الوثائقي الجديد عن خليفة بن عسكر بعنوان (مجاهد الجبل خليفة بن عسكر) بتقديم الأستاذ اكرم جرناز واستضافة بعض الباحثين، محاولة جيدة لعرض صفحات من جهاد بن عسكر ورفاقه ضد الإيطاليين، وهو ما تم طمسه في زمن الجماهيرية. الفيلم كسابقه متواضع من حيث المادة التاريخية والمشاهد الفنية، ونلتمس له العذر، لان الأفلام الوثائقية كالتي تصدر عن إذاعة (BBC) تكون مكلفة جدا وتحتاج إلى دعم لوجيستي كبير وطاقم فني فاعل. من ناحية الموضوع لا يوجد سيناريو يعرض المادة التاريخية وترك الأمر للضيوف وأكثرهم لهم اهتمامات أخرى غير بن عسكر.
فلا نجد مثلا حبكة في عرض الأحداث كما في فيلم عمر المختار الذي كان يهدف إلى صناعة تاريخ ليبي فيه الكثير من الإضافة المتخيلة. وفي حالة بن عسكر ورفاقه من المنطقة الغربية لا نأمل إلا إلى عرض الحقائق كما هي دون إضافة، في الفيلم هناك تسطيح لموضوع الحرب بان بدايتها كانت بسبب استيلاء الإيطاليين على الإبل المتجهة إلى الساحل، وهناك مساواة بين الحكومة الطرابلسية بزعامة ليبية وحكومة القانون الأساسي الإيطالية بالقول أن هناك انقسام، والفرق كبير من مجابهة الإيطاليين والتواطؤ معهم والعمل تحت إمرتهم، بالمثل تبعية بن عسكر للسنوسية كانت صورية ولم تكن قائمة على هيكلية إدارية ولفترة محدودة، الأمر الآخر والسؤال المهم لماذا تم شنق بن عسكر ولم يتم شنق محمد فكيني ولا الشنطة ولا عبد النبي بالخير ولا السويحلى ولا الصويعي ولا غيره بالمقابل هناك نقد جيد لبن عسكر من أحد المشاركين وهو صحيح تاريخيا، لماذا فتح بن عسكر العداء مع فرنسا ويمكن أن تكون تونس ملاذا له كما قدم إليها في أول خروجه من نالوت، من ناحية المشاهد هناك فقر كبير: كان يمكن أن يقف الأستاذ أكرم عند المرابح ويقول من هنا عاد خليفة بن عسكر إلى مقارعة الإيطاليين بعد أن ترك أهله في تونس، ثم ينتقل إلى قصبة سيناول ويقول من هذه القصبة بدأت أكبر حرب لبن عسكر ضد الإيطاليين وتجاوز عدد معاركها 17 معركة، وأخيرا مشهد دخول المجاهدين نالوت منتصرين على العدو.
إعادة كتابة التاريخ الليبي يحتاج إلى جهد كبير وميزانيات ضخمة والاهم من ذلك عمل دؤوب لإبراز ما غفل أو تغافل عنه الإعلام طيلة قرن من الزمان، ومن إطلاعي على تلك الحقبة التاريخية بين دخول الإيطاليين وتثبيت حكمهم في ليبيا أي بين 1911 و 1923 نجد أن معظم ما كتب يتناول وجهة نظر محددة صامته عن الأحداث بدعوى الخوف من التشظي الاجتماعي، وهو ما جعل العمالة والتواطؤ ديدن للكثيرين حتى بعد ثورة 2011م، لأنهم يعلمون أن الخوف من الفرقة تحمي العملاء من قلم التاريخ، ربما الأكثر شمولية وعمقا ومهنية هو كتاب “حرب الجبل والساحل” للأستاذ عمرو سعيد بغني.
نعم المأمول في هكذا أفلام أن تكون شاملة لمجريات الأحداث لها الكثير من التحليل التاريخي وليس لها تابوهات لكشف الحقائق وعرض الأحداث بشفافية عندها يتم إعادة كتابة التاريخ وهو أساس للمواطنة الحقة التي تضمن العدالة والمساواة لكل الليبيين دون تمييز، مع تبجيل والوطنيين ووصم العار بالعملاء.
The post قراءة في فيلم مجاهد الجبل.. خليفة بن عسكر appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
