خلف كواليس «الصراع المظلم».. من يستثمر أزمة الكهرباء لإسقاط المؤسسات وتركيع المواطن؟

0
9

تتصاعد أزمة الكهرباء في ليبيا في ظل استمرار الانقطاعات وارتفاع درجات الحرارة، لتتحول من ملف خدمي واقتصادي إلى قضية ذات أبعاد سياسية واجتماعية، وسط تساؤلات حول تأثيرها على ثقة المواطن بالمؤسسات، وعلى قدرة الحكومات المتعاقبة على إدارة الملفات الأساسية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، ويرى مراقبون أن ملف الكهرباء لم يعد مرتبطاً فقط بقدرات التوليد أو أعطال الشبكة، بل أصبح مرتبطاً بطريقة إدارة الدولة، ومستوى التنسيق بين المؤسسات، ومدى قدرة السلطات على تنفيذ إصلاحات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن أزمة الكهرباء في ليبيا لم تعد مجرد أزمة خدمات أو خلل فني في شبكة التوليد والنقل، وإنما أصبحت “مرآةً لأزمة الدولة الليبية نفسها”.

وأوضح الباروني أن عجز دولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا عن توفير الكهرباء لمواطنيها بصورة مستقرة يؤكد أن المشكلة تجاوزت الجانب الفني لتصل إلى طبيعة النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار.

وأضاف أن استمرار الأزمة لسنوات، رغم مليارات الدنانير التي أُنفقت على قطاع الكهرباء، يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة الإدارة والرقابة، وتأثير الانقسام المؤسسي والصراع السياسي على تنفيذ الحلول المستدامة.

وأشار إلى أن الخدمات الأساسية ليست منفصلة عن السياسة، بل كثيراً ما تتحول إلى أدوات في إدارة الصراع أو التأثير على الرأي العام.

أزمة الكهرباء وتأثيرها على شرعية الحكومات

وحول تأثير أزمة الكهرباء والاحتجاجات الشعبية الناتجة عنها على شرعية الحكومات والمؤسسات السياسية، قال الباروني إن أي حكومة تُقاس شرعيتها العملية بقدرتها على حماية المواطن وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

وأوضح أن المواطن عندما يعيش ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى الثقة بالمؤسسات، مؤكداً أن الشرعية لا تُبنى فقط على الاتفاقات السياسية أو الاعتراف الدولي، وإنما أيضاً على القدرة على الإنجاز وتلبية احتياجات المواطنين.

وأضاف أن التجارب التاريخية في العديد من الدول أظهرت أن تدهور الخدمات كان من أبرز العوامل التي ساهمت في توسع الاحتجاجات وتراجع الثقة بالسلطات القائمة.

هل تتحول أزمة الكهرباء إلى ضغط سياسي؟

وأكد الباروني أن أزمة الكهرباء يمكن أن تتحول إلى أحد أهم أدوات الضغط الشعبي، باعتبارها تمس جميع المواطنين دون استثناء.

وأوضح أن إمكانية تحولها إلى عامل يؤدي إلى تغييرات سياسية تعتمد على عدة عوامل، من بينها طبيعة الاحتجاجات ومدى اتساعها، وقدرة القوى السياسية على استيعابها أو توجيهها، إضافة إلى موقف القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الملف الليبي.

وأشار إلى أن ليبيا شهدت في مراحل سابقة احتجاجات مرتبطة بتدهور الخدمات دفعت إلى حدوث ضغوط سياسية أو تغييرات، وإن لم تكن العامل الوحيد المؤثر.

ملف الكهرباء في دائرة التجاذب السياسي

وفيما يتعلق باستخدام ملف الكهرباء كورقة في الصراع السياسي بين الأطراف المختلفة، أوضح الباروني أن الملف أصبح بالفعل جزءاً من التجاذب السياسي، حيث يسعى كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية استمرار الأزمة واستثمارها في معركة كسب الرأي العام.

لكنه أكد أن القول بأن انقطاع الكهرباء يُدار عمداً أو يستخدم بصورة مقصودة لفرض ترتيبات سياسية معينة يبقى فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة واضحة لإثباتها.

وأضاف أن تكرار الأزمات في توقيتات سياسية حساسة يدفع إلى طرح تساؤلات حول كيفية استثمار الأزمات سياسياً، حتى وإن لم تكن قد صُنعت لهذا الغرض.

الحكومات المتعاقبة وفشل معالجة الأزمة

وحول تعامل الحكومات المتعاقبة مع ملف الكهرباء، أكد الباروني أن السبب الرئيسي لاستمرار الأزمة يعود إلى غياب الدولة الموحدة.

وقال إن الحكومات المتعاقبة أعلنت خططاً وبرامج ورُصدت ميزانيات كبيرة، إلا أن الأزمة بقيت قائمة، مما يشير إلى أن المشكلة لا تتمثل فقط في نقص الموارد، وإنما في عوامل أخرى، أبرزها:

* الانقسام المؤسسي.

* تضارب الاختصاصات.

* ضعف الحوكمة والرقابة.

* غياب الاستقرار الأمني.

* تأخر تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.

وأكد أن الكهرباء أصبحت ضحية للأزمة السياسية، وليست مجرد أزمة فنية منفصلة.

تأثير الاحتجاجات على الانتخابات والمسار السياسي

وحول إمكانية تأثير الاحتجاجات الناتجة عن أزمة الكهرباء على مسار الانتخابات أو خارطة الطريق السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، قال الباروني إن أي تصعيد واسع في الشارع قد يفرض أولويات جديدة على جميع الأطراف.

وأوضح أن الاحتجاجات قد تدفع إلى:

* المطالبة بتغيير الحكومة.

* إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

* تأجيل بعض الاستحقاقات السياسية إذا اعتُبر الوضع الأمني غير ملائم.

* ممارسة ضغوط لتسريع التوافقات السياسية إذا رأت الأطراف أن استمرار الأزمة يهدد الاستقرار.

وأكد أن أزمات الخدمات يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة على مسار العملية السياسية.

دور المجتمع الدولي في حل الأزمة

وأشار الباروني إلى أن المجتمع الدولي والمنظمات الدولية يمكن أن يساهموا في تقديم الدعم الفني والتمويل والخبرات لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، وتشجيع الإصلاحات المؤسسية.

لكنه شدد على أن نجاح أي دعم خارجي يبقى مرتبطاً بوجود إرادة سياسية ليبية، لأن معالجة أزمة بهذا الحجم تحتاج إلى مؤسسات مستقرة وتنسيق وطني فعال.

السيناريوهات السياسية المقبلة

وحول السيناريوهات المحتملة في حال استمرار أزمة الكهرباء واتساع الاحتجاجات، طرح الباروني أربعة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: احتواء الاحتجاجات عبر إجراءات إسعافية وتحسن نسبي في الخدمات، مع استمرار الأزمة السياسية دون حل جذري.

السيناريو الثاني: تصاعد الاحتجاجات بما يؤدي إلى ضغوط لإجراء تغييرات حكومية أو إعادة ترتيب بعض المؤسسات.

السيناريو الثالث: استغلال القوى السياسية للأزمة لتبادل الاتهامات وتعميق الانقسام، بما قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة.

السيناريو الرابع: تحول الأزمة إلى حافز للتوافق على إصلاحات مؤسسية أوسع إذا اقتنعت الأطراف بأن استمرار تدهور الخدمات يهدد الاستقرار العام.

واختتم الدكتور إلياس الباروني تصريحه بالتأكيد على أن الكهرباء في ليبيا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد خدمة عامة، بل باعتبارها أحد مؤشرات أزمة الدولة.

وأوضح أن استمرار الانقسام وضعف المؤسسات يجعل الخدمات الأساسية أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتحول إلى عنصر في الصراع السياسي أو وسيلة للضغط على مختلف الأطراف.

وأكد أن أي ادعاء بأن انقطاع الكهرباء يُدار عمداً لفرض مشروع سياسي أو ترتيبات دولية محددة يحتاج إلى أدلة موثقة، مشدداً على ضرورة أن تعمل الجهات الأمنية المختصة على التحقق من أي تجاوزات، بينما تبقى الحقيقة أن الأزمات الخدمية كثيراً ما تُستثمر سياسياً للتأثير على الرأي العام، وإعادة تشكيل موازين القوى، ودفع المجتمع نحو خيارات قد لا يقبل بها في ظروف أكثر استقراراً.

The post خلف كواليس «الصراع المظلم».. من يستثمر أزمة الكهرباء لإسقاط المؤسسات وتركيع المواطن؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.