في عام 1931، صدر كتاب هزَّ عرش الفاشية الإيطالية، ليس من قلم عربي أو مسلم، بل من قلم صحفي دنماركي اعتنق الإسلام وسمّى نفسه علي أحمد. ذلك الكتاب هو “لقاء صحراوي”، لكن عنوانه الأكثر انتشاراً يعكس جوهره المأسوي: “الصحراء تحترق”.
لم يكن كنود هولمبو مجرد سائح غربي يعبر الكثبان، بل كان مستكشفاً وصحفياً استثنائياً تحدث العربية بطلاقة، وقاد سيارته العتيقة من طراز شيفروليه في رحلة مصيرية عبر شمال إفريقيا، من المغرب إلى مصر وليبيا، بين عامي 1930 و1931. لكنه لم يكن يبحث عن المغامرة، بل كان يبحث عن الحقيقة التي تخفيها روما خلف ستار الدعاية الاستعمارية.
وما رآه هناك كان بشعاً لدرجة أنه حوّل قلمه إلى سلاح.
فقد وثق هولمبو بالتفصيل المذهل جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي مارسها الجيش الإيطالي بحق السكان المسلمين في ليبيا. لم يكتفِ بالتقارير، بل وصف بأمانة معسكرات الاعتقال التي حُشر فيها البدو الليبيون، حيث كان الموت بالجوع والتعذيب والإذلال هو المشهد اليومي. كانت صحراء ليبيا، في عينيه، تحترق حقاً بجثث الأبرياء ونيران القمع.
لم تتحمل سلطات موسوليني هذه الرواية الصادمة. فور نشر الكتاب، حُظر في إيطاليا، وأُدين بشدة من قبل الدعاية الفاشية، لكن ضرراً أكبر كان قد وقع، فقد فضح هولمبو القناع الأبيض للاستعمار أمام العالم.
لكن الثمن كان باهظاً. في خريف عام 1931، وبينما كان الشاب الدنماركي (ذي التسعة والعشرين ربيعاً) يتجه شرقاً لأداء فريضة الحج إلى مكة، أوقفته رصاصات الغدر جنوب العقبة في الأردن، في 13 أكتوبر. اغتيل في ظروف غامضة، لتظل أصابع الاتهام معلقةً بالمخابرات الإيطالية التي لم تسامحه على ما كشفه، رغم أن الحقيقة الكاملة حول مقتله ما زالت دفينة في دهاليز التاريخ.
وهكذا، تحول كتاب “الصحراء تحترق” من وثيقة تاريخية إلى وصية شهيد، إنه ليس مجرد سرد لرحلة، بل هو شهادة حية على أن الضمير الإنساني، مهما كان صاحبه غريباً عن الأرض والدم، قادر على رؤية اللهيب حيث يخفي الآخرون الرماد. رحم الله علي أحمد، ذلك الدنماركي الذي آمن بالإسلام وضحى بحياته كي لا تنسى الصحراء صرخات أبنائها.
The post الصحراء تحترق.. رحلة صحفي شهيد وقلم كشف وحشية المستعمر appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
