خسارة بقيمة 25 مليون دينار كل ساعة.. شبكة «عين ليبيا» أين تذهب أموال المواطنين في الخفاء؟

0
2

تواجه السوق الليبية ضغوطاً متواصلة على أسعار السلع والخدمات، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطن وتداخل عوامل مالية (إنفاق عام)، نقدية (فجوة سعرية)، وإنتاجية وخدمية، بالتزامن مع استمرار أزمة الكهرباء والوقود وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل. ويعيد هذا الواقع طرح أسئلة تتعلق بأسباب ارتفاع الأسعار، وحدود قدرة القرار الإداري والإجراءات الرقابية على معالجتها، والحلول المطلوبة لحماية القوة الشرائية وتعزيز الإنتاج المحلي.

وقال رجل الأعمال حسني بي، في تصريحات لشبكة «عين ليبيا»، إن السبب الأساسي في تقديره متلي واقتصادي ومنها تحول إلى نقدي وإنتاجي قبل أن يكون رقابياً، موضحاً أن ليبيا تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها، وبالتالي فإن التضخم وانخفاض قيمة الدينار ينتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والمواد الخام وقطع الغيار.

وأضاف أن هناك عاملاً آخر لا يحظى بما يكفي من الاهتمام، وهو ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي بسبب عدم انتظام الكهرباء والوقود وتعطل النشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن الاحتكار في ليبيا مقتصر على المؤسسات المملوكة والتابعة للدولة، مثل الكهرباء والطاقة، مضيفاً أن ضعف المنافسة قد يضيفان هامشاً غير مبرر، ويجب التصدي لهما، لكنهما لا يفسران ارتفاع آلاف الأسعار لمواد غير محتكرة في الوقت نفسه.

وأوضح أنه عندما ترتفع معظم الأسعار معاً، فالمشكلة أكبر من التاجر أو المصنع، قائلاً: «علينا أن ننظر إلى الإنفاق العام، العجز بالميزانية، سعر الصرف، وخلق النقود من أجل تمويل العجز، وتوفر الطاقة، وتكاليف الإنتاج والنقل، وحجم السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد».

وعن تأثير أزمة الكهرباء والوقود على تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين، قال بي إن تأثيرها أكبر بكثير من فاتورة المولد الكهربائي، موضحاً أن المواطن يدفع حالياً وبالغ التكلفة «250% الـ100% الأولى من خلال الميزانية والـ150% الإضافية من خلال قيمتها بالسوق الموازية»، مشيراً إلى أن لتر الوقود يكلف المواطن أكثر من 15 دل/التر، والكهرباء تكلف أكثر من 2.500 دل للكيلو.

وأضاف أن المواطن يدفع قيمة انقطاع الكهرباء، لأن ذلك يسبب للاقتصاد خسارتين في الوقت نفسه؛ الأولى هي خسارة في الناتج المحلي نتيجة توقف المصانع والمتاجر والمخابز والمكاتب والخدمات وسلاسل التبريد وتعطل ساعات العمل والإنتاج، والثانية هي تكلفة الطاقة البديلة.

وأوضح أنه عندما تتوقف محطة كهرباء مركزية كبيرة، لا يختفي الطلب على الكهرباء؛ بل ينتقل جزء منه إلى عشرات الآلاف من المولدات الصغيرة والمتوسطة الموزعة بين المنازل والمصانع والمتاجر والمستشفيات.

وقال إن هذه طريقة أكثر كلفة وأقل كفاءة لإنتاج الكهرباء، موضحاً أن المحطة المركزية الحديثة، خصوصاً عند تشغيلها بالغاز وبتقنيات الدورة المركبة، تستطيع إنتاج الوحدة الكهربائية بكفاءة أعلى بكثير من مولد ديزل صغير.

وأضاف أن ليبيا تستهلك في البديل اللامركزي وقوداً أكثر لإنتاج الكيلوواط/ساعة نفسه، إضافة إلى تكلفة شراء المولد وصيانته وزيوته وقطع غياره واستبداله، قائلاً: «أي أننا نخسر الإنتاج أولاً، ثم ندفع تكلفة إضافية حتى نستعيد جزءاً من الكهرباء المفقودة».

وأشار إلى أن هذه التكلفة تنتقل في النهاية إلى الخبز والغذاء والدواء والنقل والتخزين وكل سلعة أو خدمة تقريباً.

وأكد بي أن هناك مفهوماً يجب تصحيحه، وهو أن الكهرباء في ليبيا ليست مجانية، موضحاً أن فاتورة الكهرباء التي يدفعها المستهلك مباشرة قد تكون منخفضة جداً أو قد لا تُحصّل بكفاءة، لكن إنتاج الكهرباء نفسه ليس مجانياً، وأنه «يكلف كل أسرة ليبية من 6 أفراد ما لا يقل عن 3300 دل/شهرياً».

وأضاف أن هناك غازاً طبيعياً ووقوداً سائلاً، ومحطات وتوربينات وشبكات نقل وتوزيع، ورواتب، وصيانة وقطع غيار واستثمارات رأسمالية.

وتساءل: «من يدفع؟»، مجيباً: «في النهاية الميزانية العامة والدولة والمواطن الليبي من ثروته العامة».

وأوضح أن حتى الغاز الذي يصل إلى محطة الكهرباء له قيمة اقتصادية، قائلاً إنه إذا استُهلك محلياً دون تسعير ظاهر فهذا لا يجعل تكلفته صفراً؛ فهناك تكلفة إنتاج وفرصة بديلة لاستخدامه أو تصديره.

وكذلك، بحسب بي، فإن الوقود السائل الذي يُحرق في محطات الكهرباء له تكلفة حقيقية، سواء ظهر للمستهلك في فاتورة الكهرباء أم دفعته الخزانة من الإيرادات النفطية.

وأكد: «لا يوجد شيء اسمه كهرباء مجانية؛ توجد فقط فاتورة يدفعها المستهلك مباشرة، أو فاتورة تخفيها الدولة داخل الميزانية العامة».

وأضاف أن فاتورة الكهرباء التي تتحملها الدولة الليبية ليست صغيرة، وأن «الدولة ليست إلا الشعب والأرض».

وفي ما يتعلق بأسعار الخبز والسلع الأساسية، قال بي إنه قد توجد مبالغة واستغلال واحتكار، لكن علينا أولاً حساب التكلفة الحقيقية قبل اتهام المنتج أو التاجر.

وضرب مثالاً برغيف الخبز، قائلاً إن تكلفته ليست الدقيق فقط، بل هناك كهرباء ومياه وغاز أو وقود وأجور ونقل وصيانة وإيجار ومعدات وتكلفة تمويل وهدر.

وأضاف أنه إذا انقطعت الكهرباء وأُدخل مولد خاص إلى المعادلة، ترتفع التكلفة مرة أخرى بسبب الوقود والصيانة وانخفاض كفاءة المولد.

وأكد أن المطلوب هو شفافية في التكلفة ومنافسة حقيقية، وليس تسعيراً جبرياً لا يعترف بالتكلفة الاقتصادية.

وأوضح أنه إذا فرضت الدولة سعراً أدنى من التكلفة، فإنها لا تلغي التكلفة، بل تدفع المنتج إما إلى تقليل الجودة أو تقليل الإنتاج أو الخروج من السوق أو الانتقال إلى سوق غير رسمية.

وعن تأثير السيولة وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة على القدرة الشرائية، قال بي إن الأثر كبير، لأن المواطن يتعرض لضغوط من جهتين؛ فمن جهة تضعف قيمة الدينار فترتفع تكلفة السلع المستوردة، ومن جهة أخرى ترتفع تكلفة إنتاج السلع والخدمات المحلية نتيجة الكهرباء والطاقة والنقل وقطع الغيار.

وأضاف أنه في الوقت نفسه، انقطاع الكهرباء يخفض الناتج الحقيقي نفسه.

وقال إن هناك علاقة مهمة، مفادها أنه إذا زادت كمية الدينارات بينما انخفضت كمية السلع والخدمات المنتجة، فإن الضغط على الأسعار يصبح مضاعفاً.

وأوضح أن المشكلة ليست فقط أن لدينا نقوداً أكثر، بل قد يكون لدينا في بعض الفترات إنتاج أقل بسبب الانقطاع والتعطل.

ولذلك، يرى بي أن إصلاح الكهرباء ليس مجرد إصلاح خدمي، بل هو سياسة لمكافحة التضخم وحماية القوة الشرائية وزيادة الناتج المحلي.

وحذر، مع استمرار مشاكل الكهرباء والوقود، من أن الخطر قائم بالتأكيد إذا استمرت أربعة عوامل معاً: «إنفاق عام بالعجز + ضعف الدينار + اضطراب الطاقة + نمو الإنفاق والسيولة أسرع من نمو الإنتاج».

وأشار إلى أن القطاعات الأكثر تعرضاً هي الصناعات الغذائية، والمخابز، والتبريد والتجميد، والألبان، والمستشفيات، والمطاعم والفنادق، والمصانع، والنقل، ومواد البناء والأنشطة التجارية التي تعتمد على مخازن مبردة أو كهرباء مستمرة.

وقال إن «كل ساعة انقطاع لها ثمن اقتصادي يتعدى 25 مليون دينار لكل ساعة واحدة»، موضحاً أن جزءاً منه يظهر في الديزل الذي يحرقه المولد، ولكن الجزء الآخر — وربما الأهم — لا يظهر في أي فاتورة، وهو الإنتاج الذي كان يمكن أن يتحقق ولم يتحقق.

وأضاف أن هذا هو فاقد الناتج المحلي الناتج عن الانقطاع.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية الحالية، قال بي إنه لا يعتقد أن معالجة الأسعار بالقرار الإداري وبالرقابة والتسعير الإداري كافية.

وأوضح أن الرقابة مطلوبة لمنع الاحتكار والغش والتلاعب، لكنها لا تستطيع أن تجعل الدولار أرخص، ولا أن تنتج كهرباء، ولا أن تعوض مصنعاً عن ساعات توقفه، ولا أن تجعل مولد ديزل صغيراً أكثر كفاءة من محطة كهرباء مركزية.

وأكد أن الحل يحتاج إلى إصلاح مترابط يشمل ضبط الإنفاق ووقف خلق الدينار لتمويل العجز، ومعالجة فجوة سعر الصرف، وإصلاح الكهرباء، وضمان الوقود، وتحسين المنافسة، وإصلاح الدعم.

وأضاف أن الأهم في الكهرباء هو الغاز أولاً، وتشغيل المحطات الأكثر كفاءة، وتقليل استخدام الوقود السائل، والصيانة الحقيقية، والعدادات والتحصيل.

وعن تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي، قال بي إنه لا يمكن مطالبة القطاع الخاص بزيادة الإنتاج المحلي بينما نحرمه من أهم مدخل للإنتاج: الكهرباء المستقرة.

وأوضح أن المصنع الذي يعمل ثماني ساعات مستقرة من الشبكة أكثر قدرة على المنافسة من مصنع يعمل أربع ساعات من الشبكة وأربعاً بمولد ديزل.

ولذلك، يرى أن إصلاح الكهرباء يجب النظر إليه كاستثمار في الإنتاجية والتنافسية وليس فقط كتحسين لخدمة عامة.

وقال إن ليبيا تستطيع التوسع في الصناعات الغذائية والتحويلية، والألبان، ومواد البناء، والصناعات المرتبطة بالطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية، لكن ذلك يحتاج إلى كهرباء مستقرة وتمويل ومنافسة وموانئ فعالة وسياسة اقتصادية يمكن للمستثمر توقعها لسنوات.

وحول الحلول العاجلة لوقف تآكل القدرة الشرائية، قال بي إن الأولوية الأولى هي وقف الحلقة التي تجمع بين زيادة الإنفاق العام وخلق النقود وضعف الإنتاج وتدهور سعر الصرف.

وأضاف أن الأولوية الثانية هي اعتبار الكهرباء جزءاً من البرنامج الاقتصادي، وليس ملفاً خدمياً منفصلاً، موضحاً أن كل ميغاواط موثوق يُعاد إلى الشبكة يقلل تشغيل المولدات، ويوفر الوقود، ويخفض تكلفة المنتج، ويزيد ساعات العمل والإنتاج.

أما الأولوية الثالثة، بحسب بي، فهي إصلاح الدعم من خلال الاستبدال الفوري والنقدي.

وأكد: «أنا لا أدعو إلى إلغاء الحماية الاجتماعية، بل إلى تغيير طريقة تقديمها: من دعم سعر السلعة الذي ثبت فشله إلى دعم المواطن نقداً لتحقيق عدالة التوزيع».

وأوضح أن الوقود والكهرباء الرخيصة ظاهرياً ليست مجانية، وأن المواطن يدفع تكلفتها بصورة غير مباشرة من الميزانية العامة، ومن عائدات النفط، ومن انخفاض الخدمات والاستثمارات الأخرى التي كان يمكن تمويلها بهذه الأموال.

وأضاف أن الدعم السلعي المفتوح يخلق أيضاً فجوة سعرية تشجع الإفراط في الاستهلاك والتهريب.

وأكد أنه يجب معرفة التكلفة الحقيقية للطاقة، ثم تحديد بوضوح مقدار ما تريد الدولة تحمله منها ومقدار ما تريد تحويله مباشرة إلى المواطن.

وفي خلاصة حديثه، قال بي إن المشكلة في ليبيا لا يمكن اختزالها في «جشع التجار»، كما لا يمكن حلها بدورية تفتيش أو قائمة أسعار أو بقرارات ولا حتى «بحكم بالسجن مليون ليبي».

وأوضح أن هناك معادلة اقتصادية واضحة: «دينار يضعف + سيولة وإنفاق يتوسعان + كهرباء تنقطع + إنتاج يتعطل + مولدات تستهلك وقوداً بكفاءة أقل + اقتصاد يعتمد على الاستيراد = أسعار أعلى وقوة شرائية أقل».

وشدد على ضرورة إنهاء وهم أن الطاقة مجانية ووهم الدولار الرخيص، قائلاً: «لا توجد كهرباء مجانية، ولا وقود مجاني، ولا دولار رخيص مجاني».

وأضاف: «هناك دائماً تكلفة؛ والسؤال الوحيد هو: من يدفعها، وكيف تظهر في حسابات الدولة والاقتصاد؟»

وأوضح أنه حين تدفع الخزانة ثمن الكهرباء والوقود بدلاً من المستهلك، فإن التكلفة لم تختفِ، بل انتقلت فقط من فاتورة المواطن إلى الميزانية العامة وثروته الوطنية.

وحين تنقطع الكهرباء، تصبح الفاتورة أسوأ، إذ «ندفع تكلفة منظومة الكهرباء المركزية، ثم ندفع تكلفة المولدات والوقود البديل، وفوق الاثنين نخسر جزءاً من الناتج المحلي الذي لم يُنتج بسبب الانقطاع».

وأكد أن استقرار الكهرباء، واستقرار الدينار، وضبط خلق النقود، وزيادة الإنتاج، وتحويل الدعم من السلعة إلى المواطن ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من سياسة واحدة لحماية القوة الشرائية للمواطن الليبي.

وختم بي بالتأكيد على أن الجملة الأقوى صحفياً في هذا السياق هي: «عند انقطاع الكهرباء ندفع ثلاث مرات: تكلفة المنظومة العامة، وتكلفة المولد والوقود البديل، ثم تكلفة الإنتاج الذي لم يحدث.»، معتبراً أنها تختصر البعد الذي كان مفقوداً في الإجابة السابقة.

The post خسارة بقيمة 25 مليون دينار كل ساعة.. شبكة «عين ليبيا» أين تذهب أموال المواطنين في الخفاء؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.