في ظل توجيه النائب العام بمراجعة المؤهلات العلمية للعاملين في مؤسسات الدولة، يبرز ملف الشهادات العلمية المزورة وما يترتب عليها من مسؤوليات جنائية وإدارية، إلى جانب التساؤلات حول آليات التدقيق وحدود المسؤولية القانونية في الحالات القديمة، ومدى إمكانية ربط هذه المراجعة بإصلاح أوسع لمنظومة الوظيفة العامة.
وقال أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا مجدي الشبعاني لـ«عين ليبيا» إن القانون الليبي ينظر إلى تزوير الشهادات العلمية باعتباره صورة من صور تزوير المحررات، وتشتد المسؤولية متى تعلقت الشهادة بمحرر رسمي أو صدرت أو اعتمدت من جهة عامة.
وأوضح الشبعاني أن المسؤولية لا تقف عند من قام بتزوير الشهادة مادياً، بل تمتد إلى من يستعملها مع علمه بتزويرها، مشيراً إلى أن قانون العقوبات الليبي عاقب على استعمال المحرر الرسمي المزور مع العلم بتزويره، كما نظم مسؤولية الموظف العام الذي يثبت بيانات غير صحيحة أو يقرر صحة مستند على خلاف الحقيقة.
وأكد أن حامل الشهادة المزورة لا يُسأل جنائياً لمجرد وجودها في ملفه، وإنما يجب إثبات علمه بتزويرها واستعماله لها للاستفادة منها.
وأضاف أنه إذا ثبت أن حامل الشهادة شارك في الحصول عليها بطريق غير مشروع، أو اتفق مع آخرين على اصطناعها، أو قدمها عالماً بحقيقتها للحصول على وظيفة أو ترقية أو ميزة مالية، فإن مسؤوليته تكون أشد، وقد تتجاوز مجرد استعمال محرر مزور إلى الاشتراك في جريمة التزوير ذاتها.
وأشار الشبعاني إلى أن المسؤولية القانونية لا تنحصر في المستفيد النهائي من الشهادة، بل قد تمتد إلى كل من ساهم عمداً في إصدارها أو تزويرها أو اعتمادها أو تمريرها داخل الجهة الإدارية، سواء كان موظفاً في مؤسسة تعليمية أو جهة اعتماد أو جهة توظيف.
وشدد على ضرورة التمييز بين التواطؤ العمدي وبين مجرد الخطأ أو الإهمال الإداري، موضحاً أن المسؤولية الجنائية تتطلب ثبوت العلم والقصد والمساهمة، بينما قد ينشأ عن الإهمال، بحسب جسامته، مسؤولية إدارية أو تأديبية.
وحول توجيه النائب العام بمراجعة المؤهلات العلمية للعاملين في مؤسسات الدولة، قال الشبعاني إن المراجعة ينبغي أن تنفذ وفق آلية موحدة ومؤسسية، لا من خلال حملات انتقائية.
وأوضح أن التحقق يجب أن يبدأ من جهة إصدار الشهادة، ثم من وضع المؤسسة التعليمية من حيث الاعتماد والاعتراف، ومن معادلة المؤهلات الأجنبية عند الاقتضاء، ثم مراجعة مدى تأثير المؤهل على التعيين أو الترقية أو شغل الوظيفة.
وأضاف أنه إذا ظهرت شبهة تزوير، تحال الواقعة إلى النيابة العامة باعتبارها الجهة المختصة بالتحقيق الجنائي.
وأكد الشبعاني أنه لا يوجد من حيث المبدأ ما يبرر استثناء شاغلي الوظائف القيادية من هذه المراجعة، مشيراً إلى أن مقتضى المساواة أمام القانون وسلامة الوظيفة العامة يقتضي أن تشمل المراجعة الجميع دون استثناء، من أدنى الدرجات إلى أعلى المناصب.
وأوضح أن ذلك يكون مع مراعاة الإجراءات الخاصة التي قد تحكم بعض الفئات كالقضاء أو القوات النظامية أو شاغلي بعض المناصب ذات التنظيم الخاص.
وفيما يتعلق بما يحدث إذا ثبت أن موظفاً حصل على وظيفته أو ترقيته أو منصبه بناءً على شهادة مزورة أو مؤهل لا يستوفي الشرط القانوني، قال الشبعاني إن الأثر الإداري يختلف بحسب الدور الذي لعبته الشهادة.
وأوضح أنه إذا كانت الشهادة شرطاً لازماً لأصل التعيين، فإن قرار التعيين نفسه يصبح معرضاً للسحب أو الإلغاء أو التصحيح.
أما إذا كان التعيين صحيحاً في الأصل، ثم استعمل الموظف لاحقاً شهادة مزورة للحصول على ترقية أو تسوية أو منصب أعلى، فإن الأثر يتركز أساساً على القرار الذي بني على هذه الشهادة، دون أن يعني ذلك بالضرورة إهدار كامل خدمته السابقة.
وفيما يتعلق بالأموال التي تقاضاها الموظف، أكد الشبعاني أنه لا يصح قانوناً إطلاق قاعدة واحدة بأن كل المرتبات ترد تلقائياً.
وأوضح أنه يجب التمييز بين الأجر الذي تقاضاه عن عمل أداه فعلاً، وبين الفروق والمزايا المالية والعلاوات أو الدرجة الأعلى التي لم يكن ليستحقها لولا المؤهل غير المشروع.
وأشار إلى أن هذه الأموال الأخيرة تكون أقرب إلى الاسترداد إذا ثبت أنها صرفت دون سند قانوني، مع مراعاة كل حالة وظروفها وأحكام التشريعات المالية ذات الصلة.
وأكد الشبعاني أهمية التمييز بين ثلاث حالات كثيراً ما يجري الخلط بينها.
وأوضح أن الحالة الأولى هي الشهادة المزورة، أي أن الوثيقة نفسها مصطنعة أو جرى تغيير بياناتها أو أختامها أو توقيعاتها أو درجتها العلمية، وهذه حالة جنائية.
أما الحالة الثانية فهي شهادة صحيحة من حيث صدورها فعلاً، ولكنها صادرة عن مؤسسة غير معترف بها أو لم تستوف إجراءات الاعتماد أو المعادلة، وهذه لا تعد مزورة لمجرد عدم الاعتراف بها، لكنها قد تكون غير صالحة لإنتاج أثر وظيفي.
والحالة الثالثة، بحسب الشبعاني، هي شهادة صحيحة ومعتمدة، ولكن صاحبها ضعيف الكفاءة أو الخبرة، وهذه ليست مسألة تزوير أصلاً، بل تتعلق بنظام الكفاءة والجدارة وتقييم الأداء.
وحول الحالات التي تعود إلى سنوات أو عقود سابقة، قال الشبعاني إنه لا بد من التفريق بين المسؤولية الجنائية وبين الأثر الإداري.
وأوضح أن قانون العقوبات كان يتضمن قواعد للتقادم، ثم صدر القانون رقم 11 لسنة 1997 مقرراً عدم سقوط الجريمة والدعوى الجنائية بمضي المدة.
وأضاف أن تطبيق هذا الحكم على الوقائع السابقة لنفاذه يستلزم دراسة تاريخ الواقعة والقانون الواجب التطبيق ومبدأ القانون الأصلح للمتهم، ولا يصح تطبيقه بأثر رجعي بصورة آلية.
وفي المقابل، أوضح أن سقوط المسؤولية الجنائية في بعض الوقائع القديمة، إن تحقق، لا يعني بالضرورة تحصين مركز وظيفي تأسس على مؤهل غير صحيح، إذ يظل للإدارة واجب تصحيح الأوضاع المخالفة للقانون وفق الضوابط التي أرساها القضاء الإداري.
ولضمان عدالة حملة التدقيق، شدد الشبعاني على ضرورة أن تقوم على معايير عامة ومعلنة وأن تشمل الجميع، وأن يكون التحقق من خلال الجهات الرسمية المختصة.
كما أكد ضرورة منح صاحب الشأن حق الاطلاع والرد وتقديم مستنداته قبل توقيع أي جزاء إداري، وألا يوصم أي شخص بأنه مزور قبل اكتمال التحقيق وثبوت الواقعة بحكم أو قرار قانوني نهائي.
وقال إن الهدف يجب أن يكون حماية الوظيفة العامة، لا استعمال المراجعة كوسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات.
وفي تقديره، فإن الأهمية الحقيقية لهذه المراجعة لا ينبغي أن تقف عند سؤال ما إذا كانت الشهادة أصلية أم لا، بل يجب أن تكون مدخلاً لإصلاح أوسع لمنظومة الوظيفة العامة.
وأوضح أن ذلك يشمل مراجعة مدى تطابق المؤهل مع الوظيفة، والخبرة المطلوبة، والكفاءة، والجدارة، وحسن الأداء، مشيراً إلى أن المشكلة ليست فقط في الشهادة المزورة، وإنما كذلك في أن يشغل شخص وظيفة لا تتناسب مع تخصصه أو خبرته أو قدرته، حتى لو كانت جميع أوراقه صحيحة.
وختم الشبعاني بالتأكيد على أن القاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه العملية هي أن الدولة من حقها، بل من واجبها، أن تتحقق من صحة المؤهلات التي بنيت عليها المراكز الوظيفية، لكن في إطار القانون وضمانات العدالة، وبعيداً عن الانتقائية والتشهير، وبما يؤدي في النهاية إلى وظيفة عامة تقوم على المشروعية والكفاءة معاً.
The post شبكة عين ليبيا تفتح ملف «الشهادات المزورة» ومن يتربّع على مناصب الدولة بوثائق محترقة؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
