أن جميع السكان مستحقون للدعم بالتساوي.
لكن اقتصاديًا فإن أي برنامج تحويل نقدي شامل بهذا الحجم يواجه تحديات ضخمة:
الازدواجية في السجلات.
المقيمون خارج البلاد.
الوفيات غير المحدثة.
المواليد الجدد.
العمالة الأجنبية الحاصلة على أرقام أو وثائق.
حتى خطأ بنسبة 5% فقط في قاعدة البيانات يعني مليارات الدنانير المهدرة سنويًا.
ثالثاً: افتراض أن التضخم لن يتجاوز 1.8% إلى 3.5%
هذه أكثر فرضيات الدراسة ضعفًا.
اقتصاديًا لا يرتبط التضخم فقط بوزن النقل في سلة الأسعار.
في ليبيا الوقود يدخل في:
النقل.
الزراعة.
الصيد.
البناء.
الصناعة.
توزيع الأغذية.
خدمات المياه.
الخدمات اللوجستية.
وبالتالي فإن رفع سعر البنزين من بضعة قروش إلى 6 دنانير للتر يمثل زيادة تتجاوز آلاف النسب المئوية.
ولا يوجد نموذج اقتصادي معروف يتوقع أن صدمة سعرية بهذا الحجم تنعكس على الاقتصاد كله بنسبة تضخم لا تتجاوز 3%.
بل إن تجارب رفع الدعم في دول عديدة أظهرت أن الآثار غير المباشرة غالبًا ما تفوق الآثار المباشرة عدة مرات.
رابعاً: افتراض أن التجار لن ينقلوا كامل التكلفة إلى المستهلك
المقترح يفترض ضمنيًا أن السوق الليبية ستتصرف بكفاءة.
لكن الاقتصاد الليبي يعاني من:
احتكارات.
ضعف المنافسة.
ضعف الرقابة.
هيمنة الاستيراد.
لذلك فإن أي زيادة في تكاليف الوقود ستنتقل غالبًا إلى أسعار السلع بصورة أكبر من التقديرات النظرية.
وهنا تكمن الفجوة بين النموذج الرياضي والواقع الاقتصادي.
خامساً: افتراض أن الأسرة المتوسطة ستحقق مكسبًا صافياً
الحسابات الواردة تركز على تكلفة الوقود والكهرباء فقط.
لكنها لا تحتسب:
ارتفاع أسعار الغذاء.
ارتفاع مواد البناء.
ارتفاع النقل العام والخاص.
ارتفاع الخدمات الطبية.
ارتفاع إيجارات بعض الأنشطة.
وعندما تُضاف هذه العناصر قد يتآكل جزء كبير من المكاسب النقدية المتوقعة.
سادساً: افتراض تحقيق وفر يتراوح بين 3.4 و6.8 مليار دولار
هذا الاستنتاج يعتمد على افتراض ترشيد الاستهلاك بنسبة 20% إلى 40%.
لكن لا توجد ضمانة اقتصادية لتحقيق هذه النسب.
بل قد يحدث الآتي:
زيادة الطلب على الدولار بسبب ارتفاع الأسعار.
توسع السوق السوداء.
زيادة تهريب النقد بدلاً من تهريب الوقود.
وبالتالي فإن الوفر المتوقع ليس نتيجة مؤكدة بل مجرد سيناريو افتراضي.
سابعاً: افتراض تحسن قيمة الدينار تلقائياً
تحسن سعر الصرف لا يرتبط فقط بتقليل استيراد الوقود.
بل يتوقف على:
حجم الاحتياطي الأجنبي.
السياسة النقدية.
الإنفاق الحكومي.
الثقة في الاقتصاد.
الاستقرار السياسي.
ولذلك لا توجد علاقة حتمية بين رفع الدعم وتحسن قيمة الدينار.
ثامناً: الادعاء بخروج جميع الليبيين من الفقر
هذا الاستنتاج غير دقيق اقتصاديًا.
الفقر ليس مجرد دخل نقدي.
فقد يحصل المواطن على دخل إضافي ثم يفقده لاحقًا بسبب:
التضخم.
ارتفاع الإيجارات.
ارتفاع أسعار الغذاء.
تراجع القوة الشرائية.
ولهذا فإن المؤسسات الدولية تقيس الفقر بمؤشرات متعددة وليس بالدخل النقدي فقط.
الخلاصة
المشكلة في مقترح استبدال الدعم ليست في الحسابات الرياضية، بل في الافتراضات الاقتصادية المتفائلة للغاية التي بُنيت عليها.
فالقول إن:
التضخم لن يتجاوز 3.5%.
الدينار سيتحسن.
الأسر ستربح.
الفقر سيختفي.
الميزان التجاري سيتحسن بمليارات الدولارات.
كلها نتائج تعتمد على سلسلة طويلة من الافتراضات غير المضمونة.
وعليه فإن المقترح يصلح كنقطة انطلاق للنقاش، لكنه لا يصلح حتى الآن كخطة اقتصادية مؤكدة النتائج، لأن الاقتصاد الحقيقي أكثر تعقيدًا بكثير من الجداول الحسابية والنماذج النظرية
The post حول ما كتب حسني بي appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
