هل تكامل الحصادي مع باشلار؟

0
9

حين قال الفيلسوف الليبي الدكتور نجيب الحصادي: «من شابه أستاذه فقد ظلم»، كان يوجِّه طعنة ناعمة إلى قلب مفهوم «القطيعة الإبستمولوجية» عند غاستون باشلار، لكن هل كان الحصادي يهدم باشلار؟ أم كان يكمله من حيث توقف؟

لنبدأ من باشلار، الرجل الذي جعل من القطيعة قانونًا للتقدم العلمي.

عند باشلار ، العلم لا يتقدَّم بالتراكم، بل بهدم التصورات القديمة وبناء تصورات جديدة تتعارض معها جذريًا. نيوتن قطع مع أرسطو، وأينشتاين قطع مع نيوتن، وهكذا بلا نهاية. العلم عنده ثورة دائمة، وسلسلة من القطيعات التي لا تتوقف إلا بتوقف العلم نفسه.

في هذا السياق، العلاقة مع الماضي هي علاقة نقد وهدم وتجاوز.

أما الفيلسوف الليبي نجيب الحصادي، فبجملته الموجزة، يضع إصبعه على نقطة مهمة في هذا التصور، «من شابه أستاذه فقد ظلم» تعني: من يكتفي بمشابهة أستاذه يكون قد ظلم أستاذه لأنه لم يُضِفْ إليه شيئًا، وظلم نفسه لأنه لم يتجاوزه. لكن المهم هنا أن الحصادي لم يقل «من قطع مع أستاذه فقد أنصفه».

الحصادي لم يدعُ إلى القطيعة كبديل، بل دعا إلى الإضافة والاختلاف الإبداعي. وهذا يفتح بابًا لفهم مختلف تمامًا للتقدم المعرفي.

باشلار كان يتحدث عن مجال محدد وهو العلوم الطبيعية. في الفيزياء والكيمياء، النظريات القديمة لا تحمل قيمة حالية سوى كونها أخطاء تم تجاوزها. لا أحد اليوم يدرس فيزياء أرسطو ليَبْنِيَ عليها، بل ليتعلم كيف تجاوزها العلم. أفلاطون لم يقطع مع سقراط، بل أضاف إليه. ابن سينا لم يقطع مع الفارابي، بل عمَّق ووسَّع.

الفلسفة لا تتقدَّم بالهدم بل بإعادة الصياغة والتعميق والإضافة ، ونقد من الداخل، لا قطيعة من الخارج.

ربما كان الحصادي يريد أن يقول لباشلار: ما تسميه قطيعة في العلوم ليس هو النموذج الوحيد للتقدم.

هناك نموذج آخر هو التجاوز النقدي أو الإضافة الإبداعية. وهذا النموذج أقرب إلى ما يحدث في الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون. فأنت لا تهدم شكسبير لتكتب مسرحية جيدة، بل تقرأه بعمق ثم تكتب ما يختلف عنه بإبداعك الخاص. هذه ليست قطيعة، بل حوار مع الماضي لا ينقطع ولا يتوقف.

وهنا نصل إلى جوهر التكامل حيث باشلار نجح في وصف آلية تقدم العلوم الطبيعية، وفشل عندما حاول تعميم هذا النموذج على كل المعرفة. والحصادي نجح في تنبيهنا إلى حدود هذا التعميم، لكنه لم يقدم نظرية بديلة كاملة. هو أشبه بمصحح للاتجاه، يشير بأصبعه إلى منطقة قال عنها باشلار قطيعة فيقول له الحصادي: تكامل وإضافة واختلاف خلاق.

الخلاصة أن الحصادي لم يصحح باشلار من داخل مشروعه، بل أكمل ما فاته، ويختلف عن الأستاذ لا بدافع التمرد، بل بدافع الحب والإضافة. هذا هو التكامل الحقيقي وهو أن نأخذ من باشلار عينه الناقدة، ومن الحصادي إحساسه بأن الفكر الإنساني، ليس ساحة حرب بين الأجيال، بل هو سلسلة متصلة من الأفكار التي يولد بعضها من بعض، في ولادة مؤلمة أحيانًا، لكنها لا تطلب موت الأب لكي يحيا الابن.

The post هل تكامل الحصادي مع باشلار؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.