كيف تحولت أزمة المبيدات إلى معركة أمن قومي.. خبير قانوني يكشف الحقيقة لـ«عين ليبيا»!

0
5

تشهد ليبيا تطورًا لافتًا في طريقة التعامل مع قضايا الأمن الغذائي، مع بروز ملف المبيدات الزراعية المحظورة كأحد أكثر الملفات حساسية خلال الفترة الأخيرة، وبينما تتركز الأنظار على الإجراءات التي اتخذها مكتب النائب العام، يبرز نقاش أوسع حول التحول في منهجية التحقيق، والانتقال من المعالجة التقليدية بعد وقوع الضرر إلى مقاربة وقائية تعتمد على الأدلة العلمية والتدخل المبكر، هذا المسار يفتح تساؤلات حول مستقبل الرقابة على الغذاء، وحدود دور النيابة العامة في حماية الصحة العامة باعتبارها جزءًا من الأمن الوطني.

وحول ذلك، أكد أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا مجدي الشبعاني في تصريح لشبكة عين ليبيا، أن الإجراءات التي اتخذها مكتب النائب العام في قضية المبيدات الزراعية المحظورة لا يمكن النظر إليها كتحقيق جنائي تقليدي، بل كنموذج متقدم يعكس تطور دور النيابة العامة في حماية المصلحة العامة.

وأوضح أن ما يميز هذه القضية أن مكتب النائب العام لم ينتظر وقوع أضرار صحية واسعة أو ظهور نتائجها، بل تحرك بناءً على معلومات ومؤشرات استوجبت التحقق، مع الاستعانة بالخبرة الفنية وإجراء التحاليل المخبرية والاعتماد على أدلة علمية، وهو ما يعكس انتقالًا من رد الفعل إلى التدخل المبكر للحد من المخاطر، باعتباره أحد أهم ملامح السياسة الجنائية الحديثة.

وأشار إلى أن النيابة العامة في الدولة الحديثة لم تعد مجرد جهة لتحريك الدعوى الجنائية بعد وقوع الجريمة، بل أصبحت شريكًا في حماية المصالح العامة، موضحًا أن ما جرى في هذه القضية يعكس هذا التحول عبر توسيع نطاق الإجراءات ليشمل التوجه نحو تدابير تعزز الأمن الغذائي، بما يجسد انتقالًا من العدالة العقابية إلى العدالة الوقائية التي تستهدف منع الخطر قبل تحوله إلى ضرر.

وفي تعريفه للسياسة الجنائية الوقائية، أوضح الشبعاني أنها تقوم على عدم انتظار وقوع الجريمة، بل على رصد المخاطر وتحليلها والتدخل المبكر لمنعها، مقارنة بالسياسة التقليدية التي تركز على العقاب بعد وقوع الفعل، مشيرًا إلى أن ما قامت به النيابة العامة من جمع معلومات وفحوصات فنية وتحليل عينات والإعلان عن تدابير مستقبلية يعكس تطبيقًا عمليًا لهذا النهج.

كما أكد أن الأمن الغذائي لم يعد ملفًا زراعيًا أو اقتصاديًا فقط، بل أصبح جزءًا من الأمن الوطني، نظرًا لارتباطه المباشر بالصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وثقة المواطنين بالدولة، مشيرًا إلى أن أي تهديد له ينعكس على الأمن الصحي والاقتصادي والقومي بشكل شامل.

وأوضح أن المشكلة في ليبيا لا تكمن في نقص التشريعات، إذ تمتلك منظومة قانونية واسعة تشمل قوانين متعددة ولوائح منظمة لتداول المبيدات، بل في ضعف التطبيق الفعلي لهذه النصوص والحاجة إلى تعزيز الرقابة والتنسيق بين الجهات المختصة أكثر من الحاجة إلى قوانين جديدة.

وأضاف أن الدولة تمتلك مؤسسات عديدة مثل مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، والشرطة الزراعية، والجمارك، والإصحاح البيئي، والجهات الصحية، ومأموري الضبط القضائي، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تعزيز التنسيق بينها ضمن استراتيجية وطنية موحدة.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية شاملة تبدأ من الرقابة على استيراد المبيدات وتنظيم تداولها، مرورًا بإنشاء منظومات إنذار مبكر وتطوير قواعد البيانات وتعزيز التحاليل المخبرية ورفع كفاءة مأموري الضبط القضائي وتكثيف التوعية للمزارعين والمستهلكين، مؤكدًا أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالعقوبات وحدها بل بمنظومة وقائية متكاملة.

ولفت إلى أن الرسالة الأساسية من هذه القضية هي أن حماية صحة الإنسان والبيئة لم تعد مجالًا للتساهل، وأن الدولة باتت تعتمد بشكل أكبر على الأدلة العلمية والرقابة الفنية، معتبرًا أن الالتزام بالقوانين ليس مجرد واجب قانوني بل مسؤولية وطنية وأخلاقية.

وأكد أن هذه المقاربة يمكن أن تمتد إلى ملفات أخرى مثل الأمن الدوائي والأمن البيئي والجرائم الاقتصادية والصحة العامة، باعتبار أن السياسة الجنائية الوقائية تمثل منهجًا حديثًا لإدارة المخاطر يعتمد على التدخل المبكر والأدلة العلمية والتنسيق المؤسسي.

وختم بأن الأثر الحقيقي لهذه القضية لا يقاس بعدد القضايا أو الأحكام، بل بقدرة المؤسسات على تحويل نتائج التحقيق إلى سياسات عامة أكثر كفاءة، وإذا تحقق ذلك فإنه يمثل نقطة تحول في حماية الأمن الغذائي في ليبيا وتجسيدًا لتطور دور النيابة العامة من مجرد ملاحقة الجريمة إلى إدارة المخاطر وحماية المجتمع.

The post كيف تحولت أزمة المبيدات إلى معركة أمن قومي.. خبير قانوني يكشف الحقيقة لـ«عين ليبيا»! appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.