مع الانتقال إلى فصلي الخريف والشتاء، تتغير العادات اليومية وأنماط التغذية والنوم والنشاط البدني، بالتزامن مع انخفاض درجات الحرارة وقصر ساعات النهار، وهي عوامل تجعل الاهتمام بالصحة أكثر أهمية، سواء من خلال دعم وظائف الجهاز المناعي أو المحافظة على التوازن النفسي أو اختيار أطعمة ومشروبات تساعد على الشعور بالراحة والدفء.
وتشير الأبحاث العلمية إلى أن التغذية المتوازنة تمثل أحد العناصر الأساسية للحفاظ على وظائف الجسم، لكنها لا توفر حماية مطلقة من العدوى، كما أن بعض الأطعمة ترتبط بمؤشرات أفضل للصحة النفسية دون أن تشكل علاجًا للاكتئاب، في حين تختلف قوة الأدلة المتعلقة باستخدام التوابل لتحسين الهضم.
دعم المناعة يبدأ من النظام الغذائي
يحتاج الجهاز المناعي إلى مجموعة متنوعة من الفيتامينات والمعادن حتى يؤدي وظائفه بصورة طبيعية، ومن أبرزها فيتامينات A وC وD وE، إلى جانب الزنك والسيلينيوم والحديد، وهي عناصر تدخل في عمليات حيوية مرتبطة بإنتاج الخلايا المناعية وتنظيم الاستجابة للعدوى.
ويوضح مكتب المكملات الغذائية التابع للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية أن نقص بعض هذه العناصر يمكن أن يضعف وظائف المناعة، فيما لا تعني زيادة استهلاكها الحصول على حماية إضافية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يحصلون على احتياجاتهم الغذائية من الطعام.
ومن بين الخيارات الغذائية التي توفر هذه العناصر الحمضيات والكيوي والفلفل الحلو والبروكلي، لاحتوائها على فيتامين C، والجزر والبطاطا الحلوة والخضروات الورقية التي توفر مركبات الكاروتينويد، إضافة إلى المكسرات والبذور والبقوليات التي تمد الجسم بمعادن مهمة.
وتبرز أهمية البروتين أيضًا في دعم وظائف الجسم، إذ يحتاج إليه لإنتاج الأجسام المضادة وبناء الأنسجة وتجديد الخلايا، ويمكن الحصول عليه من البيض والأسماك والدجاج ومنتجات الألبان، إلى جانب العدس والحمص والفاصولياء.
ولا يقتصر دعم المناعة على الطعام، إذ يرتبط النوم المنتظم والنشاط البدني المعتدل والعادات الصحية اليومية بسلامة وظائف الجسم، كما يساعد غسل اليدين وتهوية الأماكن المغلقة والحد من مخالطة المصابين على تقليل فرص انتقال العدوى.
أما فيتامين D، فيحظى باهتمام خاص خلال الأشهر التي تقل فيها ساعات التعرض لأشعة الشمس، نظرًا لدوره في تنظيم وظائف مناعية متعددة، ويمكن الحصول عليه من بعض الأسماك الدهنية وصفار البيض والأطعمة المدعمة، إلى جانب التعرض المعتدل لأشعة الشمس.
وتؤكد المعاهد الوطنية للصحة أن المكملات الغذائية تكون أكثر أهمية عند وجود نقص أو احتياج محدد، ولا تدعم الأدلة تناول جرعات مرتفعة من الفيتامينات والمعادن بصورة عشوائية باعتبارها وسيلة مضمونة لمنع نزلات البرد والإنفلونزا.
الغذاء والمزاج في مواجهة كآبة الخريف
مع قصر ساعات النهار وتراجع التعرض للضوء الطبيعي، يلاحظ بعض الأشخاص تغيرات في المزاج ومستويات الطاقة والنوم والشهية، وقد تكون هذه الأعراض جزءًا من الاضطراب العاطفي الموسمي لدى بعض الحالات، وهو نمط من الاكتئاب يرتبط بفترات محددة من السنة.
وفي ظل الاهتمام بالعلاقة بين التغذية والصحة النفسية، تبرز الأسماك الدهنية والمكسرات والخضروات والفواكه والحبوب الكاملة ضمن الخيارات التي توفر عناصر غذائية مهمة لصحة الجسم والدماغ، لكن الأبحاث لا تثبت أن تناول صنف محدد منها يعالج كآبة الخريف.
وتوفر أسماك السلمون والسردين والماكريل أحماض أوميغا 3 الدهنية التي تدخل في تركيب أغشية الخلايا وتشارك في وظائف الدماغ، فيما تحتوي المكسرات، مثل الجوز واللوز، وبذور الكتان والشيا على دهون غير مشبعة وألياف ومعادن.
كما تسهم الخضروات والفواكه الملونة، مثل التوت والتفاح والبرتقال والرمان والسبانخ والجزر، في توفير الفيتامينات والمركبات النباتية، بينما تمنح الحبوب الكاملة والبقوليات الجسم الألياف والكربوهيدرات المعقدة التي تساعد على تنظيم الوجبات والشعور بالشبع.
وتناولت مراجعة منهجية نُشرت عام 2020 إحدى عشرة دراسة حول التغذية والاضطراب العاطفي الموسمي، لكنها خلصت إلى عدم وجود أدلة كافية تثبت فاعلية تدخل غذائي محدد في تخفيف أعراضه، كما لم تثبت الدراسات المشمولة فائدة واضحة لمكملات فيتاميني D وB12 في علاج هذا الاضطراب.
في المقابل، تناولت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2025 تأثير النظام الغذائي المتوسطي في أعراض الاكتئاب لدى البالغين، وأظهرت النتائج مؤشرات إلى تحسن لدى بعض المشاركين، إلا أن الباحثين أشاروا إلى انخفاض درجة اليقين في الأدلة وتفاوت نتائج الدراسات، ما يمنع اعتباره علاجًا مثبتًا للاكتئاب.
ويعتمد النظام الغذائي المتوسطي على الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة وزيت الزيتون والمكسرات والأسماك، مع الحد من الأطعمة فائقة المعالجة واللحوم المصنعة، وهو نمط يوفر تنوعًا غذائيًا يمكن أن يدعم الصحة العامة.
ورغم ذلك، فإن استمرار انخفاض المزاج وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة أو حدوث تغيرات ملحوظة في النوم والشهية والتركيز يستدعي الانتباه، إذ لا ينبغي التعامل مع أعراض الاكتئاب الموسمي باعتبارها مشكلة غذائية فقط، خصوصًا أن العلاج بالضوء الساطع والعلاجات الطبية والنفسية تدخل ضمن الخيارات المستخدمة للتعامل مع هذه الحالة.
توابل الشتاء بين الدفء وفوائد الجهاز الهضمي
تحتل التوابل مكانة بارزة في الأطعمة والمشروبات الشتوية، إذ تضيف نكهات مميزة وترتبط لدى كثيرين بالإحساس بالدفء، لكن الأدلة العلمية المتعلقة بفوائدها الهضمية متفاوتة، ولا تثبت أن جميعها تعالج اضطرابات المعدة أو تحسن الهضم لدى الجميع.
ويبرز الزنجبيل بين أكثر التوابل التي خضعت للدراسة في هذا المجال، إذ يحتوي على مركبات نشطة، أبرزها الجينجيرول والشوغول، وقد تناولت مراجعة منهجية نُشرت عام 2020 نتائج 109 تجارب عشوائية محكومة لدراسة تأثيراته الصحية.
وأظهرت المراجعة أدلة أكثر اتساقًا على دور الزنجبيل في تخفيف الغثيان والقيء، خصوصًا في بعض الحالات المرتبطة بالحمل، بينما كانت النتائج المتعلقة بتأثيراته في وظائف الجهاز الهضمي الأخرى أقل حسمًا، مع وجود تفاوت في جودة الدراسات وأحجام العينات.
ويمكن إضافة الزنجبيل الطازج إلى المشروبات الساخنة والشوربات والأطعمة، لكن ذلك لا يعني أنه علاج لجميع مشكلات الهضم، مثل الحموضة والانتفاخ والقولون العصبي.
أما القرفة، فتُستخدم على نطاق واسع في المشروبات والحلويات، وتحتوي على مركبات نباتية خضعت لدراسات تتعلق بتأثيراتها البيولوجية، غير أن الأدلة السريرية لا تكفي لإثبات أنها تعالج اضطرابات الجهاز الهضمي.
وتحذر الهيئة الألمانية لتقييم المخاطر من الإفراط في استهلاك قرفة كاسيا بسبب احتوائها على الكومارين، وهي مادة يمكن أن تسبب أضرارًا للكبد لدى بعض الأشخاص عند تناول كميات مرتفعة منها لفترات طويلة، بينما تحتوي قرفة سيلان عادة على مستويات أقل من هذه المادة.
ويحظى الكركم بدوره باهتمام بحثي بسبب احتوائه على الكركمين، وهو مركب دُرس في سياق الالتهاب والإجهاد التأكسدي، لكن النتائج المختبرية والتجارب المتعلقة بمكملاته لا تكفي لإثبات أن استخدامه في الطعام يعالج عسر الهضم أو الانتفاخ أو مشكلات المعدة.
كما يدخل الكمون في أطباق البقوليات والشوربات، ويشيع استخدامه في الوصفات المنزلية المرتبطة بتخفيف الغازات، لكن الأدلة السريرية لا تزال غير كافية للجزم بفاعليته علاجًا لاضطرابات الهضم.
ويحتوي الفلفل الحار على الكابسيسين المسؤول عن الإحساس بالحرارة واللسع، وهو تأثير يرتبط بتنشيط مستقبلات الإحساس الحراري، لكنه لا يعني بالضرورة ارتفاع درجة حرارة الجسم الأساسية أو تحسن عملية الهضم، كما أن الأطعمة الحارة يمكن أن تزيد الشعور بحرقة المعدة لدى بعض المصابين بالارتجاع.
أما الهيل، فيُستخدم في القهوة والشاي والمشروبات الشتوية بفضل نكهته العطرية، ويحتوي على مركبات نباتية قيد الدراسة، لكن الأدلة البشرية لا تزال محدودة بشأن قدرته على علاج عسر الهضم أو الغازات.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية التعامل مع التوابل باعتبارها جزءًا من النظام الغذائي ومصدرًا للنكهة، مع الاستفادة من الأدلة المتاحة بشأن بعض استخداماتها المحددة، وفي مقدمتها الزنجبيل والغثيان، دون تحويل الاستخدامات التقليدية إلى ادعاءات علاجية غير مثبتة.
وفي المحصلة، يبقى تنويع الغذاء والحصول على العناصر الضرورية والنوم المنتظم والنشاط البدني من الأسس التي تدعم الصحة خلال الخريف والشتاء، بينما لا تشكل الأطعمة أو التوابل بديلًا عن الرعاية الطبية عند ظهور أعراض مستمرة أو اضطرابات صحية تحتاج إلى تقييم متخصص.
The post مع حلول الشتاء.. عادات غذائية تدعم «المناعة» وصحة الجسم appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.