من الأمعاء إلى الدماغ.. كيف تؤثر «التوابل» في صحة الإنسان؟

0
2

لم تعد التوابل مجرد إضافات تمنح الطعام نكهته ورائحته المميزة، إذ تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث العلمية إلى أن كثيراً من التوابل والأعشاب تحتوي على مركبات نباتية نشطة قد تؤثر في الالتهاب والإجهاد التأكسدي وسكر الدم وضغط الدم والدهون ووظائف الجهاز الهضمي، وهو ما يجعل إدخالها ضمن نظام غذائي متوازن جزءاً محتملاً من استراتيجية غذائية داعمة للصحة على المدى الطويل.

وتشمل هذه المركبات البوليفينولات والفلافونويدات والكاروتينات والزيوت الطيارة ومركبات أخرى تختلف باختلاف نوع التابل، ومن أبرزها الكركمين الموجود في الكركم، والزنجبيلات في الزنجبيل، والقرفة ألدهيد في القرفة، والكابسيسين في الفلفل الحار، والبيبيرين في الفلفل الأسود، إضافة إلى مركبات كبريتية في الثوم.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن بعض هذه المركبات يمتلك خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، وهي آليات ترتبط بعدد كبير من الأمراض المزمنة، إلا أن وجود تأثير بيولوجي في المختبر لا يعني بالضرورة أن تناول التوابل سيمنع المرض أو يعالجه لدى الإنسان، ولذلك تختلف قوة الأدلة من نوع إلى آخر ومن فائدة إلى أخرى.

ومن أبرز المجالات التي يلفت إليها الباحثون صحة الجهاز الهضمي والأمعاء، إذ تشير أبحاث أولية إلى أن بعض المركبات الموجودة في التوابل يمكن أن تؤثر في البيئة الميكروبية للأمعاء، بما في ذلك نمو بعض أنواع البكتيريا النافعة، كما أظهرت دراسات مخبرية أن مستخلصات بعض التوابل، مثل الفلفل الأسود والقرفة والزنجبيل وإكليل الجبل، يمكن أن تؤثر في أنواع من البكتيريا المعوية. لكن معظم هذه الأدلة لا تزال بحاجة إلى دراسات بشرية أطول وأكثر دقة لتحديد حجم التأثير الفعلي عند تناول التوابل ضمن الطعام اليومي.

ويُعد الزنجبيل من أكثر التوابل التي تمتلك أدلة سريرية مباشرة في مجال الجهاز الهضمي، خصوصاً فيما يتعلق بالغثيان والقيء، إذ تشير الدراسات إلى إمكانية مساهمته في تخفيف الغثيان المرتبط بالحمل، كما توجد أدلة على فائدته في بعض حالات الغثيان بعد العمليات أو المرتبط بعلاجات معينة، مع اختلاف النتائج بحسب الجرعة والحالة وطريقة الاستخدام.

أما بالنسبة إلى صحة الدماغ والجهاز العصبي، فقد حظي الكركم ومركبه الرئيسي الكركمين باهتمام بحثي كبير بسبب خصائصه المضادة للالتهاب والأكسدة، وهي خصائص يُعتقد أنها قد تكون ذات صلة بصحة الدماغ، لكن الأدلة السريرية على الوقاية من أمراض التنكس العصبي أو علاجها لا تزال غير كافية للقول إن الكركم أو الكركمين يمنعان الزهايمر أو غيره من الأمراض العصبية.

وقد وجدت بعض الدراسات الصغيرة إشارات إلى تحسن بعض مؤشرات الذاكرة والمزاج لدى أشخاص تناولوا مستحضرات الكركمين، إلا أن هذه النتائج لا تعني أن تناول الكركم في الطعام يمكن اعتباره علاجاً أو وسيلة مثبتة للوقاية من الخرف.

وتبرز كذلك علاقة محتملة بين تناول التوابل وصحة القلب والأوعية الدموية، إذ وجدت مراجعة للدراسات السريرية على البشر أن بعض التجارب سجلت تحسناً في مؤشرات مثل الدهون في الدم، وضبط سكر الدم، وضغط الدم، والالتهاب والإجهاد التأكسدي، إلا أن الباحثين شددوا على وجود تفاوت كبير بين الدراسات في الجرعات والأنواع والتصاميم، ما يستدعي تفسير النتائج بحذر.

وفي تجربة تغذية عشوائية محكمة، أدى إدخال كمية أعلى من خليط الأعشاب والتوابل ضمن النظام الغذائي إلى تحسن في ضغط الدم على مدار 24 ساعة بعد أربعة أسابيع مقارنة بكميات أقل، وهو ما يدعم فكرة أن التوابل قد تكون جزءاً من نمط غذائي أكثر صحة، وليس مجرد مصدر للنكهة.

ومن الفوائد المهمة أيضاً أن التوابل يمكن أن تساعد على تقليل الاعتماد على الملح في الطعام، إذ تمنح النكهة دون إضافة كميات كبيرة من الصوديوم، وهو أمر مهم لأن تقليل الصوديوم يرتبط بالوقاية من ارتفاع ضغط الدم. كما يمكن لبعض التوابل أن تجعل الخضروات والأطعمة الصحية أكثر قبولاً، وبالتالي قد تساعد بصورة غير مباشرة على تحسين جودة النظام الغذائي.

وتشير مراجعة واسعة للأدلة السريرية المتعلقة باستخدام الجرعات الغذائية المعتادة من الأعشاب والتوابل إلى وجود نتائج واعدة للقرفة والزنجبيل والكركم والحلبة والفلفل الحار وغيرها في بعض مؤشرات متلازمة الأيض، بما في ذلك سكر الدم والدهون والالتهاب، إلا أن الباحثين يؤكدون أن حجم الأدلة وقوتها يختلفان بصورة كبيرة بين نوع وآخر.

وتبدو القرفة من التوابل التي خضعت لعدد معتبر من الدراسات، حيث وجدت بعض التجارب نتائج تشير إلى إمكانية تأثيرها في مستويات سكر الدم وبعض مؤشرات الدهون، خصوصاً لدى الأشخاص المصابين بالسكري، لكن تأثيرها ليس ثابتاً في جميع الدراسات ولا يمكن اعتبارها بديلاً عن العلاج الدوائي أو النظام الغذائي الموصوف طبياً.

أما الفلفل الحار، فيحتوي على الكابسيسين، وهو المركب المسؤول عن الطعم الحار، وقد بحثت الدراسات في تأثيره المحتمل على الالتهاب والأوعية الدموية واستقلاب الطاقة والشهية، إلا أن معظم هذه النتائج لا تزال لا تسمح بتحويل الفلفل الحار إلى وصفة علاجية بحد ذاته.

ويحظى الثوم كذلك باهتمام كبير في أبحاث القلب والأوعية، وتشير الدراسات إلى إمكانية مساهمته في تحسين بعض مؤشرات الكوليسترول والدهون الثلاثية ووظائف الأوعية الدموية، إلا أن حجم التأثير يعتمد على طريقة التحضير والكمية والشكل المستخدم، كما أن بعض الدراسات تستخدم مستخلصات أو مكملات بجرعات تختلف عن الكميات التي يحصل عليها الإنسان من الطعام.

ولا تقتصر فوائد التوابل المحتملة على الوقاية القلبية والاستقلابية، إذ تشير أبحاث مختلفة إلى خصائص مضادة للالتهاب ومضادة للأكسدة لدى عدد من التوابل، ومنها الزعفران وإكليل الجبل والقرفة والكركم والزنجبيل، لكن تحويل هذه الخصائص إلى فوائد صحية ملموسة على مستوى الأمراض المزمنة يحتاج إلى تجارب بشرية أكبر وأطول زمناً.

وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن كل ما هو طبيعي آمن مهما بلغت الكمية يمثل خطأ شائعاً، إذ تختلف المخاطر بصورة كبيرة بين الاستخدام الغذائي المعتاد واستخدام المستخلصات المركزة والمكملات ذات الجرعات العالية.

فالكميات المعتادة من التوابل المستخدمة في إعداد الطعام تكون عموماً منخفضة نسبياً، بينما قد تحتوي المكملات والمستخلصات على جرعات أكبر بكثير من تلك التي يحصل عليها الإنسان من النظام الغذائي، وبالتالي قد تظهر معها تأثيرات جانبية أو تداخلات دوائية لا تظهر عند استخدامها كتوابل.

وقد تسبب بعض التوابل، خصوصاً عند تناولها بكميات كبيرة، حرقة المعدة أو تهيج الجهاز الهضمي أو الإسهال لدى بعض الأشخاص، كما يمكن أن تكون الأطعمة شديدة الحدة مزعجة للأشخاص الذين يعانون من حساسية فردية تجاهها.

ويحتاج الأشخاص الذين يتناولون أدوية معينة إلى الحذر بصورة خاصة عند استخدام مستخلصات التوابل بجرعات علاجية، لأن بعض المركبات النباتية يمكن أن تؤثر في امتصاص الأدوية أو استقلابها أو تأثيرها في تخثر الدم أو سكر الدم.

ويُعد الكركمين مثالاً واضحاً على الفرق بين التابل والغذاء من جهة والمكمل المركز من جهة أخرى؛ فالاستخدام الغذائي المعتدل للكركم يختلف جذرياً عن تناول مستحضرات تحتوي على كميات عالية من الكركمين أو تركيبات مصممة لزيادة امتصاصه.

كما أن إضافة الفلفل الأسود أو البيبيرين إلى بعض مستحضرات الكركمين يمكن أن تزيد امتصاص المركب بدرجة كبيرة، وهو ما قد يكون مفيداً من ناحية التوافر الحيوي، لكنه في الوقت نفسه يجعل مسألة التداخلات الدوائية أكثر أهمية عند استخدام المكملات المركزة.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن الفائدة الأكبر من التوابل لا ينبغي النظر إليها باعتبارها علاجاً منفرداً، بل باعتبارها جزءاً من نمط غذائي متوازن غني بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمصادر الصحية للبروتين والدهون.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تكون التوابل وسيلة بسيطة لتحسين جودة الطعام وتقليل الاعتماد على الملح والسكر والدهون الزائدة، إلى جانب توفير مجموعة متنوعة من المركبات النباتية النشطة.

وتبقى القاعدة الأهم هي أن التوابل لا تعوض النوم الجيد والنشاط البدني والغذاء المتوازن والعلاج الطبي عند الحاجة، ولا توجد أدلة علمية تسمح باعتبار نوع واحد من التوابل علاجاً شاملاً للأمراض المزمنة.

وتشير الصورة العامة التي ترسمها الدراسات إلى أن تناول مجموعة متنوعة من التوابل بكميات غذائية معتدلة قد يكون إضافة مفيدة إلى النظام الغذائي، مع وجود أدلة واعدة في مجالات صحة القلب والتمثيل الغذائي والجهاز الهضمي والالتهاب، بينما لا تزال بعض الادعاءات المتعلقة بالوقاية من السرطان أو أمراض التنكس العصبي بحاجة إلى أدلة سريرية أقوى.

وبذلك فإن القيمة الحقيقية للتوابل لا تكمن في اعتبارها «دواءً سحرياً»، وإنما في كونها مصدراً غنياً نسبياً بالمركبات النباتية، وفي قدرتها على جعل الطعام أكثر تنوعاً ونكهة، وربما المساعدة على بناء نظام غذائي أقل اعتماداً على الملح وأكثر غنى بالمكونات النباتية.

أما الخطر فيبدأ عندما تتحول التوابل من مكونات غذائية تستخدم باعتدال إلى مستخلصات ومكملات مركزة يتم تناولها بجرعات كبيرة على أساس أنها علاج مضمون، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية مزمنة أو يعانون من أمراض معينة.

The post من الأمعاء إلى الدماغ.. كيف تؤثر «التوابل» في صحة الإنسان؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.