أكرمني الله تعالى بزيارة البوسنة والهرسك خلال الفترة من 11 إلى 15 سبتمبر 2026م، للمشاركة في الملتقى الأوروبي للأئمة والدعاة الشباب، وكانت هذه الزيارة فرصةً للتعرف عن قرب إلى بلد يحتل موقعاً مهماً في تاريخ المسلمين في أوروبا، ويحمل في مدنه ومساجده ومؤسساته وذاكرة أهله آثار مراحل تاريخية متعاقبة. وجدير بالذكر أن جمهورية البوسنة والهرسك تقع في الجزء الغربي من شبه جزيرة البلقان، في جنوب شرقي أوروبا، وتحدها كرواتيا من الشمال والغرب والجنوب، وصربيا من الشرق، والجبل الأسود من الجنوب الشرقي، ولها منفذ صغير على البحر الأدرياتيكي عند مدينة نيوم. وتبلغ مساحتها نحو 51 ألف كيلومتر مربع، وتغلب على جغرافيتها الجبال والغابات والأنهار والوديان، وقد جعل هذا الموقع منها عبر التاريخ منطقة اتصال بين أوروبا الوسطى والبحر الأدرياتيكي والبلقان، وكذلك بين المجال الأوروبي والعالم العثماني، ولهذا لم تكن البوسنة بعيدةً عن الصراعات الكبرى التي شهدتها القارة، وإنما كانت في مراحل متعددة من تاريخها في قلب التنافس بين القوى والإمبراطوريات الكبرى على مر التاريخ.
وتتكون البلاد تاريخياً من إقليمين رئيسيين هما البوسنة في الشمال والوسط، والهرسك في الجنوب، وأصبحت سراييفو عاصمتها، وهي أكبر مدنها ومركزها السياسي والثقافي. وعاشت على هذه الأرض عبر القرون جماعات دينية وقومية متعددة، وفي مقدمتها المسلمون البوشناق والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك، وقد ترك هذا التنوع أثره العميق في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد. غير أن الإسلام في البوسنة يختلف عن وجوده في كثير من دول أوروبا الغربية المعاصرة؛ فالمسلمون هنا ليسوا في أصل وجودهم جاليةً مهاجرةً جاءت في القرن العشرين، وإنما هم شعب أوروبي أصيل تشكلت هويته الإسلامية داخل البلقان منذ العهد العثماني في القرن الخامس عشر، وأقام خلال خمسة قرون المساجد والمدارس والأوقاف والمكتبات، وطور تقاليد دينية وعلمية خاصة به، وحافظ على وجوده رغم انتقال البلاد من الحكم العثماني إلى الحكم النمساوي المجري، ومن ثم إلى الدولة اليوغوسلافية والحكم الشيوعي، وصولاً إلى الاستقلال والحرب التي اندلعت عام 1992م.
وكانت الملاحم والصروح التاريخية حاضرةً أمامنا أثناء التنقل بين سراييفو وترافنيك وزينيتسا؛ ففي سراييفو ترى السوق العثمانية وجامع غازي خسرو بك ومؤسساته الوقفية، وبعد ذلك تنتقل إلى مبانٍ تحمل آثار الحقبة النمساوية المجرية، وتمر بالمكان الذي اغتيل فيه ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند سنة 1914م، ومن ثم ترى آثار حصار المدينة في تسعينيات القرن العشرين ونفق الحياة ومقابر الشهداء وقبر الرئيس علي عزت بيغوفيتش رحمه الله تعالى، وبعد ذلك تدخل كلية الدراسات الإسلامية وتلتقي جيلاً جديداً من الطلاب. وهذا التداخل بين خمسة قرون من التاريخ هو الذي يجعل البوسنة تجربةً جديرةً بالدراسة، حيثو مرت عليها دول وحروب وأيديولوجيات أعراق مختلفة، وتعرض وجود المسلمين فيها لاختبارات قاسية، ومع ذلك بقي المجتمع الإسلامي ومؤسساته، واستطاع بعد حرب التسعينيات من القرن العشرين أن يعيد بناء جانب كبير مما دمر وأن ينقل ذاكرته وهويته إلى جيل جديد.
البوسنة في العصور الوسطى والفتح العثماني عام 1463م
لم يبدأ التاريخ السياسي للبوسنة مع وصول الحكم العثماني، فقد عرفت البلاد في العصور الوسطى كياناً سياسياً تطور تدريجياً وسط التنافس بين المجر وصربيا وكرواتيا والقوى الإقليمية الأخرى. وبرزت البوسنة بوصفها «بانات» ثم تحولت في القرن الرابع عشر إلى مملكة، وبلغت قوتها في عهد الملك تفرتكو الأول الذي تُوّج سنة 1377م، واتسعت سلطته في أجزاء من البلقان وساحل البحر الأدرياتيكي. وكما عرفت البلاد وضعاً دينياً معقداً، حيث عاشت فيها جماعات كاثوليكية وأرثوذكسية، إلى جانب ما عرف تاريخياً باسم «الكنيسة البوسنية»، التي كانت موضع نزاع طويل بين الزائرين والباحثين في طبيعتها العقائدية وصلتها بالحركات المسيحية الأخرى. وهذا التكوين الداخلي، إلى جانب الطبيعة الجبلية للبلاد وموقعها الحدودي، جعل البوسنة تحتفظ بقدر من الخصوصية السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية قبل أن تصبح جزءاً من السلطنة العثمانية.
ومع صعود الدولة العثمانية وتوسعها في البلقان خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، أصبحت البوسنة تدريجياً في دائرة النفوذ العسكري والسياسي العثماني. وبعد فتح القسطنطينية عام 1453م تابع السلطان محمد الثاني (الفاتح)، توسعه في جنوب شرقي أوروبا، وفي عام 1463م دخل الجيش العثماني القسم الأكبر من المملكة البوسنية، وسقط آخر ملوكها ستيفان توماشيفيتش، ومن ثم استمر التوسع العثماني في المناطق التي لم تخضع مباشرةً، بينما سقطت الهرسك بصورة تدريجية خلال العقود التالية. ولم يكن هذا التحول مجرد استبدال سلطة سياسية بأخرى، وإنما أدخل البوسنة في فضاء اقتصادي وإداري وحضاري واسع امتد من البلقان إلى الأناضول وبلاد الشام ومصر ومناطق أخرى من العالم الإسلامي، وأصبحت طرق التجارة والإدارة والتعليم مرتبطةً بمراكز الدولة العثمانية.
وأما انتشار الإسلام بين سكان البلاد، فلم يحدث بصورة فجائية بعد الفتح العثماني، ولم يتحول سكان البوسنة جميعاً إلى الإسلام في جيل واحد، وإنما كانت العملية تدريجيةً امتدت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وما بعدهما، وتداخلت فيها عوامل دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية. وتبين السجلات العثمانية ازدياد أعداد المسلمين مع مرور العقود، وخاصةً في المراكز والمناطق الحضرية، بعدها اتسع وجودهم في مناطق أخرى، وتكون مجتمع مسلم من السكان المحليين حافظ على لغته البوسنية وصلاته الاجتماعية بالأرض. وهذه النقطة أساسية في فهم تاريخ البوشناق؛ فهم لم يصبحوا أتراكاً من الناحية القومية بدخولهم الإسلام، وإنما تشكلت لديهم هوية بوسنية مسلمة، ولهذا بقي الإسلام بعد خروج العثمانيين عام 1878م، وبقيت اللغة والثقافة المحلية، وأصبح المسلم البوشناقي نموذجاً تاريخياً لشعب أوروبي مسلم تشكل داخل أوروبا نفسها.
الحكم العثماني وتكوين المؤسسات الإسلامية والعلمية في البوسنة
امتد الحكم العثماني في البوسنة أكثر من أربعة قرون، وتحولت البلاد خلاله إلى إحدى المناطق المهمة على الحدود الغربية للدولة العثمانية. وقد أنشئ سنجق البوسنة بعد الفتح. وقد تطورت مكانة البلاد الإدارية حتى تأسست إيالة البوسنة سنة 1580م، وكانت لها أهمية عسكرية كبيرة بحكم قربها من أراضي هابسبورغ والبندقية. وخرج من البوسنة خلال هذه القرون عدد من كبار رجال الدولة والقادة والعلماء والقضاة، ولم تكن علاقتها بالدولة العثمانية علاقة طرف هامشي بالمركز، وإنما شارك أبناؤها في الإدارة والجيش والعلم في مناطق مختلفة من الدولة. وفي داخل البلاد تطورت سراييفو وموستار وترافنيك وبانيا لوكا وغيرها، وأصبحت المدن تقوم على شبكة من المساجد والأسواق والمدارس والخانات والحمامات والجسور ومرافق المياه، وكان الوقف الأداة الرئيسية التي وفرت لكثير من هذه المؤسسات موارد الاستمرار.
وكان المسجد في المدينة البوسنية العثمانية جزءاً من بنية اجتماعية وعلمية متكاملة، وليس مبنىً منفصلاً عن حياة الناس، فإلى جواره المدرسة والكتّاب، وبالقرب منه السوق والخان والحمام، وتأتي عائدات الدكاكين والعقارات والأراضي الموقوفة لتمويل الإمام والمدرس وطلاب العلم وأعمال البر وخدمة المسافرين والفقراء. ومن هنا نفهم أهمية الوقف في المحافظة على الإسلام البوسني. حيث كان يربط الدين بالتعليم والاقتصاد والخدمة الاجتماعية، ويمنح المؤسسات قدرةً على الاستمرار لا تعتمد كلياً على تغير الحكام والسياسات. كما حافظ العلماء على تدريس القرآن الكريم والحديث والفقه واللغة العربية، وظهرت حركة نسخ وتأليف ومكتبات حملت إلى البلقان جانباً من التراث العلمي الإسلامي، وفي الوقت نفسه أنتجت البيئة البوسنية شخصيتها الثقافية الخاصة.
وقد كان هذا الإرث واضحاً خلال زيارتنا، فالمساجد ذات القباب المركزية والمآذن الرفيعة والأسواق القديمة والطرق الضيقة المحيطة بها تحمل الطابع العثماني بصورة ظاهرة، حتى إن الإنسان يشعر في بعض المواقع بقرب كبير من المشهد العمراني في إسطنبول وبعض مدن الأناضول. ولكن الأهم من العمارة أن المؤسسات التي قامت في تلك المرحلة تركت جذوراً بقيت بعد نهاية الحكم العثماني؛ فعندما دخلت النمسا والمجر البوسنة سنة 1878م لم يختف الإسلام برحيل الإدارة العثمانية، لأن المجتمع كان قد أصبح يمتلك مساجده وأوقافه وعلماءه ومدارسه وذاكرته. وقد تعرضت هذه المؤسسات بعد ذلك لضغوط وتحولات كبيرة، وخاصةً في العهد الشيوعي ثم في حرب 1992–1995م، لكنها بقيت إحدى الأدوات الأساسية التي حفظ بها المسلمون هويتهم.
غازي خسرو بك ودور الوقف في التطور العمراني والعلمي لسراييفو
لا يمكننا أن ندرس تاريخ سراييفو في العصر العثماني دون الوقوف عند غازي خسرو بك، الذي تولى منصب سنجق بك البوسنة العثماني في فترات متعددة خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، وكان قائداً عسكرياً وإدارياً، لكنه ترك أثره الأكبر من خلال شبكة واسعة من الأوقاف والمنشآت. وقد ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تطور سراييفو من بلدة إقليمية إلى مركز تجاري وعلمي وديني بارز في البلقان. ومن أشهر آثاره جامعه الذي بني عامي 1530–1531م في قلب المدينة القديمة في عهد السلطان سليمان القانوني، وما زال إلى اليوم من أهم معالم سراييفو الإسلامية، وقد أقيم ضمن مشروع أكبر ضم المدرسة والخانقاه والمطبخ الخيري ومرافق المياه والخانات والدكاكين وغيرها من المنشآت التي خصصت لها موارد وقفية تضمن استمرارها، وبذلك لم يكن الوقف عملاً خيرياً مؤقتاً، وإنما مؤسسةً اقتصاديةً تمول التعليم والعبادة والخدمة العامة جيلاً بعد جيل.
ومن أبرز ما ارتبط بهذا المشروع مكتبة غازي خسرو بك التي تأسست عام 1537م، وتكتسب أهميتها من أن وثيقة الوقف نفسها نصت على تخصيص الأموال المتبقية من بناء المدرسة لشراء الكتب التي يحتاج إليها طلاب العلم والقراء. وقد نمت مجموعاتها على مدى قرون، وأصبحت اليوم أهم مكتبة للمخطوطات الإسلامية في البوسنة ومنطقة البلقان، وتضم آلاف المخطوطات بالعربية والتركية والفارسية والبوسنية، إضافةً إلى الوثائق والسجلات والكتب المطبوعة. ومن نفائسها مخطوط من أحد مؤلفات الإمام أبي حامد الغزالي نسخ عام 500هـ/1106م، أيّ قبل إنشاء المكتبة بأكثر من أربعة قرون، وهو ما يدل على أن المكتبة لم تحفظ إنتاج البوسنة وحده، وإنما أصبحت خزينةً لتراث إسلامي أوسع وصل إليها من مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
وقد اكتسبت قصة المكتبة بُعداً آخر أثناء حصار سراييفو؛ فعندما بدأت الحرب في إبريل عام 1992م أدرك العاملون فيها أن القصف يمكن أن يضيع تراثاً جمع خلال قرون، فبدأوا بنقل المخطوطات والكتب إلى مواقع مختلفة داخل المدينة، واستمرت عملية حمايتها في ظروف شديدة الصعوبة. وعندما نضع هذه القصة إلى جانب إحراق المكتبة الوطنية والجامعية في سراييفو في أغسطس من العام نفسه، ندرك حجم العمل الذي قام به أمناء مكتبة غازي خسرو بك. وقد بقيت هذه المؤسسة بعد الحرب تؤدي رسالتها، وانتقلت إلى مبنى حديث، بينما بقي الجامع والمدرسة والوقف في قلب سراييفو؛ وهو نموذج عملي لمعنى الوقف الذي يضع له رجل موارده في القرن السادس عشر، ثم ينتفع به طلاب العلم في القرن الحادي والعشرين.
وكل يوم يختمون ختمة قرآنية في وقفه.
الاحتلال النمساوي المجري وتحولات أوضاع المسلمين بين عامي 1878–1918م
دخلت البوسنة والهرسك مرحلةً جديدةً بعد الحرب الروسية العثمانية، ومؤتمر برلين عام 1878م، حين منحت القوى الأوروبية الإمبراطورية النمساوية المجرية حق احتلال البلاد وإدارتها، مع بقاء السيادة العثمانية عليها من الناحية الاسمية في البداية. ودخلت القوات النمساوية المجرية البوسنة في صيف 1878م، وواجهت مقاومةً مسلحةً في عدد من المناطق شارك فيها مسلمون وغيرهم، ومن ثم تمكنت من فرض سيطرتها. وفي عام 1908م أعلنت الإمبراطورية ضم البوسنة والهرسك رسمياً، وهو القرار الذي أدى إلى أزمة دولية عرفت بأزمة ضم البوسنة، وأثار اعتراض الدولة العثمانية وصربيا وروسيا قبل أن يستقر الأمر للسلطة النمساوية المجرية.
وكان هذا التحول بالغ الأثر على المسلمين البوشناق؛ فقد وجد مجتمع عاش أكثر من أربعة قرون في إطار دولة إسلامية نفسه تحت حكم إمبراطورية أوروبية كاثوليكية، وظهرت مخاوف تتعلق بالأوقاف والأراضي والتعليم والقضاء الشرعي ومستقبل الهوية. وهاجرت مجموعات من المسلمين إلى أراضي الدولة العثمانية، وخاصةً إلى الأناضول، بينما اختارت الأغلبية البقاء في وطنها والتعامل مع النظام الجديد. وخلال هذه المرحلة نشأت ترتيبات مؤسساتية جديدة لتنظيم الشؤون الدينية الإسلامية، وبرزت مطالب المسلمين بإدارة أوقافهم ومدارسهم والمحافظة على قدر من الاستقلال الديني، وأصبحت العلاقة بين الإسلام والمجال السياسي الأوروبي واقعاً يومياً لا سؤالاً نظرياً.
وفي الوقت نفسه أدخلت الإدارة النمساوية المجرية تحديثات واسعة في الطرق والسكك الحديدية والإدارة والتعليم والعمران، ولا تزال سراييفو تحمل آثار تلك المرحلة بوضوح. فالزائر يستطيع أن ينتقل سيراً من السوق العثماني القديم إلى مبانٍ أوروبية ضخمة شيدت في أواخر القرن التاسع عشر، وكأن المدينة تعرض في عمرانها الانتقال من دولة إلى أخرى. وفي هذه البيئة المتداخلة بين الإرث العثماني والتحديث الأوروبي تصاعدت القوميات السلافية، واشتد التوتر بين فيينا وصربيا، حتى جاءت زيارة ولي العهد النمساوي إلى سراييفو في يونيو/حزيران 1914م، فوقع الاغتيال الذي نقل أزمة البلقان إلى مستوى عالمي.
اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو وأزمة يوليو 1914م
في صباح 28 يونيو 1914م وصل ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية الأرشيدوق فرانز فرديناند إلى سراييفو برفقة زوجته صوفي، في زيارة جاءت في أجواء سياسية متوترة بسبب تنامي القومية الصربية والسلافية الجنوبية ورفض قطاعات من السكان للحكم النمساوي المجري. وخلال مرور موكبه وقعت محاولة اغتيال بقنبلة لم تصب ولي العهد، ثم واصل برنامجه قبل أن يتغير مسار السيارة لاحقاً بالقرب من الجسر اللاتيني، حيث وجد غافريلو برينسيب، أحد أعضاء المجموعة المتآمرة، نفسه على مقربة من السيارة، فأطلق النار على فرانز فرديناند وصوفي وأرداهما قتيلين. وقد زرنا الموقع المرتبط بالحادثة، وهو اليوم من المعالم التاريخية المعروفة في سراييفو، ويستطيع الزائر من خلاله أن يستحضر كيف أصبحت هذه المدينة مركز الأزمة الدولية الكبرى في صيف عام 1914م.
ولم تكن الحرب العالمية الأولى نتيجة رصاصتي برينسيب وحدهما، فقد كانت القارة الأوروبية قبل ذلك تعيش سباق تسلح شديداً، وتنافساً استعمارياً، وتحالفات عسكرية متقابلة، وصراعاً قومياً في البلقان، وكانت العلاقة بين النمسا والمجر وصربيا شديدة التوتر. ولكن الاغتيال وفر لفيينا المناسبة لمواجهة صربيا، فأرسلت إليها إنذاراً في 23 يوليو، ومن ثم أعلنت عليها الحرب في 28 يوليو/تموز 1914م. وتحركت روسيا دعماً لصربيا، وأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا ثم فرنسا، ودخلت بريطانيا الحرب بعد اجتياح بلجيكا، وتحولت الأزمة خلال أيام إلى حرب أوروبية، ومن ثم عالمية.
وانتهت الحرب عام 1918م بسقوط الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية المجرية والعثمانية والروسية، وخرجت البوسنة من الحكم النمساوي المجري لتدخل في مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين، التي أصبحت لاحقاً مملكة يوغوسلافيا. وهكذا شهد المسلمون البوشناق خلال نحو أربعين عاماً انتقالاً من الدولة العثمانية إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية ثم إلى دولة سلافية جديدة. وهذا التبدل السريع للأنظمة السياسية كان له أثر عميق في تكوين تجربتهم الحديثة، وفي بحثهم المستمر عن الصيغة التي تحمي وجودهم الديني والثقافي والسياسي داخل دولة متعددة القوميات.
علي عزت بيغوفيتش رحمه الله: التكوين الفكري وتجربة السجن والعمل السياسي
ولد علي عزت بيغوفيتش في 8 أغسطس 1925م في بوسانسكي شاماتس، وانتقلت أسرته إلى سراييفو وهو طفل، وهناك نشأ وتلقى تعليمه في مرحلة كانت يوغوسلافيا تعيش تحولات سياسية وفكرية عميقة. وقد ظهرت لديه منذ شبابه ميول قوية إلى القراءة، فلم تقتصر اهتماماته على الكتب الإسلامية، وإنما قرأ في الفلسفة والأدب الأوروبيين، وتأثر بأعمال دوستويفسكي وأوزفالد شبنغلر وهنري برغسون وغيرهم، وكانت أسئلة الإيمان والحرية والعدالة والإنسان والحضارة حاضرةً مبكراً في تفكيره. وانضم إلى حركة “الشبان المسلمين” التي نشطت بين الشباب البوسني المسلم في الأربعينيات من القرن الماضي، وبعد وصول الشيوعيين إلى السلطة اعتقل عام 1946م، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، فكانت تلك أول مواجهة مباشرة له مع النظام الجديد.
وبعد خروجه من السجن تابع دراسته، وبعدها حصل على شهادة القانون سنة 1956م وعمل مستشاراً قانونياً، لكنه بقي منشغلاً بالفكر الإسلامي وقضايا المجتمع. وكتب “الإعلان الإسلامي”، ومن ثم عمل سنوات على كتابه الأشهر “الإسلام بين الشرق والغرب”، الذي لا يمكن فهم شخصية علي عزت من دونه؛ فهو كتاب يناقش الحضارة والثقافة والأخلاق والفن والدين والعلم والمادية، ويحاول أن يحدد موقع الإسلام بين الرؤية المادية للإنسان والرؤية الروحية المنعزلة عن الحياة. وفي عام 1983م اعتقل مرةً أخرى مع مجموعة من المثقفين المسلمين في ما عرف بمحاكمة سراييفو، وحكم عليه بالسجن أربع عشرة سنة، وحينها خفض الحكم وأطلق سراحه في نوفمبر 1988م بعد أن أمضى نحو خمس سنوات ونصف السنة في السجن.
وخرج علي عزت ويوغوسلافيا نفسها تتغير؛ فقد ضعفت قبضة الحزب الشيوعي، وتصاعدت الحركات القومية، وبدأت أوروبا الشرقية تشهد انهيار الأنظمة الشيوعية. وفي عام 1990م شارك في تأسيس حزب العمل الديمقراطي وانتخب رئيساً له، وقد حقق الحزب نتيجةً قويةً في أول انتخابات متعددة الأحزاب، وأصبح علي عزت رئيساً لرئاسة جمهورية البوسنة والهرسك. وكان عمره آنذاك خمسةً وستين عاماً تقريباً، أي إن حياته السياسية العلنية الكبرى بدأت بعد عقود من القراءة والعمل والسجن، ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى وجد نفسه أمام انهيار يوغوسلافيا وحرب ستضع كل أفكاره عن الحرية والإنسان والعدالة أمام امتحان الواقع المعقد.
استقلال البوسنة والهرسك وبداية الحرب واختلال ميزان القوة عام 1992م
مع تفكك يوغوسلافيا وإعلان سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما عام 1991م، أصبحت البوسنة أمام أزمة وجودية بسبب تركيبتها السكانية المختلطة وموقعها في قلب الصراع. وأجري استفتاء الاستقلال في 29 فبراير و1 مارس 1992م، وصوتت أغلبية كبيرة من المشاركين لصالح قيام دولة مستقلة، بينما قاطع معظم صرب البوسنة الاستفتاء. وحصلت البلاد على الاعتراف الأوروبي والأميركي في إبريل، ومن انضمت إلى الأمم المتحدة في 22 مايو 1992م، ولكن الاعتراف الدولي تزامن مع اندلاع الحرب واتساع سيطرة القوات الصربية البوسنية على مناطق كبيرة من البلاد.
وكانت المشكلة الأولى اختلال ميزان السلاح، فقد استفادت القوات الصربية البوسنية من ترسانة الجيش الشعبي اليوغوسلافي، بما فيها المدفعية والدبابات والأسلحة الثقيلة ومخازن الذخيرة، بينما كانت الدولة الجديدة في طور إنشاء مؤسساتها العسكرية. وزاد قرار مجلس الأمن رقم 713 الصادر في سبتمبر 1991م الوضع صعوبةً، فقد فرض حظراً على توريد السلاح إلى يوغوسلافيا كلها، واستمر أثره بعد استقلال البوسنة، فوجدت حكومة معترفاً بها دولياً نفسها محرومةً من شراء ما تحتاج إليه للدفاع عن أراضيها في مواجهة قوات تمتلك مخزوناً عسكرياً كبيراً.
وفي 15 إبريل 1992م تأسس جيش جمهورية البوسنة والهرسك، وكانت بداياته صعبةً؛ فقد تشكل من وحدات الدفاع المحلي والشرطة والمتطوعين ومجموعات مختلفة جرى العمل تدريجياً على دمجها وتنظيمها. وخلال الأشهر الأولى سقطت مناطق عديدة وبدأت موجات القتل والتهجير، ولكن الجيش لم يبق في حالته الأولى، وإنما راكم خبرةً ميدانيةً ونظم قياداته ووحداته، وبدأ البوسنيون بعد الصدمة الأولى يستعيدون قدرتهم على الدفاع. وهذه النقطة مهمة في فهم طبيعة تلك الحرب، فقد دخل المسلمون البوشناق المواجهة وهم أقل استعداداً وتسليحاً، غير أنهم خلال ثلاث سنوات تحولوا إلى قوة عسكرية أكثر تنظيماً، وكان لهذا التطور أثر حاسم في تغير ميزان القوى خلال السنة الأخيرة من الحرب.
حصار سراييفو ونفق الحياة ودوره في استمرار المدينة
بدأ حصار سراييفو في ربيع عام 1992م، واستمر حتى فبراير 1996م، وأصبح من أطول الحصارات التي تعرضت لها عاصمة أوروبية في التاريخ الحديث والمعاصر. وقد ساعدت طبيعة المدينة الجغرافية القوات الصربية البوسنية على إحكام الحصار، حيث تقع سراييفو في واد تحيط به الجبال، وتمركزت المدفعية والقناصة في المرتفعات، وأصبحت شوارع ومناطق كاملة مكشوفةً أمام النيران. وعانى السكان نقص الغذاء والماء والكهرباء والوقود والدواء، وتعرضت البيوت والمستشفيات والأسواق والمدارس ودور العبادة للقصف، وتحولت بعض الشوارع إلى مناطق يخاطر الإنسان بحياته عند عبورها بسبب القناصة.
وفي هذه الظروف بدأ عام 1993م حفر النفق الذي ربط منطقتي دوبرينيا وبوتمير تحت مطار سراييفو، وبلغ طوله نحو ثمانمئة متر، وكان ارتفاعه في أجزاء كبيرة نحو متر ونصف وعرضه قرابة متر. وقد أنجز العمل في ظروف شديدة الصعوبة، ومن ثم تحول النفق إلى الشريان الذي يربط المدينة المحاصرة بالمناطق الواقعة خارج الطوق. ومرت عبره المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات العسكرية والذخائر، وعبر منه الجنود والمدنيون والمرضى، وبعد هذا، ركبت سكك صغيرة وعربات لنقل الأحمال، ومدت فيه خطوط الاتصال والكهرباء وأنابيب الوقود، ووصل عدد العابرين في بعض الأيام إلى آلاف الأشخاص.
وقد زرنا نفق الحياة، وكان من المواقع التي تجعل تاريخ الحصار واضحاً أمام أي إنسان يشاهده، فالأرقام التي يمكن قراءتها في الكتب تتحول هناك إلى ممر ضيق كان على الرجال والنساء أن يسيروا فيه منحني الظهر وهم يحملون ما تحتاج إليه المدينة. ولم يكن النفق هو الذي حسم الحرب، ولكن في الحقيقة، كان عنصراً أساسياً في استمرار سراييفو وفي إبقاء اتصالها بالحكومة والقوات البوسنية خارج الحصار. وأصبح بعد الحرب متحفاً وشاهداً على قدرة السكان على ابتكار وسائل البقاء في مرحلة كانت الطرق العادية فيها مقطوعةً، وكانت المدينة تتعرض يومياً للقصف والقنص والجوع.
مجزرة سربرنيتسا والإبادة الجماعية في يوليو عام 1995م
كانت سربرنيتسا في شرقي البوسنة قد استقبلت عشرات الآلاف من المسلمين الذين نزحوا من المناطق المحيطة بعد حملات القتال والتهجير، وأعلنها مجلس الأمن في إبريل 1993م “منطقة آمنة” يفترض أن تكون بمنأى عن الهجوم المسلح. وكانت توجد فيها قوة هولندية تابعة للأمم المتحدة، غير أن المنطقة بقيت محاصرةً وتعاني نقص الغذاء والإمدادات، حتى بدأت القوات الصربية البوسنية بقيادة الجنرال راتكو ملاديتش هجومها في يوليو عام 1995م، ودخلت المدينة في 11 يوليو، فتجمع آلاف المدنيين حول قاعدة الأمم المتحدة في بوتوتشاري، بينما حاول آلاف الرجال الخروج عبر الغابات باتجاه المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة البوسنية.
وبعد سقوط المنطقة فصلت القوات الصربية الرجال والفتيان المسلمين عن النساء والأطفال، ونقلت الأسرى في حافلات وشاحنات إلى مدارس ومستودعات وحقول ومواقع مختلفة، ومن ثم نفذت خلال الأيام التالية سلسلةً منظمةً من عمليات الإعدام الجماعي. وقُتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي مسلم، بينما جرى ترحيل عشرات الآلاف من النساء والأطفال والمسنين. وبعد الجريمة نقلت جثث كثيرة من المقابر الجماعية الأصلية إلى مقابر ثانوية في محاولة لإخفاء الأدلة، ولذلك عثر لاحقاً على أجزاء من رفات الضحية الواحدة في مواقع مختلفة، واستُخدم تحليل الحمض النووي على نطاق واسع للتعرف إلى القتلى وإعادتهم إلى أسرهم.
وقد أثبتت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في أحكام متعددة أن ما وقع في سربرنيتسا كان إبادةً جماعيةً، كما أكدت محكمة العدل الدولية عام 2007م هذا التوصيف القانوني للجريمة. وأصبحت مقبرة بوتوتشاري التذكارية مركزاً لحفظ ذاكرة الضحايا وذويهم، وما تزال عمليات التعرف إلى بعض الرفات مستمرةً بعد مرور عقود. وتعتبر مجزرة سربرنيتسا واقعة إسلامية وأوروبية ودولية كبرى؛ فقد حدثت الجريمة في منطقة أعلنتها الأمم المتحدة آمنةً، وبعد خمسين عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعلها من أشد الأحداث التي كشفت حدود الحماية الدولية عندما لا تتوافر الإرادة والقوة اللازمتان لتنفيذها.
المساندة الإسلامية للبوسنة ودور المتطوعين والمساعدات الخارجية
أحدثت حرب البوسنة أثراً واسعاً في المجتمعات الإسلامية، وخاصةً عندما بدأت صور حصار سراييفو ومعسكرات الاعتقال واللاجئين والمجازر تصل إلى وسائل الإعلام. وتحركت جمعيات إغاثية ومؤسسات خيرية في بلدان عربية وإسلامية مختلفة، وجمعت التبرعات وأرسلت الغذاء والدواء والملابس والمساعدات إلى النازحين والمحاصرين، كما أصبحت القضية حاضرةً في خطب المساجد والجامعات والندوات ووسائل الإعلام. وتحركت منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت لاحقاً منظمة التعاون الإسلامي، وطالبت دول إسلامية برفع حظر السلاح عن الحكومة البوسنية حتى تستطيع الدفاع عن نفسها، وكان الموقف من هذا الحظر أحد أبرز عناصر الخلاف بين عدد من الدول الإسلامية والقوى الغربية في إدارة الأزمة.
ووصل إلى البوسنة كذلك متطوعون مسلمون من دول مختلفة، وكان بعضهم للعمل الإغاثي والطبي وبعضهم للمشاركة في القتال. وقد اكتسب المقاتلون الأجانب حضوراً إعلامياً يفوق حجمهم العددي الفعلي في كثير من الأحيان، ولذلك يجب ضبط هذه المسألة تاريخياً؛ فالجيش الذي دافع عن الدولة كان في أساسه جيش جمهورية البوسنة والهرسك المؤلف من أبناء البلاد، وهم الذين تحملوا العبء الأكبر من القتال والخسائر. ومع ذلك كان لوصول المتطوعين والمساعدات أثر معنوي عند قطاعات من البوسنيين، وخاصةً في مرحلة شعروا فيها أن المجتمع الدولي لا يمنحهم القدرة الكافية على الدفاع عن أنفسهم.
وقد التقط البوسنيون أنفاسهم خلال سنوات الحرب، وتطور جيشهم من قوات محدودة الإمكانات إلى تشكيل أكثر تنظيماً وقدرةً على إدارة الجبهات. ومع اتفاق واشنطن عام 1994م وانتهاء القتال بين البوشناق والكروات، ولكن تطور العمليات خلال عام 1995م، أصبح ميزان القوة مختلفاً عما كان عليه في بداية الحرب. ولذلك فإن الحديث عن التضامن الإسلامي ينبغي أن يبقى في موضعه الصحيح: كان دعماً مهماً سياسياً وإنسانياً ومعنوياً، ولكن النهوض العسكري الأساسي كان ثمرة تنظيم البوسنيين أنفسهم وصبرهم وتضحياتهم.
تغير ميزان القوة واتفاق دايتون للسلام عام 1995م
شهد عام 1995م تحولاً واضحاً في مسار الحرب. فقد أصبح جيش جمهورية البوسنة والهرسك أكثر تنظيماً وخبرةً، وانتهى الصراع البوسني الكرواتي بعد اتفاق واشنطن، وبدأ التعاون بين القوات البوسنية والكرواتية يغير جانباً من الموقف الميداني. كما أدت مجزرة سربرنيتسا والهجمات المتكررة على المناطق الآمنة إلى تغير أكبر في الموقف الدولي، ونفذ حلف شمال الأطلسي في أغسطس وسبتمبر 1995م حملةً جويةً واسعةً ضد مواقع القوات الصربية البوسنية، في الوقت الذي حققت فيه القوات البوسنية والكرواتية تقدماً على الأرض. ولم تعد خريطة الحرب في خريف 1995م هي الخريطة نفسها التي فرضتها القوات الصربية في الأشهر الأولى من عام 1992م.
وفي هذه اللحظة تحركت الولايات المتحدة الأمريكية بصورة مكثفة للوصول إلى تسوية، وعقدت المفاوضات في قاعدة رايت باترسون الجوية قرب مدينة دايتون في ولاية أوهايو خلال نوفمبر 1995م، بمشاركة علي عزت بيغوفيتش والرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش والرئيس الكرواتي فرانيو توجمان. وتم التوصل إلى الاتفاق في 21 نوفمبر، ومن ثم وقع رسمياً في باريس في 14 ديسمبر. وحافظ الاتفاق على البوسنة والهرسك دولةً واحدةً ذات سيادة وحدود دولية معترف بها، ولكنه قسم بنيتها الداخلية إلى كيانين: اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة، وأقام نظاماً دستورياً شديد التعقيد يقوم على توزيع السلطات والتوازنات القومية.
وكان قبول علي عزت رحمه الله للاتفاق من أصعب القرارات في حياته السياسية؛ فقد جاءت المفاوضات بعد أن أصبح الجيش البوسني أقوى وأكثر قدرةً على الدفاع والتقدم، ولذلك شعر كثير من البوسنيين أن التسوية أوقفتهم في مرحلة كانت أوضاعهم العسكرية تتحسن. ولكن علي عزت كان ينظر أيضاً إلى شعب أنهكته ثلاث سنوات ونصف السنة من القتل والحصار والتهجير، وإلى ضغط دولي كبير، وإلى عدم وجود ضمان بأن استمرار الحرب سيقود إلى نتيجة أفضل. فقبل اتفاقاً لم يكن يحقق كل ما يريده، ولكنه أوقف الحرب وحافظ على الدولة. وقد بقيت عيوب نظام دايتون بعد ذلك جزءاً من المشكلات السياسية في البوسنة، غير أن الاتفاق وضع نهاية للحرب الأكثر دموية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
زيارة قبر علي عزت بيغوفيتش واستحضار تجربته الفكرية والسياسية
كان من المحطات المهمة في زيارتي للبوسنة الوقوف عند قبر الرئيس علي عزت بيغوفيتش في سراييفو، وهو قبر بسيط في مقبرة كوفاتش بين قبور شهداء الحرب. كان برفقتي أخي فضيلة الحافظ الأستاذ الدكتور صفوت خليلوفيتش، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية التربية الإسلامية في جامعة زينيتسا، والأخوان الكريمان الدكتور طه سليمان عامر والأستاذ محمود يوسف. وفي ذلك المكان استحضرنا سيرة هذا الرجل الذي امتدت حياته بين المملكة اليوغوسلافية والحكم الشيوعي، ومن ثم انهيار يوغوسلافيا وقيام الدولة البوسنية، ودخل السجن شاباً عام 1946م، ثم دخله مرةً أخرى عام 1983م، وخرج عام 1988م، وأصبح بعد عامين رئيساً، وقد وجد نفسه بعد عامين آخرين يقود دولةً تخوض حرباً من أجل وجودها، وإن هذه التحولات وحدها تكفي لفهم حجم التجربة التي مر بها الرجل.
وقد كان علي عزت مفكراً قبل أن يكون رئيساً، ولذلك لا يمكن قراءة تجربته من خلال قرارات الحرب ودايتون وحدهما. ففي كتاباته حضور واضح لأسئلة الإنسان والحرية والأخلاق والحضارة والدين، وكان يرى أن الإسلام لا يقبل اختزال الإنسان في المادة ولا عزله عن الحياة باسم الروح، بل يقدم تصوراً يجمع بينهما. وعندما تولى قيادة البوسنة لم يكن يحكم مجتمعاً مسلماً خالصاً، وإنما دولةً متعددة القوميات والأديان، وظل متمسكاً ببقاء البوسنة دولةً لجميع مواطنيها، وهو ما ميز مشروعه السياسي عن المشاريع القومية التي سعت إلى تقسيم البلاد على أساس عرقي.
وتوفي علي عزت في 19 أكتوبر عام 2003م، بعد أن رأى الحرب تنتهي والدولة بقيت مثقلةً بتعقيدات اتفاق دايتون. وكانت زيارة قبره بالنسبة إليَّ استحضاراً لتجربة قائد إسلامي كبير ومفكر قدير جمع بين الفكر والسجن والدولة والحرب والعمل الدبلوماسي، وأخطأ وأصاب كغيره من البشر، غير أنه ظل مرتبطاً في ذاكرة شعبه بأصعب سنوات تاريخهم الحديث.
التعليم الإسلامي والمؤسسات العلمية في سراييفو وترافنيك وزينيتسا
كان الجانب العلمي والتعليمي حاضراً بقوة في برنامج زيارتي، وبدأ ذلك بزيارة كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو، حيث تجولت في أروقتها، والتقيت عدداً من طلابها، وخاصةً الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية. وتمثل هذه الكلية امتداداً لتاريخ طويل من التعليم الإسلامي في البوسنة والهرسك، وهي تعمل اليوم في بيئة جامعية أوروبية حديثة، وتسهم في إعداد الأئمة والمعلمين والباحثين في العلوم الإسلامية. وتحدثت مع الطلاب عن أهمية طلب العلم، والجمع بين المعرفة والعمل، وأن رسالة طالب العلم لا تكتمل بالحصول على الشهادة، وإنما بما يحمله من علم نافع إلى مجتمعه، وبقدرته على فهم البيئة التي يعيش فيها والتعامل مع قضاياها بوعي ومسؤولية. وكان من المشاهد التي أسعدتني خلال جولتي في مكتبة الكلية أنني رأيت كتابي “الوسطية في القرآن الكريم” باللغة العربية بين كتب المكتبة، وأخبرني أحد أساتذة الكلية، الدكتور أحمد البوسني، أن طلاب الجامعة يهتمون بكتبي ويقبلون على قراءتها والاستفادة منها، وكان لهذا الموقف أثر طيب في نفسي، لما يعكسه من حضور للكتاب العربي والفكر الإسلامي المعاصر في مؤسسة علمية إسلامية عريقة في قلب أوروبا، ومن اهتمام جيل جديد من الطلبة بالقراءة والتواصل مع النتاج العلمي والفكري في العالم الإسلامي.
كما زرنا المدرسة الإسلامية الثانوية في مدينة ترافنيك، والتقينا طلابها وأدينا معهم صلاة الظهر. وتحتل ترافنيك مكانةً مهمةً في التاريخ العثماني للبوسنة؛ إذ كانت خلال فترات من العهد العثماني مقراً لولاة البوسنة، ولا تزال آثار ذلك التاريخ حاضرةً في عمران المدينة ومساجدها ومؤسساتها. وفي أثناء وجودنا في المدرسة تقدم إليَّ أحد الطلاب، وسلم عليَّ وعرّفني بنفسه، ثم أخذ يعدد أسماء الكتب التي قرأها من مؤلفاتي، حتى ذكر نحو خمسة عشر كتاباً قرأها باللغة البوسنية. وقد أسعدني هذا الموقف؛ لأن وصول الكتاب إلى شاب بوسني بلغته، واهتمامه بقراءته ومتابعة موضوعاته، يدل على أهمية الترجمة في نقل المعرفة الإسلامية بين الشعوب، وعلى وجود جيل من الشباب البوسني يقرأ ويتعلم ويتصل بالإنتاج العلمي والفكري الإسلامي، وهو أمر له أهميته في المحافظة على الهوية وبناء الوعي العلمي لدى الأجيال الجديدة.
ثم كانت زيارتنا إلى مدينة زينيتسا، حيث التقينا عدداً من علمائها وأكاديميّيها، وفي مقدمتهم أخي فضيلة الحافظ الأستاذ الدكتور صفوت خليلوفيتش، عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية التربية الإسلامية في جامعة زينيتسا، والأستاذ الدكتور زهديا عادلوفيتش، المتخصص في العقيدة والعلوم الدينية. وتعود نشأة كلية التربية الإسلامية في زينيتسا إلى عام 1993م، في أثناء الحرب التي كانت تمر بها البوسنة والهرسك، ثم أصبحت جزءاً من جامعة زينيتسا عام 2004م، وهذه المعلومة تحمل دلالةً مهمةً في تاريخ التعليم الإسلامي في البلاد؛ ففي الوقت الذي كان فيه أبناء البوسنة يخوضون معركةً صعبةً من أجل بقاء دولتهم ومجتمعهم، كانت هناك إرادة لبناء مؤسسة علمية تهتم بإعداد المعلمين والباحثين والعلماء للأجيال القادمة. وقد أتاح لنا اللقاء بعلماء زينيتسا الحديث عن واقع التعليم الإسلامي، وخدمة القرآن الكريم، وإعداد الأئمة والدعاة، وأهمية الإنتاج العلمي باللغة البوسنية في ترسيخ المعرفة والمحافظة على الصلة بين الأجيال الجديدة ودينها وثقافتها.
الدكتور صفوت خليلوفيتش وجهود الدراسات القرآنية باللغة البوسنية
كان اللقاء بالحافظ الأستاذ الدكتور صفوت خليلوفيتش من اللقاءات العلمية المهمة في هذه الرحلة، فهو من الأكاديميين البوسنيين المتخصصين في التفسير وعلوم القرآن، وله حضور بارز في التعليم الجامعي والعمل العلمي والدعوي. وتكتسب جهوده أهميةً خاصةً في البيئة البوسنية؛ فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي، وجانب كبير من التراث الإسلامي دوّن باللغة العربية، في حين أن اللغة التي يتلقى بها عامة أبناء المجتمع البوسني علومهم ومعارفهم هي اللغة البوسنية، ولذلك كانت العناية بنقل معاني القرآن وعلومه وتفسيره إلى اللغة المحلية من الأعمال المهمة في حفظ الصلة بالقرآن، وترسيخ الثقافة الإسلامية بين الأجيال، وتمكين المسلم البوسني من دراسة كتاب الله وفهم معانيه بلغته.
ومما سرني خلال الزيارة أن رأيت رفوف المكتبات مزينةً بموسوعة التفسير باللغة البوسنية التي أنجزها الشيخ الدكتور صفوت خليلوفيتش، وهو عمل علمي كبير يمثل، بحسب ما ذكر لنا خلال الزيارة، أول تفسير كامل من هذا النوع في تاريخ البوسنة باللغة البوسنية. وقد استغرق إنجازه جهداً علمياً ممتداً، وهو إضافة مهمة إلى المكتبة الإسلامية في البوسنة ومنطقة البلقان؛ فكتابة تفسير متكامل تختلف عن مجرد ترجمة معاني القرآن الكريم، لأنها تقوم على دراسة الآيات والاستفادة من أقوال المفسرين وعلوم القرآن والجوانب اللغوية والعقدية والتربوية، ثم تقديم ذلك للقارئ باللغة التي يفهمها ويتعامل بها في حياته العلمية والثقافية. وكان انتشار هذه الموسوعة في المكتبات التي زرناها دليلاً على أهمية العمل العلمي باللغة المحلية في خدمة القرآن الكريم وربط الأجيال الجديدة به.
كما سرني أن أرى عدداً من كتبي مترجماً إلى اللغة البوسنية ومنتشراً في عدد من المكتبات التي مررت بها خلال الزيارة، وقد التقيت طلاباً وأساتذةً تحدثوا معي عن هذه الكتب وقراءتهم لها، وكان لذلك أثر طيب في نفسي؛ لأن الكتاب حين ينتقل إلى لغة أخرى تتسع دائرة الانتفاع به، ويصبح جسراً للتواصل العلمي والمعرفي بين المسلمين على اختلاف لغاتهم وبلدانهم. وقد أكد لي ما رأيته في سراييفو وترافنيك وزينيتسا أن الترجمة كانت ولا تزال من الوسائل المهمة في نقل المعرفة الإسلامية إلى الأجيال المسلمة في البوسنة والهرسك، وربطها بالإنتاج العلمي والفكري في العالم الإسلامي.
ودار حديثنا في زينيتسا حول التعليم وإعداد الأجيال ودور العلماء في حفظ الهوية وخدمة القرآن الكريم، وكان واضحاً أن العناية بالقرآن في البوسنة لم تعد مقتصرةً على المسجد وحلقات الحفظ، وإنما أصبحت حاضرةً في الجامعة والبحث العلمي والتأليف والترجمة والنشر باللغة المحلية. والتقينا كذلك الأستاذ الدكتور زهديا عادلوفيتش، وجرى الحديث حول العقيدة والتربية الإسلامية وتأهيل الأئمة والدعاة والباحثين، وهي مجالات تكتسب أهميةً خاصةً في مجتمع أوروبي يعيش فيه المسلم ضمن بيئة ثقافية وفكرية متعددة. وقد أعاد هذا اللقاء إلى ذهني المسافة التي قطعتها البوسنة خلال ثلاثة عقود؛ ففي البلد الذي كانت الحرب تهدد وجود أهله ومؤسساته الإسلامية، يعمل العلماء اليوم على تفسير القرآن، وتأليف الكتب، وإعداد المدرسين والأئمة والدعاة، وبناء جيل جديد يحمل العلم ويحافظ على هويته ويسهم في مجتمعه.
الملتقى الأوروبي للأئمة والدعاة الشباب ومحاضرات قصص الأنبياء
شارك في الملتقى الأوروبي للأئمة والدعاة الشباب الذي أقيم في البوسنة والهرسك خلال الفترة من 11 إلى 16 سبتمبر/أيلول 2026م نحو خمسين إماماً وداعيةً من اثنتي عشرة دولة أوروبية، وكان الملتقى بإشراف الدكتور طه سليمان عامر، وكان البرنامج موجهاً إلى إعداد جيل من العاملين في الحقل الدعوي يستطيع الجمع بين العلم الشرعي وفهم واقع المجتمعات الأوروبية. وقد أصبح هذا النوع من التأهيل ضرورياً؛ لأن الإمام في أوروبا يتعامل مع أسئلة الأسرة والشباب والهوية والتعليم والعلاقات الاجتماعية، ومع أجيال ولدت ونشأت في أوروبا وتحتاج إلى خطاب يفهم ثقافتها ولغتها وأسئلتها ولا يفصلها عن أصولها الإسلامية.
افتتحت محاضراتي بفضل الله وتوفيقه، بالحديث عن أبونا آدم عليه السلام وبدء الخلق، وما تتضمنه القصة القرآنية من بيان لأصل الإنسان وكرامته ومسؤوليته في الاستخلاف وعمارة الأرض، وبعد ذلك، ألقيت يوم السبت 12 سبتمبر محاضرتين عن نوح وخليل الرحمن إبراهيم عليهما السلام، وتناولنا فيهما التوحيد والصبر في الدعوة والثبات أمام الضغوط وبناء الإنسان المؤمن القادر على أداء رسالته. ولا شك أن البوسنة مكان مناسب لترجمة هذه المعاني؛ لأن الحديث عن الثبات والصبر يأتي في بلد ما تزال أسر كثيرة فيه تحمل ذاكرة حصار وقتل وتهجير لم يمض عليه إلا ثلاثة عقود.
واختتم البرنامج بلقاء مفتوح مع الشباب المشاركين، تحدثت فيه عن محطات من مسيرتي العلمية والدعوية، وعن بعض العلماء الذين أثروا في تكويني والكتب التي أسهمت في بناء رؤيتي، وقد استمعت إلى أسئلتهم وحاورتهم في قضايا العلم والدعوة والفكر. وجاءت هذه المحاضرات في سياق مشروع “إثراء الحضاري” الذي يهتم به الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وضمنه طُبعت موسوعة “الأنبياء والمرسلون قادة الحضارة الإنسانية”، التي تسعى إلى قراءة سير الأنبياء والمرسلين عليهم السلام باعتبارها قادة وقدوات في بناء الإنسان والأخلاق والمجتمع والحضارة، وليس باعتبارها شخصيات تاريخيةً تروى بمعزل عن حياة الناس على مر الأزمان.
البوسنة والهرسك بعد الحرب وإعادة بناء الهوية والمؤسسات الإسلامية
انتهت الحرب عام 1995م، غير أن آثارها لم تنته بتوقيع اتفاق دايتون؛ فقد تركت البلاد أمام مدن وقرى مدمرة، وأعداد هائلة من اللاجئين والنازحين، واقتصاد منهك، ومجتمع يحمل جراح القتل والفقد والتهجير. وكان على البوسنيين أن ينتقلوا من معركة البقاء إلى إعادة البناء، وأن يعيدوا ترميم البيوت والطرق والمدارس والمساجد والمؤسسات، وفي الوقت نفسه أن يعيشوا داخل نظام سياسي معقد قام على الكيانين والتوازنات القومية التي فرضتها التسوية. ومع ذلك عادت المؤسسات الإسلامية إلى نشاطها، وأعيد بناء عدد كبير من المساجد التي هدمت أثناء الحرب، واستمرت المدارس والكليات وحلقات القرآن، وأصبح الجيل الذي ولد بعد عام 1995م يحمل مسؤولية مختلفة عن جيل آبائه.
وقد لفت نظري خلال الزيارة انتشار المساجد وحضور حلقات القرآن والمدارس الإسلامية في عدد من المناطق، والطابع العثماني الواضح في بعض المدن، حتى إن المشهد في مواقع معينة يذكر بإسطنبول ومدن الأناضول. وليس معنى هذا أن المجتمع كله يعيش درجةً واحدةً من التدين، فالبوسنة مرت بعقود طويلة من الحكم الشيوعي، وهي مجتمع أوروبي مفتوح على التغيرات الحديثة، ولكن الذي يمكن قوله بوضوح إن المشروع الذي استهدف الوجود الإسلامي خلال الحرب لم ينجح في اقتلاعه. وظل المسلمون، وأعيد بناء المساجد ومدارس العلم الشرعي، واستمرت المؤسسات، وظهر جيل جديد من العلماء والطلاب والأئمة.
وعندما وضعت مشاهد الرحلة بعضها إلى جانب بعض رأيت مساراً تاريخياً متصلاً، فالإسلام الذي دخل البوسنة في القرن الخامس عشر، ووقف غازي خسرو بك ومكتبته التي تأسست عام 1537م، والمسلمون الذين حافظوا على وجودهم بعد خروج العثمانيين، وعلي عزت الذي دخل سجون الشيوعية ثم قاد الدولة، وسراييفو المحاصرة ونفق الحياة، وسربرنيتسا وشهداؤها، وكذلك الطلاب الذين التقيناهم في سراييفو وترافنيك، وعلماء زينيتسا، وخمسون إماماً وداعيةً شاباً اجتمعوا من اثنتي عشرة دولة أوروبية. وهذه الصورة هي الأقرب إلى فهم البوسنة في الوقت الحالي، فهي تاريخ مجتمع استطاع أن يحافظ على وجوده، وأن يعيد بناء مؤسساته، وأن ينقل ذاكرته وإيمانه وعلمه وتاريخه إلى جيل جديد.
وأخيراً، جزى الله خيراً كل من كان له دور في تيسير هذه الزيارة، وكل من أحاطنا باهتمامه وكرمه من الإخوة والدعاة وطلبة العلم وأهل البوسنة والهرسك الكرام. ونسأل الله تعالى أن يرحم شهداء البوسنة والهرسك، وأن يحفظ أهلها وعلماءها وشبابها، وأن يوفقهم لما فيه خير بلادهم ووحدتها واستقرارها، وأن يديم عليهم نعمة الأمن والسلام، ويبارك في جهودهم في العلم والبناء والنهوض ببلادهم، وأن يعينهم على حفظ دينهم وهويتهم وبناء مستقبلهم بالعلم والعدل ورد الحقوق والإحسان والعمل بإخلاص، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)
والحمد لله رب العالمين …
المراجع والمصادر
القرآن الكريم.
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. “البوسنة والهرسك.. الأمين العام للاتحاد يشارك في الملتقى الأوروبي للأئمة والدعاة الشباب بمحاضرات عن قصص الأنبياء”، 15 سبتمبر 2026.
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. “البوسنة والهرسك.. الأمين العام للاتحاد يزور زينيتسا ويلتقي نخبة من علمائها وأكاديميّيها”. 15 سبتمبر 2026م.
جون فاين فان أنتويرب الابن. البلقان في أواخر العصور الوسطى: دراسة نقدية من أواخر القرن الثاني عشر حتى الفتح العثماني. آن آربر: مطبعة جامعة ميشيغان، 1987م.
روبرت ج، دونيا وجون فان أنتويرب فاين الابن. البوسنة والهرسك: تقليد تعرض للخيانة. نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 1994م.
ستيفن ل. بورغ، وبول شوب. الحرب في البوسنة والهرسك: الصراع العرقي والتدخل الدولي. أرمونك، نيويورك: إم. إي. شارب، 1999م.
علي عزت بيغوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب. ترجمة محمد يوسف عدس. القاهرة: مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات، 1994م.
علي محمد الصلابي. انطباعات ومشاهدات شخصية خلال زيارة البوسنة والهرسك، 11 – 15 سبتمبر 2026م، وتشمل الزيارات الميدانية واللقاءات مع العلماء والدعاة وطلبة العلم والمؤسسات الإسلامية في سراييفو وترافنيك وزينيتسا (ملاحظات شخصية غير منشورة).
ماركو أتيلا هور. كيف تسلحت البوسنة. لندن: دار الساقي، 2004م. وهو من المراجع المهمة في دراسة نشأة جيش جمهورية البوسنة والهرسك وتطوره العسكري خلال حرب 1992–1995م.
متحف علي عزت بيغوفيتش. سيرة علي عزت بيغوفيتش وحياته الفكرية والسياسية. سراييفو، البوسنة والهرسك.
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. القرار رقم 713 (1991) بشأن حظر توريد الأسلحة إلى يوغوسلافيا. نيويورك: الأمم المتحدة، 25 سبتمبر/أيلول 1991م.
المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. الأحكام والوثائق القضائية المتعلقة بالحرب في البوسنة والهرسك والإبادة الجماعية في سربرنيتسا. لاهاي: الأمم المتحدة. وهي من أهم المصادر الأصلية لتوثيق المجازر وجرائم الحرب والإبادة الجماعية التي وقعت خلال حرب البوسنة.
محكمة العدل الدولية. قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها: البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود. الحكم الصادر في 26 فبراير/شباط 2007م. لاهاي: محكمة العدل الدولية.
مكتب الممثل السامي في البوسنة والهرسك. الاتفاق الإطاري العام للسلام في البوسنة والهرسك (اتفاق دايتون للسلام). تم التوصل إليه في دايتون، أوهايو، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1995م، ووقع رسمياً في باريس في 14 ديسمبر/كانون الأول 1995م.
مكتبة غازي خسرو بك. تاريخ مكتبة غازي خسرو بك ومجموعاتها ومخطوطاتها وأوقافها. سراييفو، البوسنة والهرسك. وهو من المصادر الأساسية للمعلومات المتعلقة بتأسيس المكتبة سنة 1537م، ووقف غازي خسرو بك، ودور المكتبة في حفظ التراث الإسلامي في البوسنة والبلقان.
مؤسسة علي عزت بيغوفيتش. السيرة الذاتية لعلي عزت بيغوفيتش. سراييفو، البوسنة والهرسك. وهو من المصادر الأساسية المعتمدة في توثيق مراحل حياته، وسجنه، ونشاطه الفكري والسياسي، وتوليه رئاسة البوسنة والهرسك.
نويل مالكوم. البوسنة: تاريخ مختصر. نيويورك: مطبعة جامعة نيويورك، 1994م.
The post في رحاب البوسنة والهرسك.. التاريخ الإسلامي والحرب وإعادة بناء الدولة والمجتمع appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
