تأسست مرافق الدولة وأجهزتها المدنية والأمنية لغرض وحيد وواضح، وهو “خدمة المواطن” وتمكينه من حقوقه الأصيلة التي كفلها القانون، غير أن الواقع المرير داخل أروقة العديد من المؤسسات يعكس انقلاباً فادحاً في هذه العقيدة الإدارية. لقد تحول المشهد إلى مفارقة مهينة يُعامل فيها صاحب الحق كأنه متسول يقف على أبواب المنّة والإحسان، وتحديداً في الإدارات الخدمية الأكثر احتكاكاً بالجمهور، حيث أصبحت مراجعة بعض هذه المقار بمثابة اختبار شاق للأعصاب واستنزاف لكرامة الناس وكرامة أسرهم، بدلاً من أن تكون واجهة حضارية تؤدي واجباً وطنياً وظيفياً “لا فضل لأحد فيه على أحد”.
إن تحوّل إنجاز أبسط ورقة إدارية إلى رحلة مُضنية من المُماطلة والتعالي واللامبالاة يطرح علامات استفهام كبرى حول الثقافة السائدة خلف تلك المكاتب؛ إذ يبدو للمراجع وكأن عبوس الوجه، وخشونة اللفظ، وغياب المروءة قد باتت شروطاً غير مكتوبة للوظيفة العامة، وأن التبسم في وجه المواطن واحترام وقته أصبحا مخالفة إدارية يُحاسب عليها القانون. هذا الاستعلاء الإداري غير المبرر لا يعكس قوة الدولة بل يعكس ضعف منظومتها الرقابية، ويخلق فجوة عميقة من الإحباط والنفور بين المواطن ومؤسساته العامة، محولاً الحق المشروع إلى مسار طويل ومحبط من المعاناة النفسية والجسدية.
وأمام هذا التردي، تظل الدعوة الصادقة موجهة إلى ضمير “الموظف العام” في كافة القطاعات والمواقع: تذكّر أن هذا المواطن الواقف أمامك لم يأتِ لطلب صدقة، بل جاء لنيل حقه، وهو إنسان يتفاوت في ظروفه الصحية، والجسدية، والنفسية، فقد يكون بين يديك مريض يكابد وجعه، أو مُثقل بأعباء الحياة وضيق ذات اليد. إن التحلي بحسن الخلق، وبشاشة الوجه، ومراعاة ظروف المراجعين ليست تفضلاً إضافياً بل جوهر الأمانة والمسؤولية الأخلاقية؛ فمظهر الوظيفة العامة يتحدد بقدرتها على احترام الإنسان وصون كرامته، والكلمة الطيبة مع إنجاز الواجب كفيلان بإعادة بناء الثقة وتصحيح مسار الإدارة الخدمية برمتها.
The post خدمة الناس أمانة.. والابتسامة وراء المكاتب ليست مخالفة إدارية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.