أعاد منشور رجل الأعمال حسني بي على صفحته بموقع فيسبوك عرض نقاش اقتصادي بشأن سبل تحقيق الاستقرار النقدي في ليبيا، مستنداً إلى طرحين سابقين للمحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي فرحات بن قدارة، والدكتور محمد أحمد، قبل أن يقدم بي تعليقات تربط أزمة سعر الصرف باختلالات المالية العامة ومصدر النقود.
وتتناول الرؤى الثلاث جوانب مختلفة من الأزمة، تشمل آليات توحيد سوق الصرف، وطبيعة القيادة التي تصنع السياسة النقدية، والعلاقة بين الإنفاق العام والعجز المالي والطلب على العملات الأجنبية.
ويركز بن قدارة على الدروس المستفادة من تجربة توحيد سعر الصرف بين عامي 1999 و2002، فيما يناقش محمد أحمد الفرق بين سلطة المحافظ والقيادة النقدية القائمة على الفكر والمؤسسات، بينما يرى حسني بي أن استدامة أي إصلاح نقدي تتطلب معالجة أسباب الاختلال المالي، وليس الاكتفاء بتغيير سعر العملة أو توسيع قنوات بيع الدولار.
ويستعرض كل طرح جانباً من التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي، مع اختلاف في ترتيب الأولويات التي ينبغي أن تنطلق منها الإصلاحات.
في طرحه، يستند فرحات بن قدارة إلى تجربة توحيد سوق الصرف الليبية بين نهاية التسعينيات وبداية الألفية، معتبراً أن تعديل السعر الرسمي للدينار لا يكفي وحده لإنهاء نشاط السوق الموازية، ما لم يترافق مع توفير فعلي للنقد الأجنبي وتوسيع إمكانية الحصول عليه عبر القنوات المصرفية.
ويشير بن قدارة إلى أن سعر الدولار الرسمي كان في حدود 0.33 دينار، مقابل نحو 3.70 دنانير في السوق الموازية، قبل بدء إصلاحات عام 1999 التي تضمنت استحداث «سعر الصرف الخاص المعلن»، وإتاحة بيع العملات الأجنبية عبر المصارف بنحو 3.20 دنانير للدولار.
وبحسب العرض الذي استند إليه المنشور، جرى تعديل السعر تدريجياً مع توسيع نطاق الحصول على النقد الأجنبي للمعاملات التجارية والشخصية، إلى أن تقارب السعران عند نحو 1.30 دينار للدولار مطلع عام 2002.
ويتمثل الدرس الأساسي في هذه التجربة، وفقاً لطرح بن قدارة، في أن انحسار السوق الموازية ارتبط بانتقال الطلب إلى القنوات الرسمية، لا بمجرد منع التعامل خارجها.
ويفرق هذا الطرح بين الطلب الحقيقي على العملات الأجنبية، الذي يرتبط بالاستيراد والعلاج والدراسة والالتزامات الخارجية، والطلب المضاربي الذي تغذيه الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
فكلما اتسعت الفجوة، زادت فرص تحقيق الأرباح من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي ثم إعادة بيعه، كما ترتفع الحوافز لإجراء معاملات صورية وممارسات مضاربية.
ويرى بن قدارة أن توحيد السوق يتطلب سعراً يمكن الدفاع عنه اقتصادياً، وتوافراً حقيقياً للعملات الأجنبية، وإتاحة الوصول إليها على نطاق أوسع، إلى جانب تطبيق إصلاح تدريجي يراعي ظروف السوق.
ويشدد هذا الطرح أيضاً على أهمية الانضباط المالي، إذ يصعب الحفاظ على سعر صرف موحد إذا توسع الإنفاق العام وعرض النقود بمعدلات تتجاوز الموارد المتاحة للاقتصاد.
أما الدكتور محمد أحمد، فينقل النقاش إلى طبيعة القيادة النقدية وكيفية إعداد القرارات، مميزاً بين الصلاحيات الإدارية والتنفيذية التي يمتلكها المحافظ بحكم منصبه، وبين القيادة الفكرية والمؤسسية التي تتطلب تشخيص الاختلالات وبناء السياسات وتقييم البدائل وإقناع المؤسسات المعنية بها.
ويستحضر محمد أحمد تجارب الاقتصادي ميلتون فريدمان ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق بول فولكر والرئيس السابق للمجلس آلان غرينسبان، في سياق الحديث عن دور الفكر الاقتصادي والقيادة في إدارة السياسة النقدية.
ويرتبط اسم فريدمان بالتأكيد على العلاقة بين عرض النقود والتضخم، فيما ارتبطت تجربة فولكر بإجراءات مشددة لمواجهة التضخم في الولايات المتحدة، بينما تبرز في تجربة غرينسبان أهمية إدارة التوقعات والتواصل وبناء التوافق المؤسسي، رغم اختلاف التقييمات المتعلقة بنتائج سياسته.
ويطرح محمد أحمد، انطلاقاً من هذه المقارنات، تساؤلات بشأن طبيعة الإطار النقدي الذي اتبعته ليبيا منذ عام 2011، ومدى وضوح العلاقة فيه بين عرض النقود والإنفاق العام والتضخم وسعر الصرف.
كما يثير تساؤلات حول مدى مشاركة المؤسسات المعنية في صياغة السياسة النقدية، وما إذا كانت القرارات المتعلقة بسعر الصرف تستند إلى نماذج وتحليلات اقتصادية واضحة، أم تتأثر بضغوط مالية وسياسية وظروف استثنائية.
ويتمحور هذا الطرح حول اعتبار المصرف المركزي مؤسسة لصناعة السياسة النقدية وإدارة التوقعات وتفسير القرارات، وليس مجرد جهة تدير الاحتياطيات أو توفر النقد الأجنبي.
لكن هذه القيادة، وفقاً للأسئلة التي يثيرها النقاش، تظل محكومة بقدرة المالية العامة على ضبط الإنفاق والعجز، إذ لا تستطيع السياسة النقدية بمفردها ضمان الاستقرار إذا استمر تمويل العجز بخلق نقود جديدة.
وفي تعليقه على طرح فرحات بن قدارة، يتفق حسني بي مع أهمية توحيد سوق الصرف وتوسيع القنوات الرسمية لتوفير العملات الأجنبية، لكنه يرى أن هذه الخطوات لا تعالج أصل الاختلال إذا استمر ضخ دنانير إضافية في الاقتصاد من دون موارد حقيقية تقابلها.
ويشير بي إلى خصوصية هيكل الإيرادات العامة في ليبيا، حيث تحصل الدولة على معظم مواردها من النفط بالعملات الأجنبية، في حين تنفذ جانباً كبيراً من إنفاقها المحلي بالدينار.
وبحسب الأرقام التي أوردها في منشوره، سجلت الإيرادات العامة خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026 نحو 114.58 مليار دينار، منها قرابة 111.6 مليار دينار من النفط والأتاوات، بما يعادل نحو 97% من الإجمالي، مقابل نحو ملياري دينار من الإيرادات الضريبية و263 مليون دينار من الإيرادات الجمركية.
وانطلاقاً من هذه الأرقام، يطرح بي سؤالاً بشأن سعر الصرف الذي يسمح بتحويل الإيرادات النفطية إلى موارد محلية كافية لتمويل إنفاق عام مستدام، من دون الحاجة إلى خلق نقود إضافية.
ويحذر في الوقت نفسه من اعتبار تخفيض قيمة الدينار حلاً مستقلاً للعجز، إذ يمكن أن يؤدي إلى زيادة القيمة المقومة بالدينار للإيرادات النفطية، لكنه لا يخلق موارد دولارية إضافية ولا يخفض تلقائياً الكلفة الحقيقية للإنفاق العام.
ويرى أن سعر الصرف المتوازن ينبغي أن يراعي حجم الموارد الخارجية والطلب على العملات الأجنبية والكتلة النقدية، وأن يترافق مع ضبط مالي يمنع عودة الاختلالات.
وفي تعليقه على طرح محمد أحمد، يؤكد حسني بي أهمية القيادة الفكرية والمؤسسية للسياسة النقدية، لكنه يربط فاعليتها بالقدرة على توضيح حدود الأدوات النقدية، وشرح أثر الإنفاق الذي يتجاوز الموارد المتاحة إذا جرى تمويله بإصدار نقود جديدة.
كما يشير إلى اختلاف البنية الاقتصادية بين ليبيا والولايات المتحدة، موضحاً أن الأسواق المالية والائتمانية الأمريكية أكثر عمقاً، وأن تغيرات أسعار الفائدة تنتقل فيها إلى تكاليف الاقتراض والإنفاق والاستثمار بطرق تختلف عن الاقتصاد الليبي، الذي تتسم فيه المالية العامة بدور واسع وتظل قنوات انتقال السياسة النقدية عبر الائتمان وأسعار الفائدة محدودة.
وبناءً على ذلك، يرى بي أن تطوير أدوات إدارة السيولة وأسعار الفائدة يظل مهماً، لكنه لا يغني عن معالجة العجز وضبط الإنفاق العام.
ويشرح بي رؤيته للاختلال الاقتصادي من خلال سلسلة تبدأ بتجاوز الإنفاق العام للموارد المستدامة وتمويل العجز نقدياً، بما يؤدي إلى توسع الكتلة النقدية وزيادة الطلب الكلي والواردات، ثم ارتفاع الطلب على الدولار والضغط على سعر الصرف والاحتياطيات، وصولاً إلى اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي وما يرتبط بها من مضاربة وتضخم.
ويشير إلى أن هذه العلاقة ليست آلية في جميع الظروف، إذ تتأثر بسرعة تداول النقود وحجم الواردات والثقة وتوافر النقد الأجنبي والسياسات المصاحبة، لكنه يعتبر أن السوق الموازية يمكن أن تكون انعكاساً لاختلالات أعمق، وليست بالضرورة نقطة بداية الأزمة.
ومن هذا المنطلق، يركز بي على أن المشكلة لا تقتصر على تحديد المستفيدين من الدولار، بل تشمل السعر الذي يحصلون به عليه ومصدر الدنانير المستخدمة في شرائه، محذراً من أن توزيع العملة الأجنبية بسعر مدعوم يقل كثيراً عن سعر السوق قد ينقل الريع إلى المستفيدين بدلاً من القضاء عليه.
وفي ما يتعلق بالاحتياطيات الأجنبية، يرى بي أنها توفر هامشاً لتمويل الواردات ومواجهة الصدمات والتدخل في سوق الصرف، لكنها لا تحدد وحدها القيمة المستدامة للدينار.
ويعزو استقرار العملة أيضاً إلى توازن المالية العامة، ونمو عرض النقود، والإنتاجية، والطلب على الواردات، وتدفقات النقد الأجنبي، والثقة في السياسات الاقتصادية. ويحذر من أن استمرار العجز الممول نقدياً قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات إذا استُخدمت للدفاع عن سعر صرف لا يتناسب مع الظروف الاقتصادية.
ويتطرق بي كذلك إلى هيكل الإنفاق العام، ولا سيما المرتبات ودعم الطاقة والمحروقات والكهرباء، مشيراً إلى تقديرات أوردها بشأن ارتفاع أعباء الأجور ودعم الطاقة في ليبيا، مع ضرورة التمييز بين النفقات المسجلة في الموازنة والكلفة الاقتصادية الأوسع للطاقة المستهلكة محلياً.
ويطرح في هذا السياق التحول التدريجي من دعم أسعار الطاقة والسلع إلى دعم نقدي مباشر للمواطنين، باعتباره خياراً يمكن أن يحسن كفاءة الإنفاق ويحد من الهدر والتهريب والاستهلاك المفرط، شرط توفير ضمانات اجتماعية وآليات موثوقة لتحديد المستفيدين وتحديث قيمة التعويضات، مع مراعاة الآثار التضخمية المحتملة.
ويختتم بي رؤيته بالتأكيد على أن تنويع الناتج المحلي لا يعني بالضرورة تنويع إيرادات الدولة، إذ يمكن أن تنمو قطاعات غير نفطية بينما تظل الخزانة معتمدة على النفط إذا بقيت الأنشطة الاقتصادية خارج المنظومة الرسمية أو ظلت الإيرادات الضريبية والجمركية محدودة.
ويرى أن التنويع المستدام يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية وتحسين تحصيل الضرائب والجمارك والأتاوات، لا الاكتفاء برفع معدلات الضرائب، بما يساعد على الانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع النفطي إلى اقتصاد ينتج الثروة ويوفر إيرادات عامة أكثر استدامة.
أمراجع غيث: استقرار الدينار يتطلب معالجة الاختلالات المالية
يرى عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي الأسبق أمراجع غيث أن احتواء تراجع قيمة الدينار الليبي يرتبط بمعالجة الأسباب المالية والاقتصادية التي تضغط على العملة المحلية، وليس بمجرد اتخاذ إجراءات تتعلق بسعر الصرف.
وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، ربط غيث بين تراجع القوة الشرائية للدينار والضغوط التي تواجه المواطنين، مشددًا على أن استعادة الاستقرار تتطلب التعامل مع الملفات المؤثرة في سوق النقد الأجنبي، وفي مقدمتها الإنفاق الحكومي والاعتمادات المستندية الممولة بالعملات الأجنبية، إلى جانب مكافحة تهريب النفط والسلع.
ووفق قراءة غيث، تتداخل هذه الملفات في التأثير على سوق الصرف؛ إذ يرتبط الإنفاق العام بحجم الطلب داخل الاقتصاد، فيما تؤثر الاعتمادات المستندية في حركة النقد الأجنبي وتمويل التجارة، ويؤثر تهريب النفط والسلع في الموارد والتدفقات الاقتصادية.
ويضع هذا التصور ضبط الإنفاق ومعالجة الاختلالات المرتبطة باستخدام النقد الأجنبي ضمن الشروط التي يرى غيث أنها ضرورية لتحسين وضع الدينار والحد من انعكاسات تراجعه على المعيشة.
عمر زرموح: إنهاء الترتيبات المالية المؤقتة ووضع سقف للتمويل بالعجز
يركز أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية الليبية الدكتور عمر زرموح على الإطار الذي تُدار من خلاله المالية العامة، معتبرًا أن استمرار العمل بترتيبات مالية مؤقتة لسنوات، من دون موازنة عامة معتمدة من السلطة التشريعية، يمثل وضعًا ينبغي معالجته.
وفي تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، حذر زرموح من أن يتعامل المحافظ المكلف مع هذا الواقع باعتباره أمرًا قائمًا لا يحتاج إلى تغيير، داعيًا إلى العمل على إنهاء الوضع المالي المؤقت والانتقال إلى إطار أكثر وضوحًا في إدارة الموارد والنفقات العامة.
وشدد على أهمية تحديد سقف واضح للتمويل بالعجز، ووضع ضوابط تحكمه، بما يعزز الانضباط المالي ويحد من الضغوط التي تواجه السياسة النقدية.
وتتصل هذه الدعوة، وفق طرح زرموح، بضرورة إخضاع إدارة الموارد العامة لإطار قانوني واضح ورقابة تشريعية، بدل استمرار الترتيبات المؤقتة التي لا تستند إلى موازنة عامة معتمدة.
ويضع هذا الطرح مسألة تمويل العجز في صلب معالجة الاختلالات المالية، من خلال تحديد حدود التمويل وآليات استخدامه، وربط الإنفاق بقواعد واضحة تخضع للرقابة.
عطية الفيتوري: أدوات السياسة النقدية غير كافية وحدها لإنعاش الدينار
يقدم أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري قراءة تركز على حدود الأدوات النقدية في مواجهة الأزمة، مشيرًا إلى أن الإجراءات المتاحة لا تكفي وحدها لإحداث التغيير المطلوب في قيمة الدينار الليبي.
وفي تصريح نقلته صحيفة «الشرق الأوسط»، وصف الفيتوري أدوات السياسة النقدية المتاحة بأنها «غير كافية وحدها لإحداث التغيير المطلوب، وإنعاش الدينار الليبي»، رابطًا محدودية أثرها بالتشوهات الاقتصادية والسياسية القائمة، التي تحد من استجابة الاقتصاد لهذه الأدوات.
ويرى الفيتوري أن المعالجة تتطلب تطوير المؤسسات الاقتصادية وتفعيل أدوات السياسات النقدية والمالية والتجارية بصورة متوازية، بدل الاعتماد على مسار واحد في مواجهة اختلالات متعددة الجوانب.
كما دعا إلى مكافحة الفساد وتعزيز الانضباط في التوظيف والإنفاق العام، محذرًا من استمرار إهدار الجهود من دون تحقيق التحسن الاقتصادي المنشود.
The post أزمة الدينار الليبي.. لماذا لا يكفي تغيير «سعر الصرف» لاستعادة الاستقرار؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.