مباراة رئاسية برازيلية في صناديق مغلقة

0
6

الانتخابات الرئاسية البرازيلية، لا تنقصها الحيوية والمتعة. المتنافسان في الجولة الأولى، هما فلافيو بولسونارو ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يقضي عقوبةً طويلة في السجن، سبعة وعشرين عاماً، بإدانته في محاولة انقلابية، بعد خسارته في الانتخابات السابقة. والشخصية التي تواجهه في الانتخابات الآن، هو الرئيس الحالي لويس إيناسو لولا دا سيلفا، الذي يعتلي ظهر تاريخه المسكون، بألوان البرازيل العجيبة، فقير ماسح أحذية بائس، وعامل في صناعة المعادن، حيث بُتر بنصر يده اليسرى. الشمال والجنوب في البرازيل، لهما بوصلتان تزخرفهما طبيعة الناس والجغرافيا، فأهل الجنوب ينحون إلى اليمين في الفكر والسياسة، وينحازون إلى التوجه الرأسمالي، في حين يسود في الشمال، المزاج الاشتراكي، وهذا الاختلاف لا يغيب في مسارات الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

البرازيل أرض القارة اللاتينية الجميلة، التي لا يفارقها الفرح، رغم كل ما يغشاها من أزمات، وما تعانيه من مشاكل لا تغيب، في مسيرتها الطويلة. شعبها يتماهى مع خضرة الطبيعة، بما فيها من غابات في الأمازون، التي تهب الدنيا نعمةَ الأكسجين، وأنهارها المتدفقة بمياه تروي القريب والبعيد. الرقص في البرازيل شعرٌ تبدعه الأجسام. كرنفال ريو دي جانيرو، حيث رقصات السامبا بموسيقاها المتميزة، والألوان الزاهية، والعروض الضخمة في السام بودروم، حفلة الحياة الكبيرة. لعبة كرة القدم تغني فيها الأقدام وترقص، والناسُ يطلقون آهاتهم وصرخاتهم، لتسري في الأقدام والصدور، وتكون ريح الاندفاع المتجددة في الملاعب الكبيرة. الانتخابات الرئاسية في دولة البرازيل الشاسعة، تجري كل أربع سنوات، وتظهر أكثر نتيجة، فبالإضافة إلى اختيار رئيس الدولة، تعبر عن المزاج الشعبي.

نسبة المشاركين فيها تؤشر لمدى اقتناع الناس بالمتسابقين في ماراثون الرئاسة، ورضاهم بالبرامج التي يقدمها المترشحون. ففي الجولة الأولى التي جرت في 4 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، كانت نسبة الامتناع عن المشاركة في التصويت 22 في المائة، أي بما يزيد على 33 مليون ناخب، وإن كانت نسبة المشاركة عالية، فقد بلغت نحو 79 في المائة من الناخبين المسجلين. قال بعض المحللين السياسيين البرازيليين، إنَّ الانتخابات الرئاسية في البرازيل هذه المرة، لا ترتكز على تأييد أحد المرشحين فحسب، بل هناك ملايين تصوّت لمرشح معين، معارضة لمنافسه أكثر مما هي تؤيد من صوَّتت له.

الشخصيتان المتنافستان في الانتخابات الرئاسية هذه المرة، الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وفلافيو بولسونارو، يتنافسان في ملعب كرة قدم رحب، وكل واحد منهما له مشجعون محليون وإقليميون وعالميون. لولا دا سيلفا يمثل آخر شخصية يسارية على رأس دولة في أميركا اللاتينية، وله مؤيدون ومتعاطفون كثر في قارته. هو اشتراكي تكوّن في حلبة المعاناة، ولم يحصل على تعليم عالٍ.

لم يقرأ هيغل وفيور باخ وريكاردو وماركس أو آدم سميث، فقد كانت جامعته ومكتبته، الكرسي الذي يجلس عليه العابرون ليمسح أحذيتهم، وعندما ترك هذه المهنة، التحق بالعمل في صناعة المعادن، وهناك فقد جزءاً من جسمه، إصبعاً من يده. انحاز إلى الكادحين، وعمل جاهداً على حل القضية التي شغلت ملايين البرازيليين، وهي القضية التي كان شعارها «فلاحون بلا أرض»، واتخذ موقفاً حازماً ضد قطع غابات الأمازون. نجح في تحرير البرازيل من ثقل الديون الخارجية. لم يؤمن بسياسة التأميم، ومحاربة الأغنياء. رفض التبعية للولايات المتحدة، لكن لم يكن معادياً لها. يرفض أن يحمل صفة الثوري، أو أن يصطف مع القادة الثوريين اللاتين، فيديل كاسترو في كوبا وهوغو شافيز في فنزويلا ودانييل أورتيغا في نيكاراغوا. التقيته بمنزله مرات في البرازيل، وفي طرابلس وجنوب أفريقيا، وشاركت في حفل تنصيبه، عند فوزه بالرئاسة الأولى. يسأل ويستمع أكثر مما يتحدث. الجولة الانتخابية الرئاسية المقبلة، ستكون بينه وبين الشاب فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس السابق نزيل السجن. فارق السّن بين المترشحين، عاصفة زمن، دا سيلفا عمره ثمانون عاماً، وغريمه فلافيو عمره خمسة وأربعون عاماً. مناصرو فلافيو جعلوا من فارق السّن بينهما، موضوعاً للتندر والدعاية في الحملة الانتخابية. المؤشرات الأولى تميل إلى تفوق الشاب فلافيو، فهو يمثل اليمين المتشدد، الداعم للطبقة الرأسمالية واقتصاد السوق والليبرالية المفتوحة، ويعلن ولاءه للولايات المتحدة، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، يدعمه بقوة ويدعو الشعب البرازيلي لانتخابه، وله مؤيدون في ولايات ضخمة، أهمها ولاية ساو باولو وريو دي جانيرو، وأغلب مؤيدي المرشحين الذين خرجوا من الجولة الأولى، يميلون إلى تأييد بولسونارو. مواجهة الجريمة وتكريس الأمن العام وتكلفة المعيشة، وظاهرة الفقر، هي قضايا حاسمة في الجولة الانتخابية المقبلة.

هل ستُحسم المباراة في الوقت المحدد، أو يكون هناك وقت إضافي، أم الحسم سيكون لضربات الجزاء؟ ذاك ما سيقرره الحكم، وهو الجمهور البرازيلي في صناديق الاقتراع.

The post مباراة رئاسية برازيلية في صناديق مغلقة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.