يواصل العسل جذب اهتمام الباحثين في مجالات التغذية وطب المناعة وعلوم الأحياء الدقيقة، باعتباره مادة طبيعية ارتبطت تاريخيًا بالشفاء والعلاج، غير أن الدراسات العلمية الحديثة لم تعد تتعامل معه بوصفه “علاجًا عامًا”، بل كمركب غذائي معقد تتداخل فيه خصائص بيولوجية مفيدة مع حدود واضحة في التأثير الطبي المباشر على الإنسان.
وتشير مراجعات علمية منشورة في مجلات مثل “Nutrients” و”Journal of Apicultural Research” إلى أن العسل يحتوي على تركيبة غذائية غنية نسبيًا بالسكريات الطبيعية، إلى جانب مركبات نشطة مثل الفلافونويدات، والبوليفينولات، والأحماض العضوية، والإنزيمات، وهي عناصر ترتبط علميًا بخصائص مضادة للأكسدة.
وتوضح هذه الدراسات أن مضادات الأكسدة تلعب دورًا في تقليل الإجهاد التأكسدي داخل الخلايا، وهو عامل يرتبط علميًا بزيادة مخاطر أمراض مزمنة مثل أمراض القلب وبعض الاضطرابات الالتهابية، إلا أن هذا التأثير لا يعني بالضرورة أن العسل يملك قدرة علاجية مباشرة لهذه الأمراض، بل يُنظر إليه كعامل مساعد ضمن نظام غذائي متوازن.
وفي جانب النشاط المضاد للبكتيريا، تشير أبحاث منشورة في “Frontiers in Microbiology” إلى أن العسل يمتلك آليات متعددة تؤثر على نمو بعض أنواع البكتيريا، منها ارتفاع التركيز السكري الذي يخلق بيئة ذات ضغط أسموزي مرتفع يعيق نمو الميكروبات، إضافة إلى إنتاج بيروكسيد الهيدروجين بشكل طبيعي داخل بعض أنواع العسل، فضلًا عن مركبات نباتية المصدر تختلف حسب الزهور التي جُمِع منها العسل.
وتظهر هذه الخصائص بشكل أوضح في الدراسات المخبرية، حيث تم تسجيل تثبيط لنمو بعض البكتيريا الجلدية والجرثومية في بيئات تجريبية، إلا أن هذه النتائج لا تُترجم دائمًا إلى تأثيرات علاجية مماثلة داخل جسم الإنسان، بسبب اختلاف الظروف الحيوية المعقدة.
وفي المجال الطبي التطبيقي، تشير مراجعات منهجية منشورة في “Cochrane Database of Systematic Reviews” إلى أن العسل الطبي المعقم يمكن أن يساهم في تسريع التئام بعض أنواع الجروح والحروق السطحية، من خلال تقليل الالتهاب المحلي، والمساعدة في الحفاظ على بيئة رطبة مناسبة لشفاء الأنسجة، إضافة إلى تقليل تكاثر بعض الميكروبات في الجروح.
لكن هذه المراجعات تؤكد في الوقت نفسه أن هذه النتائج ترتبط بالعسل الطبي المُنتج وفق معايير صيدلانية صارمة، وليس بالعسل الغذائي العادي الذي قد يختلف في نقاوته وتركيبه الكيميائي حسب المصدر الجغرافي ونوع النباتات وطرق التخزين والمعالجة.
أما فيما يتعلق بالمناعة، فقد تناولت دراسات منشورة في “Journal of Functional Foods” و”Food & Function” العلاقة المحتملة بين استهلاك العسل ودعم الجهاز المناعي، حيث تشير بعض النتائج إلى أن العسل قد يساهم في تقليل بعض المؤشرات الالتهابية ودعم نشاط مضادات الأكسدة في الجسم، إلا أن هذه التأثيرات ما تزال غير محسومة سريريًا وتحتاج إلى تجارب بشرية طويلة الأمد وعينات واسعة قبل تأكيدها بشكل نهائي.
وفي المقابل، تؤكد أدبيات التغذية السريرية أن العسل يظل في النهاية مصدرًا مركزًا للطاقة والسكريات البسيطة، ما يعني أن الإفراط في تناوله يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم، وزيادة العبء السكري الكلي في النظام الغذائي، خصوصًا لدى مرضى السكري أو الأفراد المعرضين لمقاومة الإنسولين أو زيادة الوزن.
وتشير دراسات في علم الوبائيات الغذائي إلى أن الاعتقاد الشعبي بأن “الطبيعي يعني آمنًا دائمًا” لا يتوافق مع المعايير العلمية، إذ إن القيمة الصحية لأي مادة غذائية تعتمد على الجرعة، والتكرار، والحالة الصحية للفرد، وليس فقط على مصدرها الطبيعي.
وفي سياق أكثر تخصصًا، تفرق الأبحاث الحديثة بوضوح بين العسل الطبي المستخدم في المستشفيات، والذي يخضع لعمليات تعقيم وإزالة ملوثات دقيقة باستخدام تقنيات مثل التشعيع أو الترشيح المتقدم، وبين العسل الغذائي الذي يتفاوت بشكل كبير في خصائصه الحيوية تبعًا لمصدره النباتي ومحتواه الكيميائي.
كما تُظهر دراسات في علم المناعة الغذائية أن تأثير العسل على الجهاز المناعي لا يمكن فصله عن نمط الحياة العام، بما في ذلك جودة النوم، ومستوى التوتر، والنظام الغذائي الكلي، ما يجعل من الصعب عزله كعامل مستقل في تحسين المناعة أو الوقاية من الأمراض.
هذا وتتفق غالبية الدراسات الحديثة على أن العسل مادة غذائية ذات خصائص بيولوجية نشطة، تمتلك تأثيرات مضادة للأكسدة ومضادة للبكتيريا في ظروف محددة، لكنها لا ترقى علميًا إلى مستوى “العلاج الطبي الشامل”، بل تبقى ضمن فئة الأغذية الوظيفية التي قد تدعم الصحة العامة عند استخدامها باعتدال وضمن نظام غذائي متوازن.
وشهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في أبحاث “الأغذية الوظيفية” التي تدرس تأثير مكونات الغذاء على العمليات الحيوية في الجسم، ويُعد العسل نموذجًا كلاسيكيًا لهذه الفئة، إذ يجمع بين الاستخدام التقليدي الطويل والدراسة العلمية الحديثة، ما يجعله مادة مستمرة في الجدل بين الطب الشعبي والطب القائم على الأدلة.
العسل في هذا السياق لا يُنظر إليه كبديل للعلاج الطبي، بل كمكون غذائي قد يحمل فوائد داعمة مشروطة بطبيعته وتركيزه وكمية استهلاكه.
The post من «الطب الشعبي إلى المختبرات».. ماذا تقول الدراسات عن العسل؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
